محبةُ اللهِ تعالى: فضلُها ومكانتُها | عبد الباسط محمد


نشرت: يوم الخميس،16-أبريل-2026

محبةُ اللهِ تعالى: فضلُها ومكانتُها

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21

محبةُ اللهِ تعالى أعظمُ ما يفيض على القلب طمأنينةً وسكينة، وأسمى غايةٍ يسعى إليها المؤمن في حياته؛ فهي الروح التي تحيي الأعمال، والنور الذي يهدي السلوك، والدافع الذي يزكّي الطاعة ويمنح العبادة معناها الحقيقي، وإذا امتلأ القلب بمحبة الله تعالى، تحوّل كلُّ ما في الحياة إلى قربٍ منه، وسعيٍ لمرضاته، وثباتٍ على طريق الحق مهما تعاظمت التحديات وتكاثرت الفتن، ومن هنا تبرُزُ أهمية هذا الموضوع، إذ تتعلّق به سعادة العبد في دنياه، ونجاته في أخراه.

فما هي حقيقة محبة الله تعالى؟ وما هي مكانتها في ميزان الإيمان؟ وما هي أسباب تحصيلها، وعلامات صدقها؟

معنى المحبة لغةً واصطلاحًا

المحبة لغةً:

المحبة هي الحُبّ، وهو نقيض البغض، وأصل هذه المادة يدل على اللزوم والثبات.

قال ابن فارس: "الحاء والباء أصول ثلاثة، أحدها اللزوم والثبات". [مقاييس اللغة: 2/26]

وقال الفيروزآبادي رحمه الله تعالى: «الحُبُّ: الودادُ، والمحبّةُ معروفة، والحبيبة: مدينة النبي ﷺ» [القاموس المحيط: 1/71]

المحبة اصطلاحًا:

عرّفها أهل العلم بأنها ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا. وجاء في "المعجم الوسيط": «المحبة: الميل إلى الشيء السارّ» [المعجم الوسيط: 1/151]

وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: «المحبة: ميل النفس إلى ما تراه خيرًا» [الذريعة إلى مكارم الشريعة: 256]

مكانة محبة الله تعالى:

محبة الله هي الغاية العظمى، وأعلى المقامات، وذروة الدرجات؛ فما بعد تحققها إلا مقامات هي من ثمارها، كالشوق والأنس والرضا، وما قبلها إنما هو مقدمات تمهّد لها، كالتوبة والصبر والزهد. [إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: 13/2750]

ولهذا قال العلماء: إن المحبة لا تُحدّ بحدٍّ جامع، ولا تُدرك حقيقتها بالألفاظ، إذ هي حالٌ ذوقيٌّ يُعرف بالمعايشة والمكابدة، وكل ما قيل فيها إنما هو وصف لآثارها وعلاماتها. [حقائق عن التصوف للعارف بالله الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى: 321]

أدلة المحبة من الكتاب والسنة وفضلها

جاء ذكر محبة الله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  [المائدة: 54]

وقوله:

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ  [البقرة: 165]

وقوله:

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ  [آل عمران: 31]

أدلة المحبة من السنة النبوية

وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله عز وجل، ومن يكره أن يعود في الكفر، بعد إذ أنقذه الله، منه كما يكره أن يلقى في النار.  [صحيح البخاري: 21، وصحيح مسلم: 43]

وقال ﷺ: « إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فيَقولُ: إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضْهُ، قالَ فيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضُوهُ، قالَ: فيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضاءُ في الأرْضِ.» [صحيح مسلم: 2637]

وقد امتلأ القرآن بذكر من يحبّهم الله من عباده، كالصابرين والمحسنين والمتقين، مما يدلُّ على أن المحبة مرتبطة بالأخلاق والعمل الصالح.

أسباب استجلاب محبة الله تعالى

تتعدَّدُ الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى، ومن أهمها:

1. معرفة نعم الله واستحضارها

قال تعالى:

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  [إبراهيم: 34]

والقلوب مفطورة على محبة من أحسن إليها.

2. معرفة الله بأسمائه وصفاته

فالمعرفة الصحيحة تورث المحبة الصادقة، قال تعالى:

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا  [الأعراف: 180]

3. التفكّر في آيات الله الكونية والشرعية

قال تعالى:

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ  [آل عمران: 190/191]

4. الإخلاص وصدق الاتباع

قال تعالى:

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: 31]

5. كثرة ذكر الله تعالى:

أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ  [الرعد: 28]

6. تلاوة القرآن الكريم بالتدبّر

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  [ص: 29] [تفسير ابن كثير، 4/37]

7. استحضار نعيم الجنة ورؤية الله تعالى

قال ﷺ: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر [صحيح البخاري: 7434، صحيح مسلم: 633]

علامات المحبة الصادقة لله تعالى:

كثيرٌ من الناس يدّعي محبةَ الله تعالى ورسوله ﷺ، ودعوى اللسان يسيرة، غير أن الصادق لا يغترّ بنفسه، بل يزنها بميزان الصدق، لأن للمحبة الحقّة علاماتٍ واضحة، وثمراتٍ ظاهرة، تبدو آثارها في القلب واللسان والجوارح. ومن أراد أن يختبر صدق محبته، فليعرض نفسه على هذه العلامات، فإنها ميزان المحبة الصادقة ودليلها العملي.

ومن أبرز هذه العلامات:

  • الشوق إلى لقاء الله تعالى فالمحب لا يكتمل حبه إلا بحب لقاء محبوبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. [رواه مسلم: 2684]

 

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتمنّون الشهادة شوقًا إلى لقاء ربهم، ويقولون حين يُدعون للمعركة مرحباً بلقاء الله تعالى.

  • تقديم محبة الله على كل محبوب، بإيثار طاعته على هوى النفس، وترك المعصية؛ إذ لا تجتمع المحبة الصادقة مع الإصرار على الذنب، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

 

تعصي الإله وأنت تُظهر حبه ** هذا لعمري في الفعال بديعُ

لو كان حبك صادقا لأطعتَـــهُ ** إنَّ المحبَّ لمن يُحب مطيــــعُ

  • الأنس بالخلوة ومناجاة الله تعالى وحب تلاوة القرآن وقيام الليل، حيث يجد المحب لذته في القرب من ربه جلَّ وعلا.
  • الحزن على فوات الطاعة لا على فوات الدنيا، والأسف على ما مضى من الوقت دون ذكر الله عزّ وجلّ مع المبادرة إلى التوبة والاستغفار.
  • التلذذ بالطاعة وعدم استثقالها، إذ يؤديها المحب شوقًا وقرباً لا تكليفًا ومشقة.
  • الرحمة بعباد الله تعالى والغيرة على دينه، فيكون رحيمًا بالمؤمنين ثابتًا على الحق:‏

 

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  [الفتح: 29]

  • اجتماع الخوف والرجاء في القلب، فالهيبة نابعة من معرفة عظمة الله تعالى والمحبة ثمرة إدراك جماله، ولذا قال بعض المحبين:

 

الحبيب عرفتهُ وأنا منهُ خائف ** لا يُحبُّكَ إلّا من هو بكَ عارف

  • كتمان المحبة وتعظيم المحبوب، صيانةً لها من الرياء وابتغاءً للإخلاص.
  • الأنس بالله تعالى والرضا به وعلامة الأنس بالله عزَّ وجل عدم الاستئناس بالخلق والتلذذ بذكر الله تعالى، فإن خالطهم فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة قال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه في وصف المحبين المستأنسين بالله تعالى: هم قومٌ هَجَمَ بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين واستلانوا بما استوعَر المُتْرَفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلَّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة الى دينه. [حقائق عن التصوف للعارف بالله الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى: 327-329]

 

خلاصة القول:

إنَّ محبة الله تعالى ليست دعوى تُقال بالألسنة، ولا عاطفةً مجردةً تخلو من العمل، بل هي مقام عظيم تُترجم حقيقته في صدق الاتباع، وحسن الطاعة، ومجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد له حبًّا، وكلما صدق في محبته، صدق الله معه، فأذاقه حلاوة الإيمان، وأنعم عليه بالطمأنينة والرضا، وجعله من عباده الذين قال فيهم:

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  [المائدة: 54]

نسأل الله تعالى أن يرزقنا محبته، ومحبة من يحبه، والعمل الذي يقرّبنا إلى حبه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

تعليقات



رمز الحماية