ليلة الغفران في النصف من شعبان


نشرت: يوم الأَحد،21-مارس-2021


لقد ثبتت فضائل شهر شعبان في الأحاديث والآثار، ولعل من أهم تلك الفضائل والميزات التي تميز هذا الشهر أن الأعمال ترفع فيه إلى الله سبحانه الله وتعالى، فقد جاء في الحديث: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه سأل رسول ﷺ:

يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم شعبان قال ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. (رواه النسائي: ٢٣٥٧)

فلذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شهر شعبان، وينبغي أن يحرص المؤمن على الاقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:

كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان. (رواه البخاري برقم ١٨٣٣, ومسلم برقم ١٩٥٦)

أسباب اعتناء النبي ﷺ بصيام شهر شعبان:

لقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بشهر شعبان عناية خاصة، فكان يكثر فيه من الصوم، وذلك لأسباب منها:

  1. ما بيناه في الحديث السابق من أن الأعمال ترفع فيه إلى الله تعالى.
  2. أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان كما جاء في الحديث السابق أيضا.
    وبه نعلم أنه على المسلم أن يحرص على اغتنام الأوقات الفاضلة في حياته وينتهز الفرص، فيحييها في طاعات الله وتعالى ويملأها في قرباته عز وجل، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: (واعلم أن الأوقات التي يغفل الناس عنها معظّمة القدر لاشتغال الناس بالعادات والشهوات، فإذا ثابر عليها طالبُ الفضل دلَّ على حرصه على الخير. ولهذا فضِّل شهود الفجر في جماعة لغفلة كثير من الناس عن ذلك الوقت، وفضِّل ما بين العشاءين وفضِّل قيام نصف الليل ووقت السحر) (التبصرة: ٢/٥٠)
  3. ومن هذه الأسباب أن شهر شعبان ممهِّد لرمضان، فالصيام فيه بمثابة التهيُّؤ والاستعداد لشهر رمضان، فالذي يبدأ بالصيام من شهر شعبان، يعتاد جسده على الصيام، فحينما يدخل رمضان يكون في كامل الهمَّة والنّشاط.
  4. قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (قيل في صوم شعبان أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقَّة وكلفة، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذَّته فيدخل في صيام رمضان بقوَّة ونشاطٍ.

قال سلمة بن كهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء. (لطائف المعارف: ١٩٦)

أعمال شهر شعبان:

من الأعمال المستحبة في شهر شعبان الصوم وفعل الخيرات عموما كما بينا، ولكن ورد في ليلة النصف من شعبان زيادة خصوصية وفضل، فقد جاء في الحديث في فضل ليلة النصف من شعبان عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه:

يطَّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك، أو مشاحن. (رواه ابن حبان ٥٦٦٥)

فلذا كان من الأعمال التي ينبغي الحرص عليها في شهر شعبان:

  1. إحياء ليلة النصف من شعبان: وذلك بالذكر وتلاوة القرآن وكثرة الاستغفار والصلاة والسلام على النبي المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم، وكذلك تفقد الفقراء والمساكين، والإكثار من الدعاء في هذه الليلة فإن دعاء ليلة النصف من شعبان مظنَّة إجابة، وقد روي في الحديث عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال:

    إذا كان ليلة نصف شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر. (رواه ابن ماجه: ١٣٨٨، وانظر لطائف المعارف ٢٦١)

  2. وكذلك روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:

    فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال: يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله، قالت قد قلت وما بي ذلك. ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب. (رواه ابن ماجه: ١٣٨٩)

    فما أعظم هذه البشارة!
    أفلا يجدر بنا أن نحرص على اغتنام مثل هذه الأوقات المباركات؟!

    صفة إحياء هذه الليلة المباركة

    كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد اختلف العلماء في صفة إحياء هذه الليلة المباركة أي ليلة النصف من شعبان: ولكن ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى ندب إحياء ليلة النصف من شعبان،كما قال طائفة من أجلاء التابعين رضي الله عنهم: أنه يستحب إحياء هذه الليلة المباركة جماعةً في المساجد، كما ثبت أن خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما كانوا يبتخرون ويكتحلون ويلبسون أحسن الثياب، ويقومون في المسجد، ويحيون ليلتهم تلك، وقد وافقهم على ذلك إسحاق بن راهويه: وقال في قيام هذه الليلة المباركة في المساجد جماعةً " ليس ذلك بدعة" نقله حرب الكرماني في (مسائله). (لطائف المعارف:١٣٧ بتصرف)

    وذكر ابن الحاج: ولا شك أنها ليلة مباركة عظيمة القدر عند الله تعالى، فهذه الليلة، وإن لم تكن ليلة القدر فلها فضل عظيم وخير جسيم وكان السلف - رضي الله عنهم - يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها، والقيام بحرمتها. (المدخل لابن الحاج: ٢٩٩)

    فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في هذه الليلة المباركة لطاعة الله سبحانه وتعالى من الذكر وتلاوة القرآن الكريم والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ، ويحرص على قيام الليل والدعاء بالعفو والمغفرة من الذنوب وبتفريج الكروب وستر العيوب.

    يقول ابن رجب في اللطائف:

    فقم ليلة النصف الشريف مصليا***فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه
    فكم من فتى قد بات في النصف آمنا*** وقد نسخت فيه صحيفة حتفه
    فبادر بفعل الخير قبل انقضائه***وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه
    وصم يومها لله وأحسن رجاءه***لتظفر عند الكرب منه بلطفه

    وبحمد الله سبحانه وتعالى فإن مركز الدعوة الإسلامية في جميع أربطته يهتم بهذه الليلة المباركة اهتمامًا بالغًا في شتى أنحاء العالم بحيث تُقام في هذه الليلة المباركة محافل الإقبال على الله تعالى ودفع الشباب للتوبة وتحريضهم على التهيؤ لرمضان وينظِّم المركز لذلك البرامج التي تشوّق الحضور من إنشاد ومديح، وتلاوة للقرآن كما يقوم أهل العلم في المركز بإلقاء المحاضرات القيمة تحريضاً في الإقبال على الطاعات وفعل الخيرات والإكثار من الدعاء والتضرع والالتجاء إلى الله تعالى، ويقدّم الشيخ المربي محمد الياس العطار القادري في المركز الرئيسي كلماتٍ توجيهية ضمن ما يسمى المذاكر المدنيّة ويحرّض الناس على التوبة والإنابة إلى الله تعالى، والتضرع والدعاء؛ لأن الدعاء في هذه الليلة مستجاب كما ورد عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله: بلغنا أن الدعاء يُستجاب في خمس ليال: وذكر منها ليلة النصف من شعبان ثم قال: وأَستحبُ كل ما حكيتُ في هذه الليالي، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله إلى البصرة عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ فيهن الرحمة إفراغا فذكر منها ليلة النصف من شعبان. (لطائف المعارف:١٣٧ بتصرف.)

  3. ومن الأعمال التي ينبغي الحرص عليها: إصلاح ذات البين ومسامحة الناس، وطلب العفو ممن أسأنا إليهم، وهذه من أهم الخصال التي يغفل عنها أكثر الناس، فإن القطيعة بين المسلمين تمنع صاحبها من أن يكون محلا لنظر الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في الحديث:

    يطّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك، أو مشاحن.
    (ابن حبان ٥٦٦٥)

  4. ومن الأعمال التي ينبغي الاهتمام بها: الاستعداد لشهر رمضان: عمومًا ينبغي على المؤمن الحرص على الأوقات واغتنامها بالطاعات وخصوصًا إذا اقترب شهر رمضان، فينبغي الاستعداد لذاك الشهر العظيم، فلا بد للمؤمن أن يراعي بعض الأعمال ليسهل عليه استقبال هذا الشهر العظيم وإليكم بعض الخطوات الهامة وليست هذه الخطوات من باب الحصر.

أولًا: الدعاء: كما كان حبيبنا ونبيبنا ﷺ يقول إذا دخل شهر رجب ,

اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. (شعب الإيمان للبيهقي: ٣٥٣٤)

ثانيًا: تعلم أحكام الصيام: فينبغي للمسلم أن يتعلم أحكام رمضان من الصيام والقيام والزكاة والفطر وغير ذلك قبل مجيئه ليكون صومه صحيحًا وموافقًا للشريعة ومقبولًا عند الله تعالى بإذنه.

ثالثًا: التهيئة النفسية والروحية لشهر رمضان المبارك: من خلال قراءة الكتب التوجيهية والرسائل المكتوبة التي تبين فضيلة شهر رمضان والصوم، ومن خلال الحضور في دروس العلماء والمحاضرات كمحاضرات المدنية الأسبوعية، فقد كان حبيبنا ونبينا محمدﷺ يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان كما ثبت ذلك في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

كان ﷺ يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان فيقول:أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم. (سنن النسائي: ٢١٠٦)

رابعًا: التخطيط لاغتنام شهر رمضان: نعلم أن كثيرًا من الناس يقوم بالتخطيط الدقيق لأمور حياته الدنيوية وأعماله، ولكن مع الأسف القليل منّا مَن يخطط للأعمال الصالحة وأمور الآخرة، وحقيقة هذا نتيجة غفلتنا عن مهمتنا في الاستعداد لمعادنا وآخرتنا، فلذا ينبغي للمؤمن أن يتحرى فضائل الأماكن والأزمنة ليحسِن اغتنامها بالطاعات والعبادات كشهر رمضان المبارك المملوء بالرحمة والغفران، فيضع لنفسه برنامجاً عملياً لاغتنام ليالي رمضان وأيامه في طاعة الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، وأن يرزقنا اغتنام شهر شعبان وليلة النصف منه إنه رحيم كريم منّان ذو الفضل والجود والإحسان، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات



رمز الحماية