التوبة الصادقة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى


نشرت: يوم الثلاثاء،09-أكتوبر-2018


Document

حقيقة الإنسان

سمة الإنسان التقصير، وحاله العجز، وطبعه الخطأ، فهكذا الإنسان إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى أو حفظه، حاله (الضعف والعجز والجهل والفقر)، يقول تعالى واصفاً الإنسان

(إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا) (الأحزاب: ٧٢)

ويقول جل وعلا

(إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا) (المعارج: ١٩-٢١).

 

ومن كان هذا وصفه فإن الخطأ حاله، ولا يكون الإنسان خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقا، فالخير المطلق حال الملائكة المقربين، والشر المطلق حال الشياطين، وأما العائد إلى الخير بعد الوقع في الشر، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير حال من جِبِلَّتُه طين، وقد قال سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين:

(كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون). (الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه)

 

حكم التوبة

والتوبة واجبة وفرضٌ على المؤمن، لما دلت عليه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، قال تعالى:

(وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ) (النور: ٣١)

وقال سبحانه:

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا) (التحريم: ٨)

وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)) (مسند الإمام أحمد: ١٨٢٩٣)

والتوبة واجبة على الفور، فالذنب مُبعدٌ عن الله سبحانه وموجبٌ لمقته جل وعلا، والإنسان لا يدري متى تنتهي حياته في هذه الدنيا وعلى أي حال يكون، ويُخشى عليه سوء الخاتمة، فمن تلبس بذنبٍ فعليه المسارعة إلى التوبة والإصلاح..

 

التوبة وشروطها

هي رجوعٌ عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمودٌ فيه، وشروطها:

  • أن يقلع عن المعصية.
  • أن يندم على فعلها.
  • أن يعزم ألا يعود إليها أبداً.
  • وإن كان خطأه متعلقاً بحق آدمي فعليه أن يبرأ ذمته منه.

ومدار التوبة على الصدق، فالتوبة بذرة الصدق، فإن وجِدَ وجِدَت التوبةُ وتحققت، وحتى تنموَ هذه البذرة وتكبر ويشتد عودها فهي تحتاج إلى بيئة مناسبة، وبيئة التوبة هي الصحبة الصالحة، التي تأخذ بيد التائب وتعينه على الخير، وتقيه من الشر وأهله، كما في الحديث الصحيح (قصة قاتل المائة) الذي أرشده العالم إلى أن الله يقبل توبته، واشترط عليه أن يترك البيئة السيئة إلى البيئة الصالحة، ومثال البيئة الصالحة في زماننا: البيئة المتدينة التي يسعى مركز الدعوة الإسلامية إلى إنشائها وتنميتها في إنحاء الدنيا، وهي ولله الحمد منتشرة في كثيرٍ من البلدان..

ومما يعين على ذلك أن يحاسب المسلمُ نفسه في نهاية كل يوم، وأن يراجع ما كان له من أعمال وأقوال فيتوب عما كان سيئاً ويستغفر الله تعالى... وبهذا تصبح التوبة سلوكاً يومياً.

أخطأ كثيراً فأتوب ثم أعود

لا تقل إنني أذنب ثم أتوب ثم أعود إلى الذنب ثم أتوب هكذا كثيراً، حتى يئست من نفسي ومن التوبة، فأقول لك والحق أقول: عليك أن تيأس من نفسك، وأن تملَّ من قبيح فعالها ومعاودتها، وأن لا تركن إليها، فهي مصدر كل خلقٍ ذميم وفعلٍ خبيث، وأما حقيقة توبتك ورجوعك عن الذنب فليس إلى نفسك، وإنما هي فرار من نفسك وقبيح فعالها إلى خالقك الرحمن الرحيم، ولا يجوز لك أن تيأس من رحمة الله أبداً، فهذا فعلُ غير المؤمنين برب العالمين، يقول تعالى:

(وَلَا تَاْيۡ‍َٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡ‍َٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ) (يوسف: ٨٧)

ويقول سبحانه:

(وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ) (الحجر: ٥٦).

 

وهو سبحانه يقبل توبة العبد عن أي ذنب وفي أي وقت، يقول صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الله يَقبلُ توبة العبد ما لم يُغَرغِر) (سنن الترمذي: ٣٥٣٧)

بل إن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده، كما ورد في الحديث الشريف:

(لَلَّهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيسَ منها، فأتى شجرةً، فاضطجعَ في ظِلها، قد أيس من راحِلَته، فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها، ثمَّ قال من شدة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شِدة الفرح). (البخاري ومسلم)

 

فلا تمنعك كثرة ذنوبك وتكرارها من التوبة، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (فإن قلت إنما يمنعني من التوبة أني أعلم من نفسي أني أعود إلى الذنب ولا أثبت فلا فائدة من ذلك فاعلم أن هذا من غرور الشيطان..

ومن أين لك هذا العلم فعسى أن تموت تائباً قبل أن تعود إلى الذنب..

وأما الخوف من العَود فعليك العزم والصدق في ذلك، وعليه الإتمام، فإن أتم فذاك من فضله، وإن لم يتم فقد غفرت ذنوبك السالفة كلها، وتخلصت منها، وتطهرت، وليس عليك إلا هذا الحدث الذي أحدثته الآن، وهذا هو الربح العظيم والفائدة الكبيرة، ولا يمنعك خوف العودة عن التوبة، فإنك من التوبة أبداً بين إحدى الحسنيين، والله ولي التوفيق والهداية. فهذه هذه.) (منهاج العابدين: ٨٩) والحمد لله رب العالمين...

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد شفيع المذنبين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تعليقات



رمز الحماية