مدونات مختارة
الأكثر شهرة
فارس البحر وأمير القدس وزاهد فلسطين | محمد رضا القريشي
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19
حين يُذكر تاريخُ الصَّحابة الكرام الذين حملوا نور الإسلام إلى بقاع الأرض، يتلألأ في الذاكرة سيرة علم من أعلامهم عاش بين فلسطين والنبوة المحمدية، وبين الزهد والسياسة، وبين العبادة والجهاد، كان قد ارتقى من رهبنة الرهبان إلى رحاب الإيمان، ومن ظلال الكنيسة إلى نور المسجد، ومن عوالم الرَّهْبنة إلى ساحات الفتوحات والكرامات، ألا وهو الصحابي الجليل سيّدنا تميم بن أَوس الدَّاري رضي الله عنه رضي الله تعالى عنه، أول أمير مسلم على بيت المقدس، وصاحب الفضائل المتعدِّدة والْمناقب الفريدة.
نسبه ومولده:
وُلد رضي الله تعالى عنه في مدينة الخليل بـ"فلسطين"، في قبيلة اللخميين، وهي قبيلة عربية عريقة، ويعود نسبه إلى بني الدار، وهم بطن من لخم، ولخم فخذ من يعرب بن قحطان (سير أعلام النبلاء: 4/75)
وكان له أخ يُدعى نعيم بن أوس الداري، وقد عُرفا بالإيمان والتقوى (جمهرة أنساب العرب: 1/422)
سكن رضي الله عنه المدينة بعد إسلامه ثم خرج منها إلى الشام بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان (الطبقات الكبرى لابن سعد: 7/286)
قال رسول الله ﷺ عنهم: الإيمان والحكمة هاهنا إلى لخم وجذام (المعجم الكبير للطبراني: 400)
أما نسبه فهو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم من بني الدار من قبيلة لخم يكنى بـ"أبي رقية".
سيرته وإسلامه:
أسلم سيدنا تميم الدّاري رضي الله عنه سنة 9 هـ ، وجاء إلى المدينة المنورة مسلمًا مع أهل بيته، وكان ذلك بعد غزوة تبوك، فاستقبله النَّبيُّ ﷺ، وأكرمه وأخذ البيعة منه. ويُعدّ أول من أسلم من أهل فلسطين، ولذلك كانت له خصوصية كبيرة في تعامل النبي ﷺ معه. (سير أعلام النبلاء: 4/75)
وقد عُرف عنه أنه كان قبل إسلامه راهبًا صالحًا، كثير العبادة، وهذا ما انعكس على حياته بعد الإسلام، فكان من أورع وأزهد الصحابة، مُحِبًّا للصَّلاة والقرآن والذِّكر.
يقول عن نفسه: كنتُ بالشام حين بُعث رسول الله ﷺ، فخرجت لبعض حاجتي، فأدركني الليل، فنمت بوادي فإذا بمنادٍ من الجن يقول: استعذ بالله، فقد خرج رسول الأمّيين، وصلينا خلفه بالحجون، وأسلمنا، وذهبت كيد الجن، فانطلق إليه فأسلم، فلما أصبحتُ، ذهبتُ إلى راهب بدير أيوب فأخبرته، فقال: "هو يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء، فلا تسبق إليه"، فسافرت حتى جئت إلى النبي ﷺ فأسلمت (الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/719)
أسرته وذريته:
تزوّج تميم الداري بعد إسلامه بامرأتين كريمتين وهما:
- أم فروة بنت أبي قحافة أخت سيِّدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما
- أم المغيرة بنت نوفل بن الحارث وهي ابنة عم رسول الله ﷺ وأنجب منها بنتًا واحدة تُدعى "رُقيّة" (أسد الغابة: 7/388)
ولِما لتميم الداري رضي الله عنه من منزلةٍ عظيمةٍ عند النبي ﷺ، قال له ﷺ حين أنار المسجد النبوي بسرجه: نوّرت الإسلام، نوّر اللَّهُ عليك في الدّنيا والآخرة، أما إنّه لو كانت لي ابنة لزوّجتكها (حلية الأولياء: 4/275)
وهي شهادة نبوية عظيمة تدلّ على محبّته له، وثنائه عليه، واعترافه بفضله وتفقهه في الدين والدعوة.
وقد عُرفت ذريته من بعده بـ " آل التميمي"، وهم منتشرون في فلسطين إلى يومنا هذا، ويعودون بنسبهم إليه، وكان لهم دور علمي ودعوي بارز في التاريخ الإسلامي، خاصة في مدينة الخليل وبيت جبرين.
وينتشر فروع منها في نابلس وجنين ويافا، وشرقي الأردن، وينتسب آل المجالي في الكرك إلى ذرية سيدنا تميم الداري رضي الله تعالى عنه أيضًا.
فضائله وأوّلياته:
سيدنا تميم الداري رضي الله عنه هو من الصحابة الكرام الذين جمعوا بين الفضل والعلم، فاشتهر بمناقبه الكثيرة وأحاديثه الجليلة، حتى نال محبة النبي ﷺ، وثقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومكانة رفيعة بين الصحابة رضوان الله عليهم، ومن أبرز هذه الفضائل وأولوياته:
- هو أول من أسلم من أهل فلسطين (الإصابة في تمييز الصحابة: 7/30)
- وأول من أسرج في المساجد وفي المسجد النبوي الشريف (سنن ابن ماجه: 760، الإصابة في تمييز الصحابة: 7/30)
- وأول من صنع المنبر لرسول الله ﷺ (مسند أحمد: 14206)
- وأول من قصّ في المسجد النبوي الشريف (مصنف عبد الرزاق: 5400)
- وأول من أُقطِع أرضًا في فلسطين من النبي ﷺ قبل فتحها (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لأبي اليُمن العليمي:2/82)
- وأول صحابي يختم القرآن في سبع ليالٍ في الكعبة
- وأول أمير مسلم على بيت المقدس
- وهو الصحابي الوحيد الذي روى عنه النبي حديث الجسَّاسة
صفاته وزهده:
كان تميم الداري رجلاً طويلاً، حسن الهيئة، جميل الوجه، ذا لحية كثيفة، يعلوه الوقار فعن ابن عون عن محمد قال: «كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسًا مرتفعًا، وقد اشترى تميم الداري حلة بألف، ولكنه كان يصلي فيها (الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/723)
وفي رواية: كان يلبسها في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر (أيضا)
أما من حيث الخُلق، فقد عُرف بالتقوى والورع، وكان زاهدًا في الدنيا، مُحبًّا للجهاد والعمل الصالح. تميز بالتواضع الشديد رغم مكانته، حتى شوهد وهو يخدم فرسه بنفسه (شعب الإيمان للبيهقي: 3969)
عُرف بالكرم والعطف، حتى على الأسرى من الروم، فكان يطعمهم ويعتني بهم. وكان صاحب علم وصدق، يُكثر من رواية الحديث، ويُحب نشر الخير.
وكان رضي الله عنه من عُبَّاد الصَّحابة، معروفًا بكثرة التَّهجُّد وقيام الليل، حتَّى إنه كان يختم القرآن في سبع ليال، وأحيانًا في ركعة واحدة، وكان شديد التأثر بالقرآن، يردد آية واحدة ويبكي حتى الصباح، وصفه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: بأنه زاهد، قارئ، فقيه، حسن الموعظة (سير أعلام النبلاء: 2/442)
وكان يخفي عبادته ويكره الرياء، مفضلاً العبادة في الخفاء على أن يحدّث بها الناس.
توليته في بيت المقدس:
وهو أول أمير على بيت المقدس التي فتحت سنة 15 هـ في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وامتدت إمارته منذ عام 35 حتى عام 40 هـ (الأنس الجليل لأبي اليُمن العليمي: 1/262 بتصرف)
قال عكرمة: لما أسلم تميم الداري رضي الله عنه قال: يا رسولَ الله إنَّ الله مُظهِرك على الأرض كلِّها فهبْ لي قريتي مِن بيت لحم قال هي لك، قال: وكتب له بها فلما استخلف عمر فظهر على الشام جاء تميم بكتاب النبي ﷺ فقال عمر أنا شاهد ذلك فأعطاه إيَّاه (تاريخ دمشق لابن عساكر: 11/66)
مشاركته في الغزوات:
كما يُعرف أنه كان من الخبراء في الشحن البحري، وله تجارة مع الحبشة، مما أهّله للمشاركة في الجهاد البحري وفتح الإسكندرية ومصر. فقد لازم النبي ﷺ وجاهد معه ومع الخلفاء الراشدين من بعده، وكان من نزلاء مصر من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، عُرف برحمته.
قال عنه يزيد بن مسروق رحمه الله تعالى:
كان تميم الداري في البحر غازيا، فكان يرسل إلى موسى بن نصير أن يرسل إليه بالأسارى من الروم فيتصدق عليهم (الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/728)
عدد رواياته ومن روى عنه:
روى تميم الداري رضي الله عنه 18 حديثًا، منها حديث واحد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. (سير أعلام النبلاء: 2/448)
وقد روى عنه أربعة عشر من الصحابة والتابعين، من أبرزهم عبد الله بن عباس، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء بن يزيد. وتنوعت مصادر رواية أحاديثه، حيث أخرج له كل من مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والإمام أحمد في كتبهم.
من روياته عن النبي ﷺ:
- عن تميم الداري أن النبي ﷺ، قال:
الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (صحيح مسلم: 55)
- عن تميم الداري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل، حتى يدخل بيت المدر، وبيت الوبر، حتى يعز الله به الإسلام، ويذل الكفار (المعجم الكبير للطبراني: 1280)
- عن تميم الداري، قال: سئل رسول الله ﷺ
عن الرجل يسلم على يدي الرجل، فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته (مسند أحمد: 16944)
- عن تميم الداري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة .. ثم سائر الأعمال على حسب ذلك (المستدرك للحاكم: 966)
من أقواله رضي الله تعالى عنه:
قال سيدنا تميم الدَّاري رضي الله تعالى عنه:
- خذ من دينك لنفسك، ومن نفسك لدينك حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها. (شعب الإيمان للبيهقي: 5/397)
- والله لركعة أصليها في جوف الليل في بيت سر أحب إليّ من أن أصلي الليل كله، ثم أقص على الناس (الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/726)
من كراماته:
عن معاوية بن حرمل، قال: قدمت المدينة فلبثت في المسجد ثلاثا لا أطعم، قال: فأتيت عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين، تائب من قبل أن يقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل، قال: اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه، قال: وكان تميم الدارمي إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله، فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت إلى جنبه فضرب يده فأخذ بيدي فذهب بي، فأتينا بطعام، فأكلت أكلا شديدا وما شبعت من شدة الجوع، قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين، ومن أنا وما أنا، قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما فانطلقا إلى النار فجعل تميم يحوشهما بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير. قالها ثلاثا. (دلائل النبوة للبيهقي: 6/80)
وفاته ومدفنه:
توفي تميم الداري رضي الله عنه سنة 40 هـ بعد أن انتقل إلى بيت جبرين بفلسطين عقب استشهاد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
وأمضى بقية حياته في الدعوة والتعليم وتوجيه الناس، ودُفن في بيت جبرين قرب مدينة الخليل.
فظلّ أثره باقيًا بما تركه من علم وزهد وقيادة رشيدة وجهاد في سبيل الله.
قدوة في كل الميادين:
إن سيرة تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه تمثل صورة ناصعة للصحابي الجليل الذي جمع بين الدين والدعوة، وبين العبادة والعمل، وبين العلم والسياسة، وبين محبة النبي ﷺ وخدمة الأمة.
لقد خلّد اسمه في التاريخ الإسلامي كأول أمير على بيت المقدس، وكصاحب فضل في إنارة المسجد النبوي الشريف، وصنع المنبر النبوي ﷺ، وتعليم الناس، وتثبيت العقيدة، وحمل همّ الدين. في زمنٍ نحتاج فيه إلى قدوات صادقة، وهكذا تظل سيرة سيدنا تميم الداري رضي الله عنه منارة لكل من أراد أن يسير على درب الصالحين، جامعًا بين محبة الله ورسوله ﷺ، وخدمة الخلق والدعوة إلى الحق سُبحانه تعالى.

تعليقات