الذكر فوائده وأنواعه


نشرت: يوم السبت،05-سبتمبر-2020


ما أكثر نوائب الزمان، وما أقسى ظروفه على الإنسان...حقيقة يلمسها أكثر من يعيش هذه الحياة، فلا يكاد هذا الإنسان يهنأ بساعة أنس إلا وألم المصائب قد هجم عليه فاسترقها منه وعكر صفو أيامه، ولا يكاد الحبيب يأنس بحبيبه إلا ويد المنون قد أسرعت إليه حين حلول أوانه، فكل متاع فيها زائل، وكل نعيم بها زُخرف باطل إلا ما اتصل بالله سبحانه وتعالى كما قال أحدهم:

ألا كل ما خلا الله باطل***وكل نعيم لا محالة زائل

لذا قال نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام:

الدنيا مَلْعُونَةٌ، مَلعونٌ ما فيها، إلّا ذِكْرَ اللهِ وما والاهُ، أوْ عالِمًا أوْ مُتَعَلِّمًا. (أخرجه الترمذي (٢٣٢٢)، وابن ماجة (٤١١٢))

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (قوله ملعونة متروكة مبعدة متروك ما فيها واللعن للترك وقد يراد أنها متروكة للأنبياء والأصفياء كما في خبر " لهم الدنيا ولنا الآخرة"
الدنيا ملعونة) لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذاتها وإمالتها عن العبودية إلى الهوى حتى سلكت غير طريق الهدى. ( ٣/٧٣٣ فيض القدير)

ومن هنا كان ذكر الله هو الملاذ والملجأ الذي تسكن إليه النفوس، وتطمئن إليه القلوب، "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".

فما هي أنواع ذكر الله سبحانه وتعالى؟ وما هي فوائده؟

أنواع الذكر:

يمكن لنا أن نميز نوعين رئيسين للذكر هما:

الذكر المطلق: وهو ما ليس مرتبطا بزمان مخصوص أو مكان مخصوص، كالتسبيح والتهليل والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الذكر المقيد: وهو ما كان مرتبطا بزمان ما أو مكان ما، أو حدث ما، كالدعاء عند نهاية الأذان، وكأذكار النوم والاستيقاظ والإيواء للفراش، وكأذكار الصباح والمساء، ودخول البيت والخروج منه، والشروع في السفر، وغير ذلك.

من فوائد الذكر:

ولما كان الذكر منقسما إلى قسمين كانت فوائده كذلك، ومما لا يخفى على مسلم أن للذكر فوائد جمَّة، وهي أوسع من أن تطوى في بضعة سطور، وفوائد الأذكار نوعان:
- فوائد عامة تنظبق على كل ذكر لله تعالى.
- فوائد مخصوصة بأذكار مخصوصة، كأذكار الحراسة والحفظ ودفع الوسوسة والأرق.

أولا: الفوائد العامة للذكر

ولنتعرف على بعض الفوائد العامة للأذكار علَّ ذلك يكون لنا حافزاً، ولأرواحنا دافعاً نحو ذكر الله سبحانه وتعالى، فمن هذه الفوائد:
- نيل رضى الله سبحانه وتعالى.
- انشراح الصدر وطمأنينة القلب: فالذكر يورث انشراح الصدر ويملأ القلب بالنور والسرور، قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ". - سعة الرزق وكثرة العيال، قال الله تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا(12) ". (نوح)
- تفريج الهمّ والغمّ، فالذكر من أعظم الأسباب التي تُفتَح للعبد به أبواب الفرج.
- حياة القلب ومغفرة الخطايا.
- نيل سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من المعيشة الضنك قال الله تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)"
- الفوز بالمراتب العليا من الجنة كما جاء في الحديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سبق المفردون، قالوا يا رسول الله ما المفردون؟ قال الذكرون الله كثيرا والذاكرات. (ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه ٨٥٨)

ثانيا: الفوائد المخصوصة للأذكار المخصوصة

وهي متنوعة متكاثرة بتنوع الأذكار وكثرتها، وتضيق هذه العجالة عن سردها، ولكن لما كان للذكر ذلك الشأن العظيم، اهتم العلماء بجمع الأذكار الواردة في السنة المطهرة، وصنفوا في ذلك الكتب الكثيرة، ومن أشهر المصنفات التي جُمِعَتْ في هذا الباب وأنفعِها كتابُ الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو كتاب عظيم الشأن، لم يكن يخل منه بيت من بيوت المسلمين، ونذكر نماذج من هذه الأذكار، كأذكار الصباح والمساء..

أذكار الصباح والمساء

وهي كثيرة جدا يمكن للمرء أن يتخير منها،"وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ "
ونذكر نماذج منها:

١- أواخر سورة البقرة (آمن الرسول) الآية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" مَن قَرَأَ بالآيَتَيْن؛ يعني: مَن قَرَأَ بالآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". (صحيح البخاري ٥٠٠٨ )

أي كفتا قارئهما من شر الإنس والجن، أو كفتاه من الشيطان قال الإمام النووي رحمه الله: قِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقِيلَ: مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: مِنَ الْآفَاتِ، وَيَحْتَمِلُ مِنَ الْجَمِيعِ. (٤/٤١٦ شرح النووي على مسلم)

 

٢- وروى الإمام أحمد رحمه الله أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: "رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".

 

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ:

"بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ". (سنن أبي داود ٥٠٨٨)

 

هذه نبذة عامةٌ عن الذكر وفوائده وأنواعه، والأذكار المخصوصة كثيرة ومهمة لو أتى المؤمن على بعضها بين كل فترة ولازم أذكار الصباح والمساء المعروفة وهي لا تأخذ من وقته أكثر من ربع ساعة ولكن أثرها عليه في سائر يومه بالتوفيق والحفظ.

وما أجمل هذه الوصية ونحن نختم كلامنا حين ينبهنا الحبيب صلى الله عليه سلم إلى خطورة الفضول في كثرة الكلام ويدفعنا إلى ذكر الله تعالى لنبتعد عن القسوة وموت القلب حيث يقول صلى الله عليه سلم:

"لا تُكثِروا الكلامَ بغيرِ ذكرِ اللهِ فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإنَّ أبعدَ النّاسِ من اللهِ تعالى القلبُ القاسي". (سنن الترمذي ٢٤١١)

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وأن يحشرنا تحت لواء سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سيد السادات, والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية