نتائج الأفكار في ثمرات مولد المختار صلى الله عليه وسلم


نشرت: يوم الخميس،17-أكتوبر-2019


الحمد لله رب العالمين الذي قال وقوله الحق:

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ. (يونس: ٥٨)

والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقرة عيوننا القائل:

أيُّها النّاسُ إنَّما أنا رحمةٌ مهداةٌ.(البيهقي في شعب الإيمان: ٢/٥٩٦، وفي دلائل النبوة له، وغيره..)

وعلى صحبه الكرام وآله الطيبين الطاهرين وبعد.

إخوتي في الله، ‏أحبتي في رسول الله ﷺ:

لئن كان في رمضان المبارك تهب رياح الإيمان لما فيه من نزول القرآن وفرضية الصيام ففي شهر ربيع الأول تهب علينا رياح الحبّ والغرام بسيدنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام.
إذْ توافينا ذكرى مولده المبارك الذي كان سبباً في إخراج العالم من الظلمات إلى النور.
وبين الحب والإيمان ارتباط وثيق؛ وعلاقة قدسية؛ حيث إن الإيمان الذي لا يسقى بماء الحبّ يبقى إيماناً جافّاً وسطحيّاً لا يغيّر سلوكاً ولا يصلح اعوجاجاً.

وإن الحبّ الصادق والغرام الحق إنما سببه الأول ذكر النعمة وربطها بالمنعم بوجه عام، كما قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً:

أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي.(أخرجه الترمذي: ٣٧٨٩)

فكيف لا تنطلق القلوب المؤمنة للتعبير عن فرحتها؟ ‏وهي تشهد فضل الله عليها بهذه النعمة العظمى والمنة الكبرى التي لا توازيها نعمة قط، فكل ما فتح الله تعالى على هذه الأمة المباركة من فتوحات في عالم المعرفة والحضارة والمجد وما رافق ذلك من فتوحات العلم والعمل والخير الدنيوي والأخروي.

وما نتج عن ذلك من ظهور هذه الأجيال الصالحة من طبقات هذه الأمة من الصحب الأكرمين، والآل المطهرين، والعلماء العاملين، والأولياء الربانيين، ومن لفّ ملفهم من عموم المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.

كل هؤلاءِ جميعاً مشمولون بوجه أو بآخر بهذا السبب الأكبر والمقدمة الأولى لكل هذه الخيرات ألا وهو سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وأول من تنبّه لهذه الحقيقة من الأئمة الأعلام مع أن الجميع مقرون بها، هو إمامنا أبو عبد الله محمد بن إديس الشافعي رضي الله عنه وعنّا به في كتابه المشهور "الرسالة" كما رواها لنا صاحبه الربيع بن سليمان المرادي رحمه الله تعالى:

حيث قال رضي الله عنه:

وجزاه الله عنّا أفضل ما جزى مرسلاً عمَّن أُرسِل إليه؛ فإنّه أنقذنا به من الهَلَكة، وجعلنا في خير أمةٍ أُخرِجت للنَّاس، فلم تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهَرت ولا بَطَنت، نِلنا بها حظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِع بها عنّا مكروهٌ فيهما، وفي واحدٍ منهما، إلا ومحمد - صلى الله عليه - سببها، القائدُ إلى خيرها، والهادي إلى رُشْدها.(الرسالة للإمام الشافعي: صـ١٦ - ١٧)

ويرحم الله تعالى ذاك المدّاح القائل:

محمد خير خلق الله قاطبة *** ‏وسيد الجن والأملاك والبــشــــر

أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه *** وخير من يرتجى في العسر واليسر

وأنت أكرم من في الكون والسبب *** الأقوى لنيل المنى والفوز بالظفر

(ديوان علي بن محمد الحبشي: ١٥٨)

 

أجل أيها الإخوة الكرام:
لا تستغربوا هذه الحقيقة التي جلّاها علماؤنا العظام، ‏ونظمها شعراؤنا الفخام، وعاينها وهامَ بها أولياؤنا الكرام.

فما سبق كله غيض من فيض قوله تعالى:

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ.(الأنبياء: ١٠٧)

وقوله جلّ وعلا:

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ(الأحزاب: ٦)

وقوله تعالى:

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ(آل عمران: ١٦٤)

إن هذه الاحتفالات التي اعتادها المسلمون في هذا الشهر الكريم إن أقيمت بالصورة اللائقة بها فإنها ستثمر بإذنه تعالى وتوفيقه.

في المولد خيرات حسان وبركات وافية تعود بالصلاح على الفرد والمجتمع:

ويمكن استجلاء ذلك من خلال خمس بوابات:

1. أما الأولى: فهي التعرف على جنابه الأرفع ومقامه الأقدس صلى الله عليه وسلم وذلك لأن الإيمان بلا عرفان سيبقى معرَّضاً للاضطراب والانحراف.. ولهذا أنكر جلَّ وعلا على أقوام ابتعدوا عن أنبيائهم بسبب عدم تعرّفهم عليهم.. فقال جلّ وعلا:

أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ.(المؤمنون: ٦٩)


ومعلوم أنّ الإيمان الكامل لا يأتي إلا من خلال معرفة كاملة بما نؤمن به.

 

2. وأما الثانية: فهي تقوية الصلة بين الأمة ونبيّها محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، فقد كثرت في زماننا الملهيات وخيَّمت علينا ظلال المدْلَهمَّات، وقلَّ قلَّ من يذكّرنا بهذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتأتي هذه المهرجانات الجميلة لتشدّ الرباط بيننا وبينه صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم تسليماً.
وما ذاك إلا بسبب ما يذكر فيها من شمائله الحميدة وخصاله المجيدة..

ومعلومٌ أن الصحب الكرام رضي الله عنهم مع رؤياهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب عهدهم به يجلسون لبعضهم ويتحدّثون عن سيرته الشريفة ويتذكّرون عيشهم معه صلى الله عليه وسلم.

ومما صح من حديث أنس رضي الله عنه قال:

قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: "انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا.
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ. فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا".(صحيح مسلم: ٢٤٥٤)

3. وأما الثمرة الثالثة: التي نجنيها من هذه الاحتفالات فهي التنعّم بذكره والحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، فذكره صلى الله عليه وسلم - والتفنّن بشرح شمائله وبسطها - نعيمُ المحبّين وسلوةُ العاشقين، وهكذا كان الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان يفعلون.

جاء في كتاب الزهد لابن المبارك رحمه الله تعالى وفي غيره.. عن زيد بن أسلم رحمه الله قال: خرج عمر رضي الله عنه ليلة يحرس الناس، فرأى مصباحاً في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفاً،‏ وتقول:

على مُحَمَّدٍ صَلاةُ الأبْرَارْ *** صَلَّى عَلَيْكَ الْمُصْطَفَوْنَ الأخْيَارْ

قَدْ كُنْتَ قَوَّامًا بَكِيَّ الأسْحَارِ *** يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمَنَايَا أَطْوَارْ

هَلْ تَجْمَعُنِي وَحَبِيبِي الدَّار

تعني النبي صلى الله عليه وسلّم، فجلس عمر رضي الله عنه يبكي.(الزهد والرقائق لابن المبارك: صـ٣٦٢)

4. ‏وأما الرابعة: ‏فإن هذه الموالد والاحتفال بها تدفع المحبين لمزيد من المتابعة والاقتداء به صلى الله عليه وسلم.

فالمتابعة له صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات، والعيش معه من أفضل العيش، فلئن فاتنا أن نكون من أصحابه فلن يفوتنا أن نكون من إخوانه الذين تشوّق لهم وأحبّ رؤياهم قبل أن يُخلَقوا.

أجل بأبي أنت وأمي يا من أحببتَ أن ترانا قبل أن نرى النور في هذه الحياة.. ألم ترْوِ لنا كتب الصحاح عنك.

كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبَرة، فقال:

السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنّا إن شاء اللهُ بكم لاحقون، ودِدْتُ أنّا قدْ رَأَيْنا إخْوانَنا» قالوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله..؟
قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»
فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ الله..؟
فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟»
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله.
قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا".(أخرجه مسلم: ٢٤٩)

5. وأخيراً: خامسة هذه الثمرات: فإقامة هذه الموالد وهذه الاحتفالات ما هي في الحقيقة إلا مظهر من مظاهر الشكر الواجب علينا تجاهه صلى الله عليه وسلم.

ألم يقل لنا ربُّنا جلّ وعلا:

لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ.(سورة إبراهيم: ٧)

فلئن كان هو صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا أفلا يستوجب ذلك شكراً من أعظم الشكر..؟؟!

فتأتي هذه اللقاءات السنوية والموالد المتكرّرة تعبيراً عن شكر الله تعالى على هذه النعمة العظمى ليزيدنا ربُّنا جلّ وعلا إيماناً وإحساناً واتباعاً له صلى الله عليه وسلم..

مع أنّ مجالس الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه لا تنقطع بحمد الله على مدار السنة، بل هي معقودة مشهودة في كل أسبوع بين المؤمنين بفضل الله تعالى، ويحثّ عليها أهل الله في مختلف مدارس أهل السنة والجماعة..،

وكما هو حال مركز الدعوة الإسلامية حيث يعقد هذه المجالس أسبوعياً في عامة مراكزه في العالم ويشجّع عليها..،

لأنّها مجالس التذكير برسول الله صلى الله عليه وسلم ربْطاً للمؤمنين بدينهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم وتذكيراً لهم باتباعه وسننه، ولكن شهر ربيع الأول يجدّد النفحات في القلوب، ويحرّك مواجيد الحب للمحبوب، فتعلن تجديد الاتباع والولاء لرسول الله من جديد، وتزداد البهجة ويظهر السرور على وجوه المحبّين وفي قلوبهم فلا يمْلكون إلا أن يعقدوا هذه المجالس وتلك الاجتماعات إحتفاءً وابتهاجاً برسول الله صلى الله عليه وسلم تعبيراً منهم على تلك المحبة القلبية؛ وتذكيراً لإخوانهم بأهمّيتها.

فاللهم زدْنا في حبّه شغفاً ولسنته اتباعاً، واجْمعنا به في جميع العوالم، وعرّفنا إياه معرفة نسلم بها من موارد الجهل، وشفّعه فينا يوم نلقاك واجْزه عنا خير ما جزيتَ نبيّاً عن أمته.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

تعليقات



رمز الحماية