وقفات وتأملات في خطبة حجة الوداع


نشرت: يوم الإثنين،20-أغسطس-2018


لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذه الكلمات شد النبي صلى الله عليه وسلم انتباه أصحابه في حجة الوداع، والذين بلغ عددهم قرابة مائة وأربعة وعشرون ألفاً، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، فقد أتم مهمته وبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وتمت نعمة الله علينا،

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) )المائدة: ٠٣)

فجاءت خطبة حجة الوداع، كبيانٍ ختامي، يبين أهم القيم، وأصول التشريع، أذكر لكم بعضها:

  • حرمة الدماء والأموال والأعراض: حتى نستشعر أهمية هذه القاعدة لننظر إلى عالمنا اليوم، الذي طغت فيه الحياة المادية بقيادة الحضارة الغربية، والتي ترفع شعار حقوق الإنسان ومنها حق الحياة والحريات، ولكننا نجد الواقع بخلاف هذه الشعارات، ففي هذا الزمان كانت أعظم الحروب وأكبر عدد للقتلى، وهم لا يتوانون عن أي حرب وقتلٍ ما دام يحقق لهم مصالح مادية، فلو أن هذه القاعدة والإرشاد النبوي صلى الله عليه وآله وسلم معمول بها لما أريق دمُ إنسان في هذا العالم، فانظر إلى عظم هذا التشريع وإلى حاجة البشرية إليه فبها يتحقق الأمان للإنسان.
  • إسقاط الربا وميراث الجاهلية: القوت والأرزاق من أساسيات الحياة، فمن بات آمناً في سربه، معافاً في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا، ومن أكبر الأضرار وأعظم الأمراض على قوت المجتمع واقتصاده (الربا)، ذاك الداء الخبيث الذي يشبه ماكينة قاسية تطحن الناس في أقواتهم فتسلب أموالهم، وتكبر وتكثر أموال التجار وثرواتهم، فالفقير يزداد فيها فقراً وضعفاً وضيقاً، والغني يزداد مالاً وثراء وطغياناً، والأزمة المالية العالمية ليست عنا ببعيد والتي كان من أهم أسبابها التعامل الربوي، وهنا يظهر عظم الإرشاد النبوي وحاجة البشرية للإقتداء به.
  • التأكيد على أخوة الإيمان والتحذير من الاقتتال: إن أخوة الإيمان أعظم من أخوة الدماء، ففي الأولى الارتباط بالله ولله، وفي الثانية الارتباط بمخلوق، فالأولى أولى وأعظم وأقوى، وكما أنه لا يُتَصور أن يقتتل أخوة لأب ويريق بعضهم دماء بعض، فكذلك الأمر أعظم وأخطر في أخوة العقيدة والإيمان، وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العودة كفاراً والاقتتال فيما بيننا، واعلم أن أي فكرٍ أو منهجٍ يدعي أنه من أهل السنة وأنه متبعٌ لهدي سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم تجده يعادي المسلمين ويتهمهم بالشرك فينشر الحقد والبغضاء ويستبيح الدماء فدعواه باطلة وهو أبعد ما يكون عند هدي سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
  • الإرشاد إلى طرق الهداية: من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته لم يدع خيراً إلا وأخبرهم به أو بأصوله، ولم يدع شراً إلا وأخبرهم به أو بأصوله، وقد أخبرنا عن الفتن التي ستعصف بالأمة، والتي يصبح فيها الحليم حيران، من شدة الاضطراب وكثرة الأدعياء وانتشار الجهل، فما السبيل للخلاص، وما الطريق إلى الهدى؟، وهنا تتجلى أهمية الإرشاد النبوي في حجة الوداع حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم:

    (فَإنّي قَدْ تَركْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذتمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، كِتَابَ اللهِ وَسُنَّة نَبيّه، أَلاَ هَلْ بلّغتُ، اللّهمّ اشْهَدْ) [ملخصاً من المستدرك على الصحيحين: ٣١٨]

    كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم من بعده، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بحسب قواعد فهم اللغة العربية وضوابط الاستنباط، وبحسب ما توارثته الأمة جيلاً إثر جيل من لدنالصحابة إلى التابعين إلى الأئمة الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل) رضي الله عنهم وما نقل عنهم وعن القرون الثلاثة الأولى إلى يومنا هذا بالسند المتصل، فإن الإسناد من الدين، عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال:

    إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. (صحيح مسلم: ١/١٤)

    حتى لا يتطفل من ليس من أهل العلم على ديننا يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:

    إن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. (صحيح مسلم: ١/١٥)

فهذه وقفاتٌ مع بعض القيم التي حملتها خطبة الوداع، وهذه تأملاتٌ ونظرات من بعض معاني خطبة الوداع إلى زماننا وحالنا اليوم، حتى ندرك مدى حاجتنا للعودة إلى الأصول التي وضعها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم للأمة، والصراط المستقيم الذي حدد لنا ملامحه كي لا نضل ولا نشقى..

تعليقات



رمز الحماية