مدونات مختارة
الأكثر شهرة
هل الإسلامُ محصورٌ في خدمة الخلق؟ | الشيخ محمد قاسم العطاري
لقد عمَّت في زماننا تعبيرات ومفاهيم خاطئة، قد يقصد منها أغراض خبيثة، من ذلك أن تجد بعض الأشخاص ممن يشعُرون بالاشمئزاز من التعاليم الدينية يستخدمون كلمة "التنوير الفكري" لِما يخالف تعاليمَ القرآن الكريم والحديث، ويعتبرون توجيهاتهما ظلامًا وأن السلوك المخالف للإسلام نور، مع أن ذلك باطل تمامًا، وهذا هو الحال عبارة "الإسلام محصور في خدمة الخلق".
هل الأهمُّ من كل شيء هو الإنسانية فقط لا غير؟
خدمةُ الخلق في الواقع شيء عظيم، وله أهمية كبيرة في الإسلام، ومنه الإحسانُ إلى الناس، ومساعدةُ الفقراء، والعطفُ على الأيتام، وقضاء حوائج المحتاجين، وإزالة الهموم عن خلق الله تعالى سنة لرسول الله ﷺ وعلى درجة عالية، وقد أكَّد القرآن الكريم على ذلك بقوة، ولكن الناسَ البعيدين عن معرفة الدين الغافلين عن العبادة؛ المحرِّفين لمفاهيم الإسلام يقصِدون من هذه العبارة بأن الدين هو خدمة الخلق فقط، وما عدا ذلك من الأحكام كالصلاة والصيام والحج والعمرة والتلاوة والذكر والتفكر بالآخرة مما ليس له أهمية كبيرة.
أمثال هؤلاء الناس يستخدمون كلمة الحقوق كثيرًا في تعبيراتهم، ويقولون عن عبادة الله تعالى: بأنها أمر بين العبد وربه، والله يغفر لمن يشاء، فلا داعي للقلق كثيرًا في دعوة الناس إليها! والأهمُّ من كل شيء هو الإنسانية فقط لا غير!
نعم بعض الناس جريؤون لدرجة يعتبرون فيها الأحكام الشرعية وسيلة لخدمة الناس فحسب، ومما يشيعونه: بأن الصلاةَ لم تُفرض إلا لتعليم الانضباط في الحياة، والصومَ لخلْق الشعورِ بالرحمة على الجائعين، والزكاة لمساعدة الفقراء وما إلى ذلك، مع أن هذه الأمور ليست إلا بعض حِكَم الإسلام من تشريعها، وهي مطلوبة كذلك إلا أنها ليست الوحيدة، إضافة لذلك فإن من أهم غايات تلك الفرائض والواجبات:
* الامتثال لأوامر الله تعالى
* إظهار العبودية له.
* اتصال القلب بالله سبحانه وتعالى.
* التضحية بالنفسِ والمالِ والوقتِ من أجل رضى الله تعالى.
* الحماسة في التضحية بالهوى.
* الإعجاب امتثالًا لأوامر الله تعالى.
فهذه الأمور كلها مقاصد أساسية للعبادة، ولو لم يكن الأمرُ كذلك لخرَج الحجُّ ومناسكُه كالإحرام، والطواف، والوقوف بالمزدلفة وعرفات من العبادةِ لخلوِّها عن خدمة الخلق مع أنها من أجل العبادات.
خلاصة القول
إن خدمة الخلق عبادة وسنة لرسول الله ﷺ وسعادة، ولكن لا ينبغي للمرء أن يجعل الدين الإسلامي محصورًا فيها، فهذا التصرّفُ بمثابة هدم عمارة الدين، وما يتعلق بالأحكام العملية للإسلام له تفاصيل منها:
_ عبادات ضرورية يجب أداؤها في جميع الأحوال، تاركها عاصٍ ولو كان منشغلًا في خدمة الخلق أربعاً وعشرين ساعة، وهي التي تُسمى بالفرائض والواجبات كالصلاة والصوم والحج والزكاة.
_ ثم تليها درجة السنة المؤكدة، يأثم من اعتاد على تركها.
_ وفي مقابلها أعمالٌ يجب تجنُّبها، وهي التي تُسمَّى بالحرام والمكروه تحريمًا، كالزنا، والسرقة، والربا، وترك الصلوات وغيرها.
_ ثم تليهما درجةُ ترك السنة المؤكدة.
_ إضافة إلى الأوامر والنواهي هناك أعمالٌ مُستحبّة وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
بعد هذه التفاصيل أقول:
أُمِر العبدُ بأداء جميع الفرائض والواجبات التي تعلَّقت به وتجنّبِ النواهي كلها، وما عدا ذلك من من المستحبات فهو مُخيَّر فيها، يؤدِّيها كلها أو بعضها أو التي يرغب فيها ويطمئن إليها القلبُ، فمثلًا شخص يجد الطمأنينة في الصلاة فله أن يصرف الوقت الباقي كله في النوافل إن شاء، وكذا الشخص الذي يجد السكينةَ في تلاوة القرآن الكريم فليشتغل بذلك، ومن يجد الراحةَ في الصلاة على النبي ﷺ لا بأس أن يقضي أكثر أوقاته فيها، فالإنسانُ مخيَّر في ذلك.
هذه الطرق كلها مروية عن الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم، فمنهم من كان ينشغل في الصلاة أكثر من غيرها والآخر في تلاوة القرآن الكريم، والبعض كانوا يرغبون بقضاء معظم أوقاتهم في الصلاة على النبي ﷺ، وآخرون قضوا حياتهم في تعليم الناس، المهم أن المستحبات له فيها اختيار.
أمر خدمة الخلق
وكذلك أمر خدمة الخلق، إذا كان الشخصُ يتجنب المعاصي ويؤدّي الفرائض والواجبات كالمحافظة على الصلوات كلها، وصوم رمضان، والزكاة، والحج المفروض إن قدر عليه، ويجتنب كسب الحرام، والربا، والرشوة ونحو ذلك، ويؤدّي حقوق الناس كخدمة الوالدين، وأداء حقوق الزوج والأولاد والأقارب، ثم إضافة إلى ذلك يرغب في الأعمال الخيرية أيضًا، فمثلًا إذا رأى شخصًا معسرًا أعانه، أو شابًّا يحتاج لوظيفة ساعده في البحث عنها، أو رأى فقيرًا قضى حاجته، ثم أسَّس جمعية خيرية يقوم بجمع التبرعات لمساعدة الفقراء والأيتام والأرامل وتعليم الأطفال وزواج اليتيمات فله بذلك أجرٌ عظيم جداً، بل هذا تطبيقٌ عملي لتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومِن أفضل الأعمال وأجلِّها، كما قال النبي الكريم ﷺ:
خير الناس أنفعهم للناس. (المعجم الأوسط: 6/58، (5787))
ولذلك، إذا سلك الإنسانُ هذا الطريق بنية العبادة لله تعالى والتقرب إليه، فهو عملٌ عظيم جدًّا، ونجد في سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم هذا بكثرة، كيف أنهم انشغلوا في خدمة الخلق بعد تولي الخلافة إلى جانب المحافظة على العبادات، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتجوَّل ليلًا في أزقة المدينة المنورة ليتفقد أحوال الرعية، وذات مرة رأى امرأة في مشكلة فحمل على رأسه لوازم الطبخ وأخذها إلى بيتها، طبَخ الطعام بنفسه ثم قدَّمه للأطفال، وبقي جالسًا هناك، وقال: إني رأيتهم يبكون، فلن أذهب حتى أراهم يضحكون. فهذه هي خدمة الخلق، وهي عمل جليل من حيث الأصل، وإن قام به المرء بنية الثواب أثيب عليه، ولكن لا يجوز لأحد أن يقول بنية تقليل شأن العبادات بأن:
"الإسلامُ خدمة الخلق فقط، ومن اشتغل بالأعمال الخيرية فلا يحتاج العمل بالأحكام الأخرى".
فهذا غير صحيح، وأمثالُ هؤلاء الناس لا يتقنون فهمَ الإسلام بكافة تعاليمه فهمًا صحيحًا لقلَّةِ معرفتهم بالدين، ولذلك فإنهم يَقعون ضحية سوء الفهم.
#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة
#مجلة_فصلية

تعليقات