كشف الغطاء عن مخترع لغة المكفوفين لغة برايل | الشيخ محمد إلياس اليماني


نشرت: يوم السبت،16-أكتوبر-2021


كثيراً ما نهلل لأي عمل يأتينا من الغرب، بل إننا حين نرى أي عمل جديد يقوم الكثيرون بنسبته إلى الغرب بدون بحث وتثبّت ولا نطالع التاريخ أو نتصفح عن حقيقة ذلك بل نؤمن ونصدق بكل يقوله الغربيون، تلك عقدة تساورنا منذ زمن بعيد.

وعلى سبيل المثال لغة المكفوفين أي " لغة برايل" وهي عبارة عن إطار معدني أو بلاستيكي يُثبت على الورقة الخاصة تُمكن المكفوفين من القراءة، فلذا تُكتب الحروف رموزًا بارزة على الورق ممّا يسمح للمكفوفين بالقراءة عن طريق حاسة اللمس على طريقة برايل نسبةً لمخترعها الفرنسي لويس برايل الذي ابتكر في عمل الحروف البارزة لجعل المكفوفين يعرفون القراءة، لأنه هو الذي فقد بصره منذ الصغر فحاول أن يقدم للبشرية طريقته التي حملت اسمه على مستوى العالم بعد ذلك.

ولذا قام الفرنسيون بإقامة تمثال له بفرنسا في تلك البلدة الصغيرة التي ولد فيها اعترافًا بفضل هذا الرجل " لويس برايل"، فإذا كان الفرنجة يفتخرون ويتباهون بواحد من بني جلدتهم وقاموا بتكريمه، لكننا نسينا نحن الرجل الذي ابتكر الطريقة الخاصة للحروف البارزة التي تساعد المكفوفين على القراءة مع اختلاف الظروف والإمكانيات قبل " برايل" بحوالي ستمائة عام.

مهما نسينا أو تناسينا فلن ينسى التاريخ

وقد صرح الدكتور أحمد بك زكي في المؤتمر الدولي الذي عقد في مصر أن علماء المسلمين من العرب قد سبقوا الأوروبيين إلى اختراع طريقة الكتابة بالحروف البارزة التي تساعد فاقدي البصر على القراءة. وقال أيضا: يرجع الفخر إلى ابن الشرق حين وضع طريقة الكتابة البارزة للمكفوفين فيجب الاعتراف بأن أول مخترع للغة المكفوفين هو الشيخ علي بن أحمد بن يوسف المشهور بزين الدين الآمدي واستطرد الدكتور أحمد بك زكي إلى القول بأن زين الدين الآمدي المتوفى سنة ٧١٢ هجرية أو ١٣١٢ ميلادية سبق برايل إلى اختراع طريقة الكتابة بنحو ستمائة سنة إذ أن طريقة برايل في الكتابة اخترعت عام ١٢٣٦هـ / ١٨٥٠ م. فنزيح الغبار عن ذكراه ونلقي الضوء علي سيرته. (مجلة المقتبس:٦١/٧٧ بتصرف)

زَيْن الدَّين الآمِدي

أول من صنع الحروف البارزة هو علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر وهو من أكابر الحنابلة فقهًا وصلاحًا وصدقًا ومهابًا، وُلِد في بغداد، عاش ونَشأ فيها ولَم يغادِرها، وأصيب بِفقدان البَصر وهُو صغير، وكان آية في قوة الفراسة وحدة الذهن وتعبير الأحلام، حتى لقّب الشيخ الآمدي ب " المُعبِّر" لشهرته في تفسير الأحلام وتعبيرها، وقد دسّ الأحلام بتفسيراتها في كتابه " جواهر التبصير في علم التعبير" وانتفع من علمه كثيرون، وفاق معاصريه بإتقانه كثيرا من لغات عصره، كالفارسية والتركية والمغولية والروميّة إضافةً للّغة العربية. (الوافي بالوفيات:٢٠/ ١٢٧ بتصرف)

حياته العلمية والعملية

كتب عنه خير الدين الزركلي في كتابه الشهير " الأعلام ": كان الشيخ زين الدين الآمدي مدرسًا وعالمًا من عُلَماءِ المدرسة المستنصرية، وهو من أكابر الحنابلة فقهاً وصلاحاً وصدقاً ومهابةً، لَم يقِف الأمْر به حدّ الاشتغال بالدرس والتدريس فقط بل إنه اتخذ أيضًا مِن بيع الكتُب مِهنة يكسب بها قُوت يومِه.

طريقة الآمدي في القراءة رغم فقد بصره

ولعل الطريقة التي توصّل إليها الآمدي تجــعلنا في دهشة من أمره ، فقـــــــد كان عمله -بيـــــع الكتب- سبيلًا إلى إبتكاره الذي سبق به " برايل " بأكثر من خمسمائة عام.

كان الآمدي قد احترف تجارة الكتب وجمع كثيرا منها ولا يَنخدع بأسعارها، وكان كلما اشترى كتابا أخذ ورقة وفتلها فصنعها حرفا أو أكثر، من حروف الهجاء، لعدد ثمن الكتاب بحساب الجمل، ثم يلصقها على طرف جلد الكتاب ويجعل فوقها ورقة تثبتها. (الأعلام لزركلي:٤/ ٢٥٧ بتصرف)

فإذا طُلب منه كتاب، وكان يعلم أنه عنده، نهض إلى خزانة كتبه، واستخرجه من بينها كأنّه قد وضعه لساعته، وإن كان الكتاب عدّة مجلّدات، وطُلب منه الأول مثلا أو الثاني أو الثالث أو غير ذلك، أخرجه بعينه، وأتى به. وكان يمسّ الكتاب أولا، ثم يقول: يشتمل هذا الكتاب على كذا وكذا كراسة، فيكون الأمر كما قال، وإذا أمرَّ يده على الصفحة قال عدد أسطر هذه الصفحة كذا وكذا سطراً فيها بالقلم الغليظ كذا وهذا الموضع كتب به في الوجهة فيها بالحمرة هذا وهذا الموضع كتبت فيها بالحمرة. وإن اتفق أنها كتبت بخطين أو ثلاثة، قال: اختلف الخط من هنا إلى هنا، من غير إخلال بشيء مما يمتحن به. (نكث الهميان في نكت العميان:١/١٩٠)

سعيُ مركز الدعوة الإسلامية في لغة برايل

من المعلوم أن شعار مركز الدعوة الإسلامية هو عليّ محاولة إصلاح نفسي وجميع أناس العالم، فلذا يقوم المركز بتلبية احتياجات كافة شرائح الأمة الإسلامية، ومن هذه الفئات طبقةٌ قلَّ الاهتمام بها في المجتمع، وينظر إليها الناس نظرة ازدراء، ألا وهي طبقة ذوي الاحتياجات الخاصة، فبحمد الله سبحانه وتعالى لم يُهمل المركز هذه الفئة بل أولاهم العناية الفائقة، فأنشأ قسماً خاصاً لهم، ومن ضمن هؤلاء أي ذوي الاحتياجات الخاصة "المكفوفين" فقد أولى المركز أيضاً اهتماماً خاصاً بتوجيههم وتعليمهم فأنشأ نظاماً متكاملاً لنقل إصدارات مكتبة المدينة من الكتب والرسائل العلمية والدعوية إلى لغة برايل، ليتمكَّنوا من الاطلاع عليها والاستفادة منها، بالإضافة إلى ذلك يتم تسجيلها صوتياً لتُتاحَ لهم فرصةُ الاستماع إليها، وبحمد الله تعالى تم الانتهاء من ستة وعشرين كتاباً حتى الآن، والعمل على هذا مستمرّ ليزداد تقدُّمًا وارتقاءً يومًا بعد يوم إن شاء الله تعالى.

تعليقات



رمز الحماية