الفؤاد في ميزانِ القرآن | أبو النور محمد راشد المدني


نشرت: يوم الإثنين،22-ديسمبر-2025

الفؤاد في ميزانِ القرآن

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19

أهمية القلب:

يعتبر القلب العضو الرئيسي في جسم الإنسان، ذا أهمية بالغة للبدن، وقد اعتنى القرآن الكريم بذكره في مواضع متعددة، مبينًا أهميتَه وأنواعه وصفاته، فأثنى عليه حين تخلق بالخصال الحميدة وذمه حين اتصف بالصفات الذميمة كما تبرز أهمية القلب ـ سواء أ كان متحليًا بالفضائل أم متّصفًا بالرذائل ـ بأنه سيُسأل عنه يوم القيامة، كما جاء في قوله تعالى:

انَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا  (الإسراء: 36)

أنواع القلب:

وجاء ذكر القلب في القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعًا، وفي ضوء هذه الآيات يمكن تقسيم القلب إلى ثلاثة أنواع:

1. القلب السليم

2. القلب الميت

3. القلب المريض.

القلب السليم:

هو الذي سلم من الوقوع في الشبهات والشهوات، واستقام على التمسك بأوامر الله تعالى، متبعا لسنن رسوله ﷺ، ومقتديا بهدي السلف الصالح.

قال الله تعالى في القرآن الکریم:

يوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ (الشعراء: 88-89)

وقد فسّر المفتي أحمد يار خان النعيمي رحمه الله هذه الآية بأن سلامة القلب تعني طهارته من البدع والضلالات، وعند الصوفية، القلب السليم هو الذي غمره العشق الإلهي. (تفسير نور العرفان :صـ 591، تعريبًا من الأردية)

القلب الميت:

القلبُ الميت هو الذي غفل عن معرفة ربّه، مع أنه خالقه، ومالكه، ورازقه، ومعبوده الحق فلا يعرف له قدرًا، ولا يعبده، ولا يخضع لأمره، ولا يجتنب نهيه، بل يسير وراء شهواته، ويتّبع لذاته، ويُفني عمره حقيقتا في عبادة غير الله تعالى.

القلب المريض:

القلب المريض هو قلب حيّ أي يعرف ربه ويؤمن به ولكنه يعتريه بعض الأمراض كالشهوة والحرص والحسد والتكبر والعجب والرياء.

صفات القلب السليم:

القلب السليم: الملتزم بأحكام الله والمبتعد عن معاصيه ـ موصوف بالقرآن الكريم بعدة صفات، منها:

القلب المطمئن: وهو الذي يسكن ويهدأ بذكر الله، كما ورد في سورة الرعد:

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ (الرعد:28)

القلب المنيب:  كما في سورة ق:

منۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ (ق: 33)

وفي تفسير نور العرفان للمفتي أحمد يار خان النعيمي رحمه الله تعالى: أي جاء بقلب صابرٍ عند المصيبة، شاكرٍ عند النعمة، ذاكرٍ لله في جميع الأحوال، فإن أهل التصوف يقولون: إن القلب المنيب من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عبده، ولا يناله إلا ذو حظ عظيم

القلب الوجل: أي القلب الخائف، ومن علامات أهل الإيمان أن قلوبهم تخاف وتفزع عند ذكر الله، كما جاء في سورة الأنفال:

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا (الأنفال:2)

وفي تفسير نور العرفان: أي توجل قلوبهم عند الآيات التي تتعلق بذات الله وصفاته فتمتلأ بالهيبة الإلهية، وعند آيات العذاب، يتملّكهم الخوف، وعند آيات الرحمة، يغمرهم الشوق والذوق حتى تسيل الدموعُ من أعينهم خشية وشوقا، وهذا يدل على أن مَن يخلو قلبه من العشق الإلهي لا يكون مؤمنًا كاملًا، وأن تلاوة القرآن ينبغي أن تكون بخشوع وحضور قلب، ويدل هذا أيضا على أن خوف المؤمن من ربه في هذا العالَم هو وسيلة للأمان له في الآخرة، كما قال تعالى:

لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (تفسير نور العرفان :صـ 281، تعريبًا من الأردية)

وقد بشّر الله تعالى أصحاب القلوب الخائفة بقوله:

وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ (الحج:35-34)

ومنهم كذلك الذين ينفقون في سبيل الله وقلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم ذلك، كما قال تعالى في وصفهم

وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ (المؤمنون: 60-61)

يقول المفتي أحمد يار خان النعيمي رحمه الله تعالى: إن فعل البر مع الخوف علامة على كمال الإيمان وأما مجرد الخوف مع الاستمرار في الذنوب فليس من الكمال في شيء، ألم يقل الشيطان:

إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (الأنفال:48)

ومع ذلك ظل مُصِرًّا على المعاصي، فالكمال أن يقع العبد في الذنب ويخاف الله فيدفعه خوفه إلى التوبة وترك الذنب، وأما ارتكاب الذنوب بجرأة دون خوف فهو جريمة عظيمة (تفسير نور العرفان :صـ 551، تعريبًا من الأردية)

القلب الليّن: بمعنى القلب الرقيق، وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن رقّة قلوب الخائفين من الله، كما في قوله تعالى:

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَاد (الزمر: 23)

القلب الخاشع: وهو الذي يخشع لذكر الله تعالى، وقد جاء ذكره في قوله تعالى:

ألَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ (الحديد: 16)

القلب المخبت: وهو بمعنى القلب الخاضع، وقد ورد في القرآن الكريم أن خضوع القلوب من مقتضيات الإيمان، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج:

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ  (الحج:54)

ختاما!

فلنتفقد قلوبنا في كلّ حين، ولنسعَ جاهدين إلى تطهيرها من الغفلات، وتنقيتها من الشهوات والذنوب، حتى نلقَى الله تعالى بقلوبٍ سليمة، طاهرة، مطمئنّة بذكره، خاشعة لجلاله، مخبتة لوجهه الكريم، فالقلب هو موضع نظر الرحمن، فإذا صلح صلح الجسد كلّه، وإذا فسد فسد الجسد كلّه، وهو رأس مال العبد في دنياه وآخرته، فما أسعد قلبًا لا يسكنه إلا حبّ الله وخشيته، وما أجمل قلبًا جعله صاحبه روضةً للإيمان، وبستانًا للطاعة، ومحرابًا للذكر والخضوع. فطوبى لمن أتى ربَّه بقلبٍ سليم، فقد نال الفوز العظيم، وارتقى إلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، فاللهم ارزقنا قلوبًا حيّة، رقيقة، تخشع لجلالك، وتفرح بذكرك، وتأنس بقربك، وتفزع إلى رحمتك، وثبّتها على الحقّ حتى نلقاك وأنت راضٍ عنّا، يا أكرم الأكرمين.

تعليقات



رمز الحماية