الاحتفال بالمولد النبوي الشريف


نشرت: يوم الجمعة،16-نوفمبر-2018


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ الله صَلاَةً دَائِمَةً بِدَوَامِ مُلْكِ الله

منة الله على المؤمنين

لاشك أن وجود النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكبر نعمة وأكبر منة من الله سبحانه وتعالى على عباده، إذ أنه عليه الصلاة والسلام أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الفساد إلى الصلاح...، حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز:

(لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ) (آل عمران: ١٦٤)

فَالخيرُ كلُّه مَا جَاءَ إلا بعدَ بِعثَتِه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

 

الاحتفال بالمولد الشريف

كلنا يعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُعظِّم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضّله عليه بالجود لهذا الوجود، إذ سعَد به كلُّ موجود، وكان يعبّر عن ذلك التعظيم بالصيام، كما جاء في الحديث عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه،

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن صوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدتُّ وفيه أُنزِلَ عليَّ». (رواه مسلم: ١١٦٢)

 

وهذا في معنى الاحتفال به، إلا أن صورته مختلفة ولكن معناه موجود، سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعامٍ أو اجتماع على ذكرٍ أو صلاةٍ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سماع شمائله الشريفة...

ولولا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما كان عيد ولا ليل ولا نهار...، بل خُلِقت السموات والأرض بوسيلة الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وما أُرسِلَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلا رحمةً للعالمين، والفرحُ برحمة الله تعالى مطلوبٌ بأمر القرآن، قوله تعالى:

(قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ). (يونس: ٥٨)

 

فإن الله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعظم رحمة، قال الله تبارك وتعالى:

(وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ). (الأنبياء: ١٠٧)

 

أصل الاحتفال بالمولد في الشرع

وكذلك إذا كنا نتحدث عن أصله في الشرع فهو أيضًا موجود في شريعتنا الإسلامية، ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: خرج معاويةُ على حلقةٍ في المسجد، فقال: ما أجْلَسَكُم؟ قالوا: جلسنا نَذكُرُ اللهَ، قال آللهِ ما أجْلَسَكُم إلا ذاك؟ قالوا: واللهِ ما أجْلَسَنَا إلا ذاك، قال: أَمَا إنِّي لمْ أستحلفْكُم تُهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقَلَّ عنه حديثًا مِنِّي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقةٍ مِن أصحابه، فقال: «مَا أجْلَسَكُم؟» قالوا: جَلَسْنَا نَذكرُ اللهَ ونَحمَدُه على ما هدانا للإسلام، ومنَّ بِه عَلينا، قال: «آللهِ ما أجْلَسَكُم إلا ذاك؟» قالوا: واللهِ مَا أجْلَسَنَا إلا ذاك، قال:

«أَمَا إنِّي لمْ أستحلفْكُم تُهمةً لكم، ولكنَّه أتانِي جبريلُ فأخبَرَني، أن اللهَ عزَّ وجلَّ يُباهِي بكم الملائكةَ». (صحيح مسلم: ٢٧٠١)

 

إذن مجموعة من الصحابة جلسوا معاً يذكرون الله ويحمدونه، على ماذا؟

  • على نعمة الهداية إلى الإسلام
  • على نعمة منة الله عز وجل على عباده بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فبالله عليكم هل بعد هذا الكلام كلام؟ فاجتماع الناس لذكر الله وحمده لما منَّ الله علينا بنبينا صلى الله عليه وسلم جائز، وقد فعله الصحابة من قبل، وكذلك أخبار كثيرة وردت في هذا السياق، كما ورد في الحديث عن صيام يوم الاثنين الذي تقدم أعلاه.

كيفية الاحتفال وغايته

فالمولد الشريف يشتمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به، وكُتُب قراءة المولد تؤدِّي هذا المعنى تمامًا، والتعرف إلى أخلاقه الحميدة، وصفاته الحسنة، وأدبه الرفيع، وسلوكه الراقي، ويشتمل الاحتفال على كلمات ومواعظ من العلماء ترقق القلوب وتزكي النفوس وترقي الأرواح، بالإضافة إلى الإنشاد والمديح لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، فكل هذا مشروع ومندوب، والغاية منه التعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ومحبته واتباع سنته.

عمل المولد مستحسن لدى العلماء الكرام

وكذلك استحسن العلماء والمسلمون في جميع البلاد المولد النبوي الشريف، وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الموقوف أنه قال:

(ما رأى المسلمُون حَسَنًا، فهو عند الله حَسنٌ، ومَا رأوْا سَيئًا فهو عند الله سَيئٌ). (أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٣٦٠٠)

 

ونقل مؤسس مركز الدعوة الإسلامية شيخ الطريقة العطارية القادرية فضيلة الشيخ محمد إلياس العطار القادري حفظه الله تعالى في كتابه المسمى "مولد النبي صلی الله تعالی عليه وآله وسلم" كلاماً نفيساً للعلامة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى، حيث قال في كتابه مدارج النبوة عن أبي لهب وعتقه لثويبة:

هذا برهان مبين من أدلة جواز الاحتفال بالميلاد النبوي الشريف للذين يفرحون به، وينفقون أموالهم، أي: يُخَفَّفُ عن أبي لهب بسبب فرحه بمولد النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وبسبب عتقه لثويبة مرضعة، لما بشرته بولادة الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مع أنه كان كافراً فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد صلى الله تعالى عليه وسلم مسروراً وأنفق به ماله إلا أن الاحتفال بالمولد الشريف ينبغي أن يكون احتفالًا شرعيًا لا أن يكون فيه منكرات مثل الأغاني والموسيقى.

وينبغي الاحتفال بالمولد الشريف بإظهار الفرح والسرور، فإذا كان هذا حال الكافر أبي لهب أن يُخَفَّف عنه بسبب الفرح والسرور بمولد الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فكيف بحال المسلم الذي يحتفل بمولده الشريف؟!، ولم يفرح أبو لهب ظانًّا بمولد رسول الله، بل فرح ظانًّا بولادة ابن أخيه فجزي، فإن سُرَّ المسلمُ مؤمنًا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يُحرَم؟! (مولد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: صـ٩ – ١٠)

لذلك أيها الإخوة الكرام! ينبغي لنا أن نحتفل بمولد خير الأنام صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مراعين دراسة سيرته وآدابه وشمائله وأخلاقه الكريمة...

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتمسكين بسنته، والمقتفين أثره، والمهتدين بهديه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميع قريب مجيب.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية