فوائد مجالسة الصالحين


نشرت: يوم الثلاثاء،05-يناير-2021


فضل مجالسة الصالحين وأهميتها:

مجالسة الصالحين ترياق مجرّب يؤثّر في المؤمنين فتنقلهم من الغفلة إلى الذكر، ومن الغيبة إلى الحضور، ومن سوء الاعتقاد إلى حسْنه، ومن ضيق الصدر وهمومه إلى سعته وانشراحه، بشرط أن يكون المجالس حسَن النية صادقاً غير منكر ولا معترض، كيف لا وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:

مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ -[يعطيك]- وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً. (رواه البخاري: ٥٥٣٤، ومسلم: ٢٦٢٨)

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فيه فضيلةُ مجالسة الصالحين وأهلِ الخير والْمُروءة ومكارمِ الأخلاق والورع والعلمِ والأدبِ والنهيُ عن مجالسة أهلِ الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثُرُ فُجرُه وبَطالتُه ونحوُ ذلك من الأنواع المذمومة.." (انتهى من "شرح النووي على مسلم": ١٦/١٧٨)

والصالح هو المؤمن القائم على حدود الله الموفّي لحقوق العباد، ويتفاوت الصالحون في الالتزام بذلك؛ ولكن يجمعهم الصلاح والإصلاح قدر المستطاع وعدم الإصرار على المخالف إن وقعوا فيه ويحرصون على رضى الله تعالى.

وكان أبو العبّاس بن عطاء رحمه الله تعالى، يَقُولُ: «أدْنِ قلبَك من مجالسة الذاكرين لعلَّه ينتبهُ عن غفلته وأقِمْ شخصَك في خدمة الصالحين لعلَّه يتعوَّد ببركتها طاعةَ ربّ العالمين». (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: صـ٣٠٣، جـ١٠، ط دار الفكر)

لذلك فمن جالَسَ الصالحين تشمله بركةُ مُجالستهم، ويعمُّه الخيرُ الحاصل لهم، وإن لم يكن عمله بالغًا مبلغَهم وهذا ما أكّده الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(إنَّ لله ملائكةً يطوفون في الطرُق، يلتمسون أهل الذِّكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم)

، إلى أن قال في آخر الحديث:

(فيقول الله: فأشهدكم أني قد غفرتُ لهم، قال: يقول ملك منَ الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجُلساء لا يشقى بهم جليسُهم). (صحيح البخاري: ٦٤٠٨)

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: "في الحديث فضل مجالِس الذكر والذاكرين، وفضلُ الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندَرج معهم في جميع ما يتفضَّل الله تعالى به عليهم إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.." انتهى. (فتح الباري شرح صحيح البخاري: صـ١٧٩، جـ١٢، طبعة دار الكتب العلمية)

وقال بدر الدين العيني رحمه الله تعالى (ت ٨٥٥ هـ): "وفيه أن الصحبة لها تأثير عظيمٌ وإن جلساء السعَداء سعداء والتحريض على صحبة أهل الخير والصلاح.." (عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٣/٢٨)

وقال العلّامة ملّا عليّ القاري رحمه الله تعالى (ت ١٠١٤ هـ): ".. قال الطيبي: أي: هم جلساء لا يخيب جليسهم عن كرامتهم فيشقى، انتهى.

وفي الحديث ترغيبٌ في مخالطة أهل الذكر. قال تعالى:

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ). [التوبة: ١١٩]

وقال بعض العارفين: "اِصحَبوا مع الله فإن لم تقدروا فَاصحَبوا مع من يصحَب مع الله". (مرقاة المفاتيح: صـ١٤٧، جـ٥، ط دار الكتب العلمية)

قال جَعفَر: كنتُ إذا وجدتُ من قلبي قسوة نظرتُ إلى وجه مُحمد بن واسع نظرةً، وكنتُ إذا رأيتُ وجه مُحمَّد بن واسع حَسِبتُ أنَّ وَجهَهُ وجه ثَكْلَى. (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: صـ٢٧٦، جـ٢، ط دار الفكر)

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال:

قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ جلسائنا خيرٌ؟ قال: "من ذَكَّركم بالله منظرُه، وزاد في علمِكم مَنطِقُه، وذكَّركم بالآخرة علمُه.
(أخرجه أبو يعلى، والبيهقيُّ في الشعب، وأورده ابنُ عديّ في الكامل في ترجمة مبارك وهو في مسند ابن حميد. قال الهيثمي (٨٠٧ هـ)
في مجمع الزوائد: ١٠/٢٢٩ فيه مبارك بن حسان وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح‏‏)

إذا عرفت هذا أيها القارئ فاعلم أن فوائد مجالسة الصالحين كثيرة وعديدة، وكل مجالسٍ لهم يعرف ذلك من خلال صحبته واستفادته، فليس المعاين كالمشاهد، وهنا لا بد من خلال ما سبق أن نعدّد بعض فوائد مجالسة الصالحين..

فوائد مجالسة الصالحين وثمراتها:

• أنّ من جالس الصالحين جانسهم بشرط الصدق في المصاحبة وإن لم يعمل بمثل عملهم.

• المجالسة تعين على الاقتداء بالشيء الحسن فيتأثر الجليس بعلم من يجلس إليه وعمله وسلوكه ومنهجه كما قال صلى الله عليه وسلم:

"الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل". (رواه الترمذي في سننه: ٢٣٧٨ وأبو داود في سننه: ٤٨٣٣)

• الجليس الصالح يكشف لك عيوبك وينصحك، قَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ إِنْ رَأَى فِيهِ مَا لا يُعْجِبُهُ سَدَّدَهُ، وَقَوَّمَهُ، وَحَاطَهُ، وَحَفِظَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، إِنَّ لَكَ مِنْ خَلِيلِكَ نَصِيبًا وَإِنَّ لَكَ نَصِيبًا مِنْ ذِكْرِ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَثِقُوا بِالأَصْحَابِ وَالإِخْوَانِ وَالْمَجَالِسِ". (الإخوان لابن أبي الدنيا: رقم: ٥٤، اللفظ له. والبخاري في «الأدب المفرد»).

• بذلك تغْنم فوائد كثيرة تتعرف على أخطائك وتصحّحها من خلال مقارنة نفسك بهم أو نصحهم لك بما ينفعك، كما أنك تبتعد عن المعصية بصحبتك للصالحين ومجالستهم.

• بمجالسة الصالحين يكون للوقت بركة وفائدة لصاحبه لأنه وقتٌ امتلأ بالطاعة ولا يتجاوز المباح في أقل أحواله، والوقت رأس مال الحياة.

• صاحبك الصالح يحفظ حرمتك وودك في حضرتك وغيبتك وينصح لك.

• مجالسة الصالحين أُنسٌ لك في الرخاء وعونٌ عند البلاء والحديث إليهم تخفيف للهموم، ولذا قال بعضهم: لقاء الأحبة أنفع من دواء الأطبة، وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ فَعِشْ فِي أَكْنَافِهِمْ، فَإِنَّهُمْ زَيْنٌ فِي الرَّخَاءِ، وَعُدَّةٌ فِي الْبَلاءِ". (الإخوان لابن أبي الدنيا: صـ٨٤)

• الأصحاب أعداء لبعضهم إلا مصاحبة الصالحين، فإن مجالستهم تدخلك في زمرة أهل الجنة الآمنين:

(ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۢ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧ يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ). (الزخرف: ٦٧ - ٦٨)

• الصالحون يذكّرونك ويعينونك ويدعون لك في ظهر الغيب، ورد عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ:

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَصْحَابِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "صَاحِبٌ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعَانَكَ، وَإِذَا نَسِيتَهُ ذَكَّرَكَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنَا عَلَى خِيَارِنَا نَتَّخِذْهُمْ أَصْحَابًا وَجُلَسَاءَ. قَالَ: "نِعْمَ، الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ".(الإخوان لابن أبي الدنيا: رقم: ٤٢)

• مجالسة الصالحين توجب محبة الله لهم وشفاعتهم، ففي الحديث قالَ اللَّهُ تَعَالَى:

"وَجَبَتْ مَحبَّتِي لِلْمُتَحَابِّين فيَّ، والمتجالِسِين فيَّ، وَالمتَزَاوِرِين فيَّ، وَالمتَباذِلِين فيَّ". (رواه الإمام مالك في "الموطأ"، بسند صحيحِ)

• مجالس الصالحين هي مجالس ذكر الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم:

"لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفَّتْهم الملائكة، وغشِيتهم الرحمةُ، ونزلَت عليهم السكينة، وذكَرَهم اللهُ فيمن عنده". (رواه مسلم: ٤/٢٠٧٤)

أخيراً إن الأخ الصالح هو كما ورد في الحليَة: "المؤمن إن ماشــيته نفعك وإن شـاورته نفعك وإن شاركته نفعك وكل شيء من أمره منفعة". (حلية الأولياء لأبي نعيم: ٨/١٢٩)

وأما مجالسة الصالحين السابقين المنتقلين من الدنيا:

فقد قال مقرئ دمشق علمُ الدين السخاوي (٥٥٨ – ٦٤٣) رحمه الله تعالى: متى أردت مجالسة إمام من الأئمة الماضين فانظر في كتبه التي صنفها ومجموعاته التي ألفها، فإنك تجده لك مخاطباً ومعلماً ومرشداً ومفهّماً، فهو حيّ من هذه الجهة وموجود من هذا الجانب. (الوسيلة إلى كشف العقيلة: صـ٤)

ومصداق ذلك ما روي عن الإمام أبي داود الطيالسي قال: قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ تُجَالِسُ بِخُرَاسَانَ قَالَ: أُجَالِسُ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي أَنْظُرُ فِي كُتُبِهِمَا. (حلية الأولياء لأبي نعيم: جـ٨ صـ١٦٤)

ويستحسن أن ننوّه أنّ مركز الدعوة الإسلامية بفضل الله تعالى يحاول دائماً أن يربط المسلمين ببيئة صالحةٍ، ويدعو الناس إليها بوسائل الدعوة المتاحة، مع المحبة والتحريض على فعل الخير، ومن ذلك تسيير القوافل الدعوية لإصلاح النفس بالدعوة ومجالسة المؤمنين في المساجد ودعوتهم إليها، وحضور مجالس العلماء وأهل الصلاح الذين يوجّهون الناس إلى الله بحالهم وقالهم، وهذا إحياءٌ هام لدور المسجد في الأمة وتفعيل شأنه بين المسلمين كما انطلق منه الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم جميعاً.

نسأل الله تعالى أن يلحقنا بهم ويكرمنا بالاقتداء بهم وألَّا يحرمنا من بركاتهم ونفحاتهم. آمين بجاه النبي الأمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا وقرّة عيوننا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

تعليقات



رمز الحماية