سرّاق شهر رمضان وأعوانهم ( لصوص رمضان )


نشرت: يوم الثلاثاء،06-أبريل-2021


هناك من احترف السرقة في شهر رمضان، ولا أقصد سرقة الأموال، بل سرقة ما هو أغلى وأثمن إنها سرقة الأوقات والأعمار والفضائل المرجوة في رمضان، فشهر رمضان ليس شهراً لفعلِ بثٍ مباشر مع تلك اللصوص وإهمال الصلة مع المعبود؛ بل إنما هو صلة مباشرة مع الله من خلال قناة الصيام والقيام؛ لا من خلال متابعة القنوات الفضائية ولا وسائل التواصل الاجتماعية التي خربت علينا أوقات العبادات.

والعجب أن الكثير من أهل الغفلة يبحث عن تردد القنوات ويضيع الأوقات، ويدخل عليه هلال رمضان وليس له نصيب منه إلا قول مبارك عليكم الشهر أو مبارك عليكم شهر رمضان وكأنه مناسبة للتهنئة فحسب!

ما أجمل أن نهنئ بعضنا بمناسبة شهر رمضان، وأجمل تهنئة بمناسبة رمضان هي تهنئة المقبلين على الله رب العالمين.

جميعنا يحذَر من سرّاق المال ويتحفّظ منهم ولكن لا يتحفَّظ من الأخطر منهم وهم من يسرقون منك أيها الإنسان دينك وعمرك وإيمانك!

إنهم سرّاق الفضيلة، الذين يسرقون إيمان الصائم وطاعته لربه ويسرقون وقته، فمن خلال شهر رمضان يلاحظ الجميع أن القنوات الفضائية قد جعلت من شهر الفضيلة موسماً للمسلسلات الهابطة المشتملة على السفور والاختلاط والمشاهد المحرمة، فتزيد من الملهيات والبرامج التي تُشغل الصائم عن طاعة ربه، فتشغل العين عن النظر في القرآن، وتربط اللسان عن تلاوة كتاب الله أو عن كثرة ذكره، فبدل أن ينتظر الصائم الأذان ليسعى إلى الصلاة، أصبح ينتظر المسلسلات والبرامج التافهة التي تفسد عليه أجر صيامه، فهلا تجنب الصائم شاشة التلفاز في شهر سريع النفاذ.

فالحذر الحذر أيها الصائمون من كيد المفسدين الذين يخرّبون أجواء رمضان.

وهناك سارق آخر أشد خطراً من السارق الأول- شاشة التلفاز- ألا وهو الهواتف الذكية، التي تنتشر بكثرة في وقتنا المعاصر، ومواقع التواصل الاجتماعي فهي مضيعة وأيما مضيعة للأجيال والأعمار والأوقات والأخلاق والدين.

فمعلوم أن هناك أضرار وخيمة قد تنتج عن الاستخدام السيِّئ لمثل هذه الأشياء، فضلاً عن الوقت الضَّائع الذي سيهدر الكثيرَ والكثير مِن الحسنات والمسرَّات والنفحات المتاحة في الشهر الكريم؛ لذا وجب علينا التفكُّر والتمعُّن فيما نستخدم ولِم نستخدم، وفي أيِّ الأوقات، أيضًا علينا تقويم استخداماتنا للهواتف والمواقع، كي لا نضيِّع الوقتَ الثمين في شهر رمضان، بل يوجد الآن العديد مِن التطبيقات والمواقع الإسلاميَّة الكثيرة والمفيدة، منها ما يذكِّر المسلم بأوقات الإفطار والسحور والقيام، ومنها ما يُلقى فيه الدروس وينشر الخير، والتي ستكون بالتأكيد معينةً للمسلم في شهر رمضان الكريم، وقد وجّه مركز الدعوة الإسلامية بحمد الله هذه القنوات والوسائل إلى أفضل ما يكون بحمد الله تعالى ففتح قناة مدني الفضائية وفي وسائل التواصل لتسدّ باباً من المخالفات وتكون بدائل في الخير ضمن هذه الشبكات.

رمضاننا ورمضان السلف:

حال السلف في شهر رمضان يختلف عن حالنا بل لا وجه للمقارنة فقد ورد في كتاب لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: قال معلى بن الفضل: أن السلف رضوان الله عليهم كانوا يسألون الله عز وجل أن يبلغهم رمضان قبل أن يدخل رمضان بستة أشهر، ويسألون الله أن يتقبل منهم شهر رمضان ستة أشهر بعده؛ لما يعلمون فيه من الخير العظيم والنفع العميم، ثم إذا دخل رمضان يسألون الله أن يعينهم على العمل الصالح فيه، وكانوا يجتهدون في العمل ثم يصيبهم الهم بعد العمل، هل يقبل الله تعالى منهم العمل أو لا يقبل وذلك لعلمهم بعظمة الله عز وجل و علمهم بأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه كما قال الله سبحانه وتعالى عنهم وعن أمثالهم:

وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ (60) أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ (61) (المؤمنون)

وكانوا يتفرغون في هذا الشهر للعبادة، ويتقللون من أعمال الدنيا، وكانوا يوفرون الوقت للجلوس في بيوت الله عز وجل، ويحضرون المصاحف ويتدارسون كتاب الله عز وجل، وكانوا يحفظون أوقاته الليل في القيام والنهار بالصيام وتلاوة القرآن وذكر الله وأعمال الخير، ما كانوا يفرطون في دقيقة منه أو في لحظة منه إلا ويقدمون فيها عملا صالحا.

 

  • وردعن السائب بن يزيد قال:

     

    أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميماً الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس في رمضان فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلاّ في فروع الفجر (الموطأ:١/١١٥)

  • كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلة يقول عند كل ختم دعوة مستجابة. (طبقات الحنابلة ١/٢٧٦)
  • وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع منهم قتادة وبعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث وكان قتادة يختم في كل سبع دائما وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة وعن أبي حنيفة نحوه وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. (لطائف المعارف لابن رجب ص: ١٧١)

هذه ومضة من حال بعض السلف في رمضان مع القرآن والقيام وإطعام الطعام، فما هو حالنا؟ إذا كان الإمام مالك يترك دروس العلم ليقرأ القرآن. (لطائف المعارف لابن رجب ص: ١٧١ بتصرف) فهل سنبتعد عن سرّاق رمضان لنحفظ صيامنا ورمضاننا! أم أننا في رمضان نحفظ أوقات الأفلام والمسلسلات أو ما يسمى بالفوازير وغيرها!

ذلك هو حال السلف فما هو حالنا اليوم؟ أين نحن منهم؟

وهل سنترك تلك الوسائل التي تسرق أوقاتنا وأعمارنا من التويتر والفيسبوك والبوبجي والشبكات العنكبوتية والفضائية، وما شابه ذلك لننتبه لقراءة القرآن؟

يا ليتنا كذلك.. فنسأل الله أن يعيننا على ذلك.. ويجب علينا أن ننتبه من تلك الأمور التي تخرق صيامنا من أول النهار حتى نومنا فيا ربّ سلم.

أما حال أولئك السلف رضي الله عنهم في النفقة والجود والكرم في رمضان، فحدث ولا حرج، فهم خير من اقتدى بسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، إنّ جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ - يعني جبريل طول الشهر يلقَى النبي كل ليلة، فينسلخ الشهر - فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. (متفق عليه)

ولذا سمّاه فقال: "وهو شهر المواساة" فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائما ولم يأكل شيئا. (لطائف المعارف لابن رجب ص: ١٦٨)

"كَانَ حماد بن أبي سليمان ذَا دُنْيَا مُتَّسِعَةٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يُفَطِّر فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسَ مائَةِ إِنْسَانٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيْهِم بَعْدَ العِيْدِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مائَةَ دِرْهَمٍ". (سير أعلام النبلاء٥/٥٣٠ )

فإذا كان هذا حال السلف في رمضان مع القرآن والصلاة والقيام والدعاء والإنفاق في سبيل الله تعالى وإطعام الطعام، والحرص كل الحرص على اغتنام كل دقيقة فيه في أعمال الخير والبر، وبما يرضي الله عزوجل عنهم؛ فأين نحن منهم؟ وهل حالنا في رمضان يشبه حالهم؟!

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم***إن التشبه بالكرام فلاح

رمضاننا صيانة إيمانية:

رحم الله أحد الحكماء حين قال: {لو أنصفك الناس يا رمضان لسمَّوك مدرسة الثلاثين يومًا} وذلك لأنه مدرسة إيمانية ومدرسة صحية تتلاقى فيها صحة الإيمان مع صحة الأبدان.

رمضان ساحة سنوية ودورة تدريبية لكل مؤمن يريد أن يعيد ترتيب أوراق حياته وقلبه وصلته مع ربه، كيف لا والصيام يلجم زمام النفس ويضبط غرائز الإنسان على نحو شرعه الله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس! وهذا درسٌ عظيم يتعلم فيه المؤمن الصبر بأنواعه الصبر على فعل الطاعة، والصبر على ترك المعصية، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله، يجاهد نفسه في القيام والصبر على قضاء وقت رمضان ببرامج يزيد فيها إيمانه ويبتعد فيها عن نفسه وشيطانه، فتسمو روحه وتعلو همّته وكأنه في جنّة النعيم والرضوان.

وهذا هو الرقي وتلك هي الصيانة الإيمانية على مستوى الفرد، يتبعها صيانة إيمانية على مستوى الجماعة من خلال الشعور الجماعي بمعاناة الفقراء والمحتاجين، فيشعر الغني بآلام المحرومين وجوع الجائعين ومعاناة المحتاجين.. في حين كان لا يرى إلا متطلباته ورغباته، ومن أجل ذلك شرف الله تعالى الصيام بنسبته إلى نفسه من بين سائر العبادات، ووعد بإجزال الثواب الفريد لصاحبه، ففي الحديث:

كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك. (رواه مسلم/٢٧٦٣)

فما أحوجنا إلى اغتنام هذا الشهر الفضيل، فهو موسم المتَّقين، ومتّجر الصالحين، وميدان المتسابقين، وهو فرصة للتطهر من الذنوب والسيئات، كما أنه فرصة للتزود من الصالحات والحسنات.

رمضاننا صيانة صحية:

لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام سببٌ للصحة البدنية إلى جانب الصحة الروحية فقال:

صوموا تصحوا. (رواه الطبراني في المعجم الأوسط/٨٣١٢ وأخرجه الإمام أحمد باختلاف يسير)

وجاء العلم الحديث يؤكد تلك المعاني النبوية، حتى اعتبر العلماء الصوم دورة لتجديد نشاطات أجهزة البدن واستعادة كفاءاته، وفرصة للتخلص من الفضلات، وبه يتخلص من كثير من الأمراض وهو أحد وسائل علاجها وينظر هذا في أبحاث خاصة نُشرت في مواقع متعددة ليظهر لك أيها القارئ العزيز فليس هنا مجال ذكرها، إلا أنه يكفي أن نعلم ما ذكره بعض الحكماء الصيام زكاة النفس ورياضة للجسم، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة، في جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار فيتبلّد الذهن. أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع، وطهروها بالجوع تصفو وترق.

رمضان مدرسةُ التغيير والتدريب:

رمضان شهر التغيير في علاقة الصائم بخالقه، وعلاقته مع الخلق، وعلاقة المرء بنفسه إذا رغب هو حقيقة في التغيير وسعى إليه، وسوف يصحبك رمضان ثلاثين يوما، فكنْ خير صاحبٍ معه بالاستعداد للتغيُّر الذي سيحدثه الصيام فيك، حتى لا تخرج منه صفر اليدين، بعد تعبٍ في الجوع والعطش، وكذا التغيير نحو السمو بالنفس والروح والخُلُق؛ وهذا هدف عالي قال فيه لمن أراد السموّ والتغيير نحو الأفضل, يَا باغي الْخَيْرِ أَقْبِلْ، ويَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. (الترمذي/٦٨٢) فمن لم يكن له هذا الهدف من صيامه فليس لله حاجة في قطع طعامه وشرابه، وأي تغيير سيكون له في مدرسةُ التغيير والتدريب ومن أعظم التغيير الذي أن تصوم - مع البطن - الجوارحُ، فلا ينطق اللسان إلا بالخير، بل يكون دائم الاشتغال بذكر الله، ويحفظ السمع فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ويحفظ البصر من النظر إلى ما حرم الله تعالى. يقول سيدنا جابر رضي الله تعالى عنه:

إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً. (مصنف ابن أبي شيبة/٨٨٨٠)

إذا التزم الصائم ذلك فسيحصل التغيير في السلوك من الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحميدة، ويحصل التغيير من الغفلة والكسل إلى الجد والهمّة واستمرار العمل وهكذا يقطف المؤمن ثمرة الصيام وجهْده في شهر رمضان، إلا أنه ينبغي أن يحذر قبل كل شيء ودائما خطر تلك اللصوص التي تنشط في شهر رمضان والتي تحدثنا عنها في مطلع هذا المقال وما أجمل أن نتمثّل في زماننا ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْبَاطِلِ، وَاللَّغْوِ، وَالْحَلِفِ. (أخرجه ابن أبي شيبة ٨٨٨٢)

وكلمة الباطل كلمة شاملة لكل ما ينافي شهر الصيام وصيانته من المخالفات والمحرمات والمكروهات..

نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا آمين بجاه النبي الأمين وصلى الله على سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية