من دروس الإسراء


نشرت: يوم الأَحد،23-أبريل-2017


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

في كل عام من شهر رجب تمر بنا ذكرى معجزة عظيمة، معجزة تركت بصمة واضحة في التاريخ الإسلامي، إنها: ((معجزة الإسراء والمعراج))، وإذا ما تأملنا وقائع أحداث هذه الحادثة العظيمة نجد أنفسنا نقف أمام دروس هامة، نذكر منها:

أولاً: مواساة وتكريم الحبيب المصطفى ﷺ:

ن من أهم الدروس المستفادة من حادثة الإسراء والمعراج معرفة الناس لقدر الحبيب محمد ﷺ عند الله تعالى، حتى يعظموه ويوقروه، لأنه الإنسان الوحيد الذي رفعه الله تعالى إلى سدرة المنتهى، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ [سورة النجم/9.8].

وهذا التكريم إنما جاء مواساة للنبي ﷺ بعد أن اشتدت عليه المصائب، فقد توفيت السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تسانده وتواسيه، وتوفي عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى كفار قريش، ولذلك سمي هذا العام: بـ ((عام الحزن)).

وهنا كانت رحلة الإسراء والمعراج مواساة للحبيب ﷺ وتثبيتاً له، وكأن مضمونها رسالة مفادها:

يا رسول الله... إذا كان أهل الأرض قد ضيقوا عليك وآذوك، فإن أهل السماء سيرحبون ويحتفون بك، واعلم أن الله تعالى الذي كلفك بالرسالة السامية بلا شك سينصرك رغم كل الشدائد...

ثانياً: الالتجاء دائماً إلى الله تعالى:

لما أراد الحبيب ﷺ الخروج للدعوة إلى الله تعالى في الطائف، عله يجد من يحمل همَّ هذا الدين، كان منهم أن استقبلوه أسوأ استقبال، فقد سلطوا عليه سفهاءهم يسبونه ويرمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان ﷺ، فالتجأ إلى بستان وجلس رافعاً يديه إلى السماء مناجياً ربه قائلاً:

((اللهم إليك أشكو اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)).

وهنا نتعلم أن المؤمن الحقَّ يلتجأ في كل أحواله إلى خالقه سبحانه وتعالى، خاصة في الملمَّات والشدائد، إذ هو سبحانه خالق الأسباب والمسببات، وهو الوحيد القادر على تفريج الكروب ونصر هذا الدين العظيم ونشره بين الناس.

ثالثاً: توحيد الأفعال:

قال تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء/ 1].

لما أنكر الكفار من أهل قريش وغيرهم هذه المعجزة، غفلوا عن هذه الحقيقة، وقالوا: أتدعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟!

وكان سؤالهم دليلاً على أنهم لم يفهموا المعجزة، فالحبيب صلى الله عليه وسلم لم يقل: سريت.. وإنما قال: أسري بي... فالفاعل على الحقيقة هو الله تعالى... ولذلك أراد إنما الله تعالى أن نعرف أن معجزة الإسراء والمعراج من فعله سبحانه، ولم تتم بقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرية، ولذلك بدأ السورة بقوله: ((سبحان الذي أسرى بعبده...)) أي أن كل ما سيأتي بعد ذلك في هذه الرحلة منسوب لقدرة الله سبحانه وتعالى، المكان والزمان مخلوقان وهما بيد الله تعالى يطويهما كيف يشاء...

وختاماً:

لا بد أن نذكر أن أمثال هذه المناسبات من الضروري جداً التذكير بها للناس، حتى يتقوى لديهم معاني الارتباط بها في زماننا، والاحتفال بأمثال هذه المناسبات أمر مشروع بل مستحب لما فيه من الفوائد العظيمة لنشر تعاليم الله سبحانه وتعالى وسنن الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم ...

وإن مركز الدعوة الإسلامية يهتم غاية الاهتمام بالمناسبات الشرعية، ويقيم لهذا مجالس واحتفالات ومحاضرات في كثير من أنحاء العالم، ليبقى المسلم مرتبطاً في كل وقت مع مناسبته الذي تذكره بما كان عليه حبيب الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين...

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لإحياء هذه المناسبة وغيرها على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يكرمنا بالسفر مع قوافل المدينة للدعوة إلى الله تعالى ونشره تعاليم الإسلام السمحة إنه سميع قريب...

وصلى الله تعالى على سيدنا محمد

وعلى آله وصحبه وسلم،

والحمد لله رب العالمين...

تعليقات



رمز الحماية