كيف تكون التوبة من الكبائر؟


نشرت: يوم الثلاثاء،30-يوليو-2019


لا يخلو إنسان من خطأ أو عصيان، ولا يمكن أن ينجوَ عبد من ذنبٍ أو تقصير إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذا شرع الله التوبة وأمر بها، وفتح بابها إلى ما قبل غرغرة العبد بالموت أو طلوع الشمس من مغربها، والعبد الموفّق من كان في باب التوبة واقفاً كل يومٍ كما كان حال حبيبنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

«والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».(أخرجه البخاري رحمه الله تعالى، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة (٨/٦٧) برقم [٦٣٠٧]).

وهذا من تعليمه صلى الله عليه وسلم لأمّته لأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم معصوم عن الذنوب والزلات ومحفوظ مما يقع به سائر الناس.

ومعلوم أن الذنوب تنقسم إلى: ١- كبائر ٢- وصغائر.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وَإِذَا ثَبَتَ انْقِسَامُ الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا جِدًّا ; فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَارٍ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ لَعْنَةٍ، أَوْ عَذَابٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ بِنَارٍ، أَوْ حَدٍّ فِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي (الْبَسِيطِ): وَالضَّابِطُ الشَّامِلُ الْمَعْنَوِيُّ فِي ضَبْطِ الْكَبِيرَةِ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يُقْدِمُ الْمَرْءُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِشْعَارِ خَوْفٍ وَحَذَارِ نَدَمٍ كَالْمُتَهَاوِنِ بِارْتِكَابِهَا وَالْمُتَجَرِّئِ عَلَيْهِ اعْتِيَادًا ; فَمَا أَشْعَرَ بِهَذَا الِاسْتِخْفَافِ وَالتَّهَاوُنِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَمَا يُحْمَلُ عَلَى فَلَتَاتِ النَّفْسِ أَوِ اللِّسَانِ وَفَتْرَةِ مُرَاقَبَةِ التَّقْوَى وَلَا يَنْفَكُّ عَنْ تَنَدُّمٍ يَمْتَزِجُ بِهِ تَنْغِيصُ التَّلَذُّذِ بِالْمَعْصِيَةِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْعَدَالَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِكَبِيرَةٍ.

وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (فَتَاوِيهِ الْكَبِيرَةِ) كُلُّ ذَنْبٍ كَبُرَ وَعَظُم عِظَمًا يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَبِيرِ، وَوُصِفَ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ: فَهَذَا حَدُّ الْكَبِيرَةِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تُمْحَى بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّغِيرَةَ تَصِيرُ كَبِيرَةً بِالْإِصْرَارِ.(كذا من المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للامام النووي رحمه الله تعالى مختصراً: ٢/٨٥).

إذا علمنا هذا فهمنا أنه تجب التوبة من جميع الذنوب والكبائر أولى، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَاجِبَةٌ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ، لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، ولأن الآية لم تفرّق بين ذنب وذنب:

(وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ).[النور: ٣١]

وأَصْلُ التَّوْبَةِ فِي اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، يُقَالُ: تَابَ، وَثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَآبَ بِمَعْنَى: رَجَعَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ هُنَا: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَأَصْلُهَا النَّدَمُ وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَعْظَمُ، فالتَّوْبَةُ مِنْ مُهِمَّاتِ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِهِ الْمُتَأَكِّدَةِ، وَوُجُوبُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالشَّرْعِ، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَلُهَا كَرَمًا وَفَضْلًا.(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: ١٧/٥٩)
فالتوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة:

  1. الندم على الذنب من حيث عصي به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو مال.

  2. والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان.

  3. والعزم أن لايعود إليها أبداً ومهما قضى عليه بالعود أحدث عزماً مجدّداً.

وآدابها ثلاثة:

  1. الاعتراف بالذنب مقروناً بالانكسار.

  2. والإكثار من التضرع والاستغفار.

  3. والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات.(التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي: ٢/٦٨).

فقد قال الله جلّ وعلا:

إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِۚ.[هود: ١١٤]

وفي الحديث:

وأتبع السيئة الحسنة تمحها.(رواه أحمد والترمذي)

وزاد كثير من العلماء في فرائض التوبة شرطين إضافة لما سبق وهما:

  1. رد المظالم لأهلها إن كان الذنب والمعصية متعلق بحقوق الخلق من مال أو غيبة ونحو ذلك. (بتصرف من الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ١٧ ص ٦٩، وتفسير السراج المنير للخطيب الشربيني ١-٤ ج٤ بتصرف، وذكره ابن علان في دليل الفالحين على شرح رياض الصالحين)فلا بد من التَّحَلُّلُ مِنْ صَاحِبِ ذَلِكَ الْحَقِّ.

    وأما إذا كان الذنب بين العبد وربه كشرب الخمر أو الرياء والكبر فتجب التوبة بينه وبين الله.

  2. الصحبة الصالحة وترك البيئة السيئة، وهذا مأخوذ من حديث قاتل المئة من بني إسرائيل الذي سأل فقال: هل لي من توبة؟ فأمره العالم الصالح أن يذهب إلى أرض غير أرضه ليعبد الله مع الصالحين؛ فيستطيع إتمام توبته.

فيما سبق من الشروط يستحضر النية الصالحة بالإخلاص لله بالتوبة وأنها لأجله سبحانه وتعالى وابتغاء وجهه خوفاً منه ورغبة إليه.

هذه الشروط والآداب شاملة لكبائر الذنوب وصغائرها وهي آكدُ في التوبة من الكبائر، لأن الكبائر أخطر على دين العبد وإيمانه من الصغائر، والصغائر خطيرة مع الإصرار عليها والتهاون بها، لكن اجتناب الكبائر والتوبة منها سبب لتكفيرها كما أخبر الله تعالى:

إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ[النساء: ٣١]

أي: نكفّر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم صغائر سيئاتكم التي هي دون الكبائر بالصَّلوات الخمس

وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا

أَيْ: الجنَّة.(تفسير الطبري والوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي، عند الآية [النساء: ٣١])

لا شك أنه إذا تحققت شروط التوبة وتوافرت عند العبد التائب فهو مقبول بإذن الله ومن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فعلى العبد أن لا يقنط من رحمة الله، وذلك بأن يأخذ بأسباب التوبة كلما وقع في الذنب، وليعلم أن الله يحب التوابين من عباده، وأن التوبة تجُبّ ما قبلها إذا تحقق شرطها.

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين برحمتك يا أرحم الراحمين.

تعليقات



رمز الحماية