نثر الدرر والنفائس في ذكر فوائد خير المجالس | الشيخ طارق المحمد


نشرت: يوم السبت،06-نوفمبر-2021


مجالسة الصالحين ترياق مجرّب يؤثّر في نفوس المؤمنين والحاضرين فتنقلهم من الغفلة إلى الذكر ومن سوء الاعتقاد إلى حسنه، ومن ضيق الصدر وهمومه إلى سعته وانشراحه بشرط أن يكون المجالس حسن النيّة صادقًا غير منكر ولا معترض، كيف لا وقد ورد في الحديث قوله ﷺ:

«مثلُ الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إمّا أن يُحذيَك [يعطيك] وإمّا أن تَبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحًا طيّبةً، ونافخ الكير: إمّا أن يُحرِق ثيابك، وإمّا أن تجد ريحًا خبيثةً» [صحيح البخاري، ٥٦٧/٣، (٥٥٣٤)]

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهيُ عن مجالسة أهل الشرّ وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة" [شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧٨/١٦]

كان أبو العبّاس بن عطاءٍ رحمه الله تعالى يقول: "أَدنِ قلبك من مُجالسة الذاكرين لعلّه ينتبه عن غفلته، وأقمْ شخصك في خدمة الصالحين لعلّه يتعوّد ببركتها طاعةَ ربّ العالمين" [حلية الأولياء، ٣٢١/١٠، (١٥٣٣٥)]

وهذا التعوّد لا نشكّ فيه فقد عاينّاه في التجربة من أنفسنا وسمعنا من أشياخنا فيها مرارًا، إنّ هذه المجالس القوي فيها يرقى والضعيف يقوى وصاحب الإشكالات تزول إشكالاته ببركة هذه المجالس الطيّبة،

وقد أصبحنا بحاجة إليها في كل زاوية من زوايا الحياة التي أغرقتنا بشهواتها وشبهاتها، وأصبح الواحد من الناس يعيش حالاتٍ نفسية صعبة لا يكون علاجها إلا في ارتياد هذه المجالس التي تخاطب القلوب، وتحرّك الوجدان، وتزيد الإيمان.

وهكذا من يجالس الصالحين تشمله بركةُ مُجالستهم، ويعمُّه الخيرُ الحاصل لهم، وإن لم يكن عمله بالغًا مبلغَهم وقد ذكر النبي ﷺ:

«إنّ لِله ملائكةً يطوفون في الطرُق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا: هَلُمّوا إلى حاجتكم»

إلى أنْ قال في آخر الحديث:

فيقول الله: فأُشهِدُكم أنّي قد غفرتُ لهم، قال: يقول ملَكٌ منَ الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنّما جاء لحاجة، قال: هم الجُلساء لا يشقى بهم جليسُهم [صحيح البخاري، ٢٢٠/٤، (٦٤٠٨)]

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: "في الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأنّ جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضّل الله تعالى به عليهم إكرامًا لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر" [فتح الباري، ١٧٩/١٢]

وقال بدر الدين العيني رحمه الله: "وفيه أنّ الصحبة لها تأثيرٌ عظيمٌ وأنّ جلساء السعداء سعداء، والتحريض على صحبة أهل الخير والصلاح" [عمدة القاري، ٤٩٢/١٥]

وقال بعض العارفين: "اصحبوا مع الله فإن لم تقدِروا فاصْحبوا مع من يَصحبُ مع الله" [مرقاة المفاتيح، ٤٧/٥]

فمصاحبة المحزون تسري لجليسه وصحبة المسرور كذلك، ومعلوم أنّ رؤية اليتيم أو المصاب تورث الناظر الشفقة والرقّة والرحمة، فكيف لا يحصّل الناظر ذلك بنظره إلى الصالحين من عباد الله، ولذا قال أحد السلف واسمه جعفر: "كنتُ إذا وجدتُ من قلبي قسوةً نظرتُ إلى وجه محمد بن واسعٍ نظرةً، وكنتُ إذا رأيتُ وجه محمد بن واسعٍ حَسِبتُ أنّ وجهَهُ وجهَ ثَكلَى" [حلية الأولياء، ٣٩٥/٢، (٢٦٩٤)]

وفي الحديث

قيل: يا رسولَ الله، أيُّ جُلسائِنا خيرٌ؟ قال: «من ذكّرَكُم الله رؤيتُه، وزاد في عِلمِكم منطِقُه، وذكّركم بالآخرة عملُه» [مسند أبي يعلي الموصلي، ٤٣٢/٢، (٢٤٣١)]

فوائد مجالسة الصالحين

من جالس الصالحين جانسهم بشرط الصدق في المصاحبة وإن لم يعمل بمثل عملهم؛ لأنّ المجالسة تعين على الاقتداء بالشيء الحسن فيتأثر الجليس بمن يجلس إليه فيستفيد من علمه وعمله وسلوكه ومنهجه، وفي الحديث:

«المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالل» [مسند أحمد بن حنبل، ٢٣٣/٣، (٨٤٢٥)]

الصاحب الصالح يحفظ حرمتك وودّك في حضرتك وغيبتك وينصح لك ويذبّ عنك ويكشف لك عيوبك وينصحك، قال الحسن رحمه الله: "المؤمنُ مرآةُ أخيه إنْ رأى فيه ما لا يُعجبُه سدّدَه وقوّمَه، وحاطَه وحفظَه في السرّ والعلانية، إنّ لك من خليلك نصيبًا، وإنّ لك نصيبًا من ذِكر من أحببتَ، فثِقُوا بالأصحاب والإخوان والمجالس" [موسوعة ابن أبي الدنيا، ١٦٣/٨، (٥٥)]

وفي الحديث:

المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمنِ، يَكفُّ عليه ضيْعَتَه، ويَحوطُه من ورائه [سنن أبي داود، ٣٦٥/٤، (٤٩١٨)] وفي لفظ: المؤمنُ مرآةُ أخيِه [الأدب المفرد للبخاري، ص٨٣، (٢٤٠)]

بصحبتك للصالحين ومجالستهم تبتعد عن المعصية وأهلها.

الفوز ببركة الوقت وفائدته، والوقت رأس مال الحياة.

مجالسة الصالحين أُنسٌ لك في الرخاء وعونٌ لك عند البلاء والحديث إليهم تخفيف للهموم، ولذا قال بعضهم: لقاء الأحبة أنفع من دواء الأطبة، يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

"عليك بإخوان الصدق فعِشْ في أكنافهم، فإنّهم زينٌ في الرخاء، وعُدّةٌ في البلاء". [موسوعة ابن أبي الدنيا، ١٦٠/٨، (٣٥)]

الأصحاب أعداء لبعضهم إلا من يتقون الله في مصاحبتهم بل إنّ مجالستهم تدخلك في زمرة أهل الجنة الآمنين:

﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذٍ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّاٱلۡمُتَّقِينَ (٦٧) يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٧-٦٨]

الصالحون يذكّرونك ويعينوك ويدعون لك في ظهر الغيب، ورد عن الحسن قال:

قالوا: يا رسول الله، أيّ الأصحاب خيرٌ؟ قال: صاحبٌ إذا ذكرتَ الله تبارك وتعالى أعانك، وإذا نسيتَه ذكّرك، قالوا: يا رسول الله، دُلّنا على خيارنا نتّخذهم أصحابًا وجلساء، قال: «نعم الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله [موسوعة ابن أبي الدنيا، ١٦١/٨، (٤٢)]

مجالسة الصالحين توجب محبّة الله لهم وشفاعتهم، ففي الحديث:

«قال الله تبارك وتعالى: وجبَتْ مَحبّتي ،للمتحابّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ والمتباذلين فيَّ» [موطأ الإمام مالك، ٤٣٩/٢، (١٨٢٨)]

هي مجالس تنزل على أهلها المغفرة والسكينة والرحمة ولهم ذكر خاص في العالم العلوي، قال ﷺ:

لا يقعُدُ قومٌ يذكرون الله عزّ وجلّ إلا حفّتهم الملائكة، وغشِيَتهم الرحمة، ونزلَتْ عليهم السكينة، وذكَرَهم الله فيمن عندَه [صحيح مسلم، ص١١١١، (٦٨٥٥)]

والأخ الصالح كما ورد في الحلية: المؤمنُ إنْ ماشَيتُه نفعك، وإنْ شاورتُه نفعك، وإنْ شاركتُه نفعك، وكل شيء مِن أمره منفعةٌ [حلية الأولياء، ٨/١٣٥، (١١٦٢١)]

ما هي صفة مجالس الصالحين؟

هي مجالس لا يُعرف فيها إلا الخير والدعوة إليه، وهي مجالس القرآن والعلم والذكر والصفاء والصلح مع الله، هي مجالس لا ينزل أصحابه عن رتبة المباح في حديثهم وفعلهم، وإذا خرجوا عن ذلك نبّههم من يقوم عليها بالرجوع إلى ما هو مشروع ومقبول عند الله، والخلاصة هي مجالس يجد فيه المؤمن قلبه وتنتعش روحه وتسمو نفسه، فمن وجد هذه المجالس فلا ينبغي أن يفارقها إلا لضروراته.

ولذلك فإنّ مركز الدعوة الإسلامية بفضل الله تعالى يحاول دائمًا أن يربط المسلمين ببيئة صالحةٍ، ويدعو الناس إليها بوسائل الدعوة المتاحة، مع المحبّة والتحريض على فعل الخير، ومن ذلك تسيير القوافل الدعوية لإصلاح النفس بالدعوة ومجالسة المؤمنين في المساجد ودعوتهم إليها، وحضور مجالس العلماء وأهل الصلاح الذين يوجّهون الناس إلى الله بحالهم وقالهم، وهذا إحياءٌ هام لدور المسجد في الأمة وتفعيل شأنه بين المسلمين كما انطلق منه الحبيب ﷺ في بداية دعوته مع أصحابه الكرام رضي الله عنهم جميعًا.

وهذه المجالس بعضها يوميّ وبعضها أسبوعيّ وبعضها سنويّ، وكلها تهدف لتعزيز الصلاح في نفوس الجالسين والحاضرين، ومن المجالس السنوية العظيمة مجالس المولد النبوي الشريف في شهر ربيع الأنور حيث يُظهر المحبون فرحًا خاصًّا بولادة الحبيب ﷺ ويبتهجون بسماع سيرته وأخباره ليجدّدوا الاقتداء بسننه وأخلاقه من خلال هذه المناسبة العطرة.

نسأل الله أن يلحقنا بهم ويكرمنا بالاقتداء بهم وألّا يحرمنا بركاتهم ونفحاتهم، آمين بجاه النبي الأمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا والحمد لله رب العالمين.

للاطلاع على مثل هذه المقالات المفيدة ليس عليك إلا زيارة هذا الموقع

تعليقات



رمز الحماية