الشتاء بين هموم الفقراء وهِمَمِ أهْل الخير والعطاء


نشرت: يوم الأَربعاء،30-ديسمبر-2020


يقلّب الله الليل والنهار على الخلائق، ويعيش الناس تلك الليالي والأيام بظروف مختلفة، ومن أجواء تلك الظروف والوقائع تتباين طبقات الناس في كل شتاء، ويمكن أن نحصرها من منظور مقالنا هذا في ثلاث طبقات:

١. فعلى المستوى المعيشي يقاسي الكثير من الناس آلام البرد وهموم الأمراض التي تزداد عليهم في فصل الشتاء.
٢. على المستوى الديني يُعتبَر الشتاء موسماً لأهل الخير في التعبّد في ليله الطويل والصيام في نهاره القصير.
٣. وقسم آخر من أهل الخير يكون فيه الشتاء موسماً للمواساة وتفقّد أحوال الذين يقاسون شدائد الشتاء وأوضاع الفقر الذي يزيد عليهم وخصوصاً في زمن انتشار الأوبئة والبطالة وقلة العمل.

وها هي قد أقبلت ليالي الشتاء الباردة والطويلة كما في كل عام، وبدأ الأب يفكّر كيف ستمضي عليه وعلى أولاده بشدّتها وبرودتها! وهل يمكن له أن يقوم فيتهجّد ويصلي كما كان في السنوات الماضية قبل أن يضطرّ للخروج من بيته وبلده بسبب الحرب التي تدور في بلاده! وبينما هو مستغرق في التفكير إذْ بولده يُقبل عليه فيسأله:

بابا: هل سنبقى في هذا الشتاء مرة أخرى هنا في هذه الخيمة الممزّقة بعيدين عن بيتنا؟! ثم متى سوف نزور جدِّي وجدَّتي كما كنّا في أعوامنا السابقة لنجلس معهم حول المدفأة؟ أجابه الأب بحزنٍ وألمٍ يعتصر قلبه: سنرجع إن شاء الله تعالى حين تتحسّن الظروف..

قال الولد متحيّراً: ولكن كيف يمكن لنا أن نحمي أنفسنا من برد الشتاء وغزارة الأمطار ووحْل الشتاء ونحن في هذا المكان وهذه الخيمة البسيطة البالية؟!

قال الأب: سوف نأخذ ببعض الأسباب الممكنة يا بنيَّ، وسيجعل الله لذلك مخرجاً بقدرته، ونستعين على ذلك بالدعاء والعبادة، والله سيحمينا بفضله..

في الحقيقة ليس جميع الناس يفكّر بهذه السهولة الجميلة التي تبعث الأمل في القلب وتريح النفس من عناء الهموم القاسية، ولكنه آلام تداخل شرائح كثيرة من مجتمعاتنا في هذا العصر الذي داهمتْه الفتن والمشاكل والأوبئة والحروب، ونسأل الله السلامة لجميع أهل الإيمان.

نعم ما أجمل أن يكون المرء ببساطة في الحياة والمعيشة، وقوة في الإيمان واليقين وحسن الظن بالله المترافق بالتفاؤل، ولا يتأتى ذلك إلا لصاحب إيمان وصلة بالله الذي يدبِّر شؤون خلقه.

الشتاء ربيع المؤمن:

هو ربيع لأهل الإيمان والطاعات والقربات، وهو شاهد ناطق كذلك على أصحاب السهر على المخالفات، ومن يضيّع فيه الأوقات في الغفلة والمعاصي وخصوصاً إذا كثرت البطالة في دنيا الشباب الحائر!

قال بعضهم: خلقت القلوب من طين فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه. (لطائف المعارف فيما للمواسم من وظائف: صـ٥٦٥ – ٥٦٦، بتصرف)

ولقد روى الإمام البيهقي في الشعب والسنن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:

الشتاء ربيع المؤمن، قصُر نهارُه فصام، وطال ليلُه فقام. (شعب الإيمان: ٣٦٥٥، السنن الكبرى للبيهقي: ٨٤٥٦)

يقول ابن رَجَب في اللَّطائف: لأنه يَرْتَع فيه في بَساتين الطاعاتِ، ويَسْرَح في ميادين العبادات، ويُنَزِّهُ قَلْبَهُ في رياض الأعمال الْمُيَسَّرَةِ فيه.. فَيَصْلُحُ دِينُ المؤمن في الشتاء بما يَسَّرَ الله فيه مِن الطاعات، فإنَّ المؤمن يَقْدِر في الشتاء على صيام نهارِه مِن غير مشَقَّة ولا كُلْفَة تحصُل لَهُ مِن جُوعٍ وَلَا عطَشٍ، فَإِنَّ نهارَه قَصِيرٌ بارِد فلا يُحِسُّ فِيه بِمَشَقَّةِ الصِّيَامِ.. وَأَمَّا قِيَامُ لَيْلِ الشِّتَاءِ بالطّاعَةِ فَلِطُولِهِ يُمْكِنُ أن تأخُذَ النَّفْسُ حَظَّهَا مِنَ النَوْمِ ثُمَّ تَقُومُ بعدَ ذَلِك إلى الصَّلاةِ.. فَيَكْمُلُ لَهُ مَصْلَحَةُ دِينِهِ وَرَاحَةُ بَدَنِهِ. (لطائف المعارف فيما للمواسم من وظائف: صـ٥٥٨، بتصرف)

فالسَّعيدُ من استفاد واغتنم هذا الموسم وجعله قُرْبَةً لمولاه عزَّ وجلَّ، فعسى أن تُكفِّرُ عنه ما فات من الآثام والسَّيئات.

وكذلك فإنّ الشِّتاء نهارُه قصيرٌ بارد، ولِقِصَره نتقوَّى على صيامه، دون مشقَّةٍ لا جوعٍ ولا عطش، فهو "الغنيمة الباردة"، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الصومُ في الشتاءِ الغَنيمةُ الباردةُ. (أخرجه الإمام الترمذي: ٧٩٧، والإمام أحمد: ١٨٩٧٩، رحمهم الله تعالى)

ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرحباً بالشتاء تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصُر فيه النهار للصيام. وروي عنه مرفوعاً ولا يصح رفعه. وعن الحسن قال: نِعمَ زمانُ المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه. وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن! طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا، قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف.

مواساة الفقراء في الشتاء:

ومن جانب آخر أنه إذا كان الشتاء غنيمة لأهل التعبّد والصيام، وفرصة لأهل الخير والعطاء؛ فهو هموم وغموم على ذوي الحاجة والمرضى من الفقراء.
رأى مسعر أعرابياً يتشرّق في الشمس وهو يقول:

جاء الشتاء وليس عندي درهمٌ *** ولقد يُخصُّ بمثل ذاك المسلمُ
قد قطع الناس الجبابَ وغيرها *** وكأنَّني بفناء مكةَ مُحرِمُ

فنزع مسعر جبته فألبسه إياها.

 

ورُفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام، وهم عراة جياع، فأمر رجلاً أن يمضي إليهم، وحمل معه ما يُصلِحهم من كسوةٍ وطعام، ثم نزع ثيابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتَهم وأشبعتَهم، فمضى وعاد فأخبره: أنهم اكتسوا وشبعوا وهو يُرعِد من البرد، فلبس حينئذ ثيابه. وأخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعاً:

من أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، ومن سقاه على ظمإٍ، سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كساه على عُرْيٍ، كساه الله من خُضْر الجنة.

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال:

يُحشَر الناس يومَ القيامة أعرى ما كانوا قطّ، وأجوع ما كانوا قطّ، وأظمأ ما كانوا قطّ، فمن كسا لله عزّ وجل ّكساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عفا لله أعفاه الله. (لطائف المعارف فيما للمواسم من وظائف: صـ٥٦٦ - ٥٦٧، بتصرف)

 

هذه مشاهد نحتاج أمثالها في زماننا الكثير فيما بين المؤمنين، لأن المواساة أصبحت في كثير من الأحيان مسؤولية ملقاة على كل من يحملُ جزءاً يقدر على القيام به، وإذا تأخّر صار العبء أكبر، هناك في هذا الشتاء القارس أساليب كثيرة للمواساة يجب أن يقوم المؤمنون بتفعيلها ليسدّوا ثغوراً مطلوبة في الأمة، ومن ذلك:
١- مساعدة المحتاجين للألبسة الشتوية والبطانيات، فكم وكم من العوائل التي لا تجد ما تستر به أولادها ما يَقِيهم برد الشتاء.
٢- تفقّد المرضى وذوي الإعاقات وأصحاب المرض المزمن فقد صار مَنسيّين في أكثر الأحيان لكثرة المحتاجين الجُدُد.
٣- تقديم المساعدات التي تخدم المحتاجين سواء في المبيت أو العبادات مثل توفير المياه الصالحة للشرب والوضوء؛ وتأمين التدفئة وأدوات تسخين المياه ونحو ذلك.
٤- أقل شيء إن لم تقدر على جزء مما سبق أن تقوم بإدخال السرور عليهم ولو بكلمة طيبة ودعوة صالحة وبثّ روح الأمل والتفاؤل في نفوسهم وفي الحديث:

أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفعُهُمْ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ على مُسلِمٍ، أو تَكشِفُ عنهُ كُربةً، أو تَقضِيَ عنهُ دَيْنًا، أو تَطرُدَ عنهُ جُوعًا، ولَأَنْ أمْشِيَ مع أخِي المسلمِ في حاجةٍ أحَبُّ إليَّ من أنْ أعتكِفَ في المسجدِ شهْرًا.. (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: ٦٠٢٦)

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لاغتنام موسم الشتاء بالإكثار من الطاعات والعبادات، والاعتناء بهؤلاء الفقراء والمحتاجين بمساعدتهم وإعانتهم، وتوفير ما يحتاجون إليه، لنمثّل حقيقة دور: "المسلم أخو المسلم" ونحصلَ على رضى المولى سبحانه وتعالى.

تعليقات



رمز الحماية