ما هو القدر وما هي أنواعه؟ | محمّد كامران العطّاري المدني


نشرت: يوم الثلاثاء،07-أبريل-2026

ما هو القدر وما هي أنواعه؟

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21

كلُّ ما يقع في الدنيا، أو ما يفعله الإنسان مِن خيرٍ أو شرّ، إنّما يجري جميع ذلك وفق علمِ الله تعالى الأزليّ، وكلُّ ما سيقع هو معلومٌ ومكتوبٌ عند الله سبحانه وتعالى. (كتاب العقائد: صـ 24، تعريبًا من الأردية)

ومعنى القدر أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر الأشياء في القِدَم، وعلم الله سبحانه وتعالى أنّها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدر الله سبحانه وتعالى. (شرح الأربعين النووية: صـ 30)

علمُ اللهِ قديم أزليّ وهو جلَّ وعلا متصف بالعلم المطلق الذي لم يسبقه جهل ولا يلحقه عدم وهو لا يزال عالِمًا كما كان.

دليل القدر:

قد ثبت القدر بالقرآن الكريم والسُنّة؛ حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم:

إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ  (القمر: 49)

وفي الحديث: سُئل سيّدنا رسولُ الله ﷺ عن الإيمان، فقال: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. (صحيح مسلم: صـ 33:93)

حكم إنكار القدر:

مَن زعم أنّ تقدير الخير والشرّ مِن عند غير الله كان كافرًا بالله، وبطل توحيده.

قال النبي الكريم ﷺ عن منكري القدر: القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّة (سنن أبي داود: 4/294:4691)

النهي عن الخوض في القدر:

يجب أنْ نعلم أنّ عقيدة القدر مِن أدقِّ وأعقد العقائد الإسلاميّة، وقد ورد النهي عن الخوضِ في القدر أو طَرح أسئلة للتنازع في القدر كأن يقول معترضًا: لِمَ؟ وكيف؟

فقد جاء في حديثٍ أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ في القَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ‌حِينَ ‌تَنَازَعُوا ‌فِي ‌هَذَا ‌الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ. (سنن الترمذي: 4/51:2140)

ثمرات الإيمان بالقدر:

(1) الصبر عند المصائب والأمراضِ والابتعادُ عن الأعمال المحرّمة كالانتحار؛ لأنّ كلّ ذلك يكون وفق القدر وهو ابتلاء مِن الله تعالى.

(2) الرضا بتقدير الله سبحانه وتعالى ومشيئته.

(3) المؤمن بالقدر لا يحزن على ما فات في الماضي، ولا يضطرب لأحوال الحاضر، ولا يخاف مِن المستقبل.

(4) المؤمن بالقدر يرجو خالقه، ولا يلتف للمخلوقين.

(5) الإيمان بالقدر يعدّ أفضل علاج لمشاعر الحسد.

أنواع القدر:

المبرم الحقيقي:

ما يكون في علم الله تعالى، لا يتغيّر بسبب الدعاء أو العمل الصالح، كما جاء في قوله تعالي:

مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ (ق: 29)

المعلّق الشبيه بالمبرم:

وهو ما يكون في اللوح المحفوظ، وقد يحصل تغيير فيه أو لطف من الله تعالى (دون أن يعلم الملائكة المقرّبون)، وقد يغيّره الله تعالى بلا واسطة، وربما يردّه الله إكرامًا لأوليائه (المعتقد والمنتقد: 54، بتصرف)

ولأجل ذلك يُشبِه القدرَ المبرم.

الدعاءُ يحوّل الشقاء إلى سعادة:

جاء في المقامات المجددية أنّ مجدّد الألف الثاني رحمه الله نظر ببصيرة الكشف فرأى أنه مكتوب فى ناصية الملّا طاهر اللاهوري شقي- وكان ملّا طاهر معلِّمًا لابنيه الكريمين محمّد سعيد ومحمّد معصوم رضى الله عنهما- فذكر المجدّد رحمه الله ما أبصر لولديه الشريفين- فالتمسا منه رضى الله عنهم أنْ يدعو الله سبحانه أنْ يمحو عنه الشقاوة، ويثبت مكانه السعادة- فقال المجدّد رضى الله عنه فدعوتُ الله سبحانه وقلتُ: اللّهُمَّ رحمتك واسعة، وفضلك غير مقتصر على أحد، أرجوك وأسألك مِن فضلك العميم أن تجيب دعوتي في محْو ما كتبت من الشقاء على ناصية ملّا طاهر، وإثبات السعادة بدلا عن ذلك، كما أجبتَ دعوةَ سيد السند رضى الله عنه.

قال: فكأنّي أنظر إلى ناصية ملّا طاهر أنّه قد ذهب منها كلمة شقي، وأثبِت مكانه سعيد. (تفسير المظهري، الرعد: 39، بتصرف)

القدر المعلّق:

قد یقع التغيُّر في هذا النوع منه، ويكون في علم الملائكة، ويُدوّن في سجلاتهم. (بهار الشريعت: 1/12، ملخصًا)

لذلك ربما يزول هذا القدر بدعاء الوالدين أو بركة دعاء الأولياء والصالحين، أو بعمل صالح أو صدقة. وقد ورد دليل تغيّر النوعين -الثاني والثالث- في القرآن الكريم والسنّة المطهرة، قال الله تعالى:

يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ  (الرعد: 39)

وكذلك ورد في الحديث: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ ‌الدُّعَاءَ ‌يَرُدُّ ‌الْقَضَاءَ ‌الْمُبْرَمَ (الترغيب في فضائل الأعمال: 1/54:150).

(ولمزيد من التفصيل يرجى قراءة "بيان القدر وأنواعه الثلاثة من كتاب" المعتمد المستند" ص 54، و"شرح الأربعين النووية" ص 30-31).

الأخذ بالأسباب بالتخطيط لا ينافي القدر:

بعد الاطلاع على هذه الأنواع مِن القدر لو سأل أحدهم: إذا كانت الأمراض والمشاكل والآلام مكتوبة في القدر فلماذا نعالج أو نبحث عن الرزق؟

ولعلنا حصلنا على الجواب من الكلام المذكور آنفًا.. وربما يكون مكتوبًا في القدر أنّ هذا الشخص إذا أخذ علاجًا معيّنًا سيشفى، أو إذا خدم والديه تزول عنه مشاكله أو بطَالته، لكنّنا لا نعلم ذلك مسبقًا، فبعد أن يتحقق القيام بالسبب تظهر فائدته؛ لذلك يجب علينا الإيمان بالقدر، مع اتّخاذ كلِّ التدابير والأسباب المشروعة دون الاعتماد عليها، من أجل تحقيق مصالح الدِّين والدنيا، ومِن أفضل هذه التدابير "الدعاء" أيضًا كما روي عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّه كان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ كتبتَنِي شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا (شرح الأربعين النووية: صـ 31).

نسألُ اللهَ سبحانه وتعالى أنْ يوفّقنا للثبات على عقيدة أهل السُّنّة والجماعة طوال الحياة، وأنْ يميتنا عليها، آمين بجاه النبيّ الأمين صلّى الله عليه وآله وسلّم.

تعليقات



رمز الحماية