نظرات في تاريخ الفقه وأصل المذاهب الفقهية | الشيخ ياسر أيمن بكار


نشرت: يوم السبت،16-أبريل-2022


من فضل الله تعالى على عباده أنه تكفل لهم بحفظ هذا الدين، إقامة للحجّة على الناس أجمعين، فقال سبحانه وتعالى في كتابه المبين:

﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾

وقال سبحانه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾

رسالة خاتمة، وشريعة عظيمة قائمة على الوحيَيْن (الكتاب والسنّة)، حبل من الله تعالى، وحبل من رسول الله ﷺ، لا نضلّ ما دمنا بهما معتصمين.

فمن حيث الحقيقة أن الحافظ هو الله سبحانه وتعالى، ولولا حفظه لكان مصير ما بين أيدينا من نصوص شرعية إلى ما صارت إليه ما سبق من الرسالات السماويّة، وأمّا من حيث الأسباب فإنّ الله تعالى قيّض لحمل هذا الدين خيرة البشر بعد الأنبياء، أقصد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثمّ من كلّ زمان من هو على المستوى الرفيع من الفضل والعدل والعقل، ممن يليق بهذه الرسالة الخالدة والأمانة العظيمة، كما قال ﷺ:

يرث هذا العلم من كلّ خلف عدولة ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، و تحريف الغالين.

يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث: وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنّ الله تعالى يوفّق له في كلّ عصر خلفًا من العدول يحملونه، وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كلّ عصر، وهكذا وقع ولله الحمد.

وسنّة الله تعالى في خلقه أنّه سبحانه وتعالى نوّع المواهب والكفاءات، ليتوجّه كلٌّ منهم إلى ما يميل إليه ويناسبه، فيكمل بعضهم بعضًا، ويلبّي أفراد المجتمع حاجاته، كما قال سبحانه وتعالى:

﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢﴾

فتجد الكثير من الناس يتوجّهون إلى الأعمال الجسدية أو الحرفية أو الفكرية وغيرها، وأصحاب كلّ مجال من هذه المجالات العملية أو الحرفية أو العلمية الفكرية ليسوا على درجة واحدة من الاطلاع والعلم والتمكّن والمهارة في الاختصاص، فمنهم من يكون بمستوى جيّد، ومنهم من يكون متفوّقًا، ومنهم من يبلغ القِمّة في ذلك المجال والاختصاص، ولنسمّي "اصطلاحًا"، من بلغ القمّة في اختصاصه "أستاذًا مجتهدًا"، ثمّ لننظر في زماننا من هم أساتذة علوم الفلك أو الفيزياء أو الطبّ اليوم؟، فستجد أنّ هناك بعض الشخصيات التي برزت في اختصاصها على مستوى العالم، وهكذا الأمر في بقية المجالات..

وكذلك الأمر في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والأحكام الشرعية، فلم يقبل عليها كلّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما ورد في الحديث:

إنَّ أعرابِيًّا جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ثائر الرّأس، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ! أخبرني ماذا فرض اللّه عليَّ من الصّلاة؟ فقال: الصّلوات الخمس إلا أن تطوّعَ شيئا، فقال: أخبرني ما فرض اللّه عليَّ من الصّيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوّعَ شيئا، فقال: أخبرني بما فرض اللّه عليَّ من الزّكاة؟ فقال: فأخبره رسول اللَّه ﷺ شرائعَ الإسلام، قال: والذي أكْرَمَكَ بالحق، لا أتَطوّع شيئا، ولا أنقص ممّا فرض اللَّه عليَّ شيئا، فقال رسول اللَّه ﷺ أفلح إنْ صدق أو دخل الجنّة إن صدق.

فهذا الصحابي رضي الله تعالى عنه اكتفى بما افترضه الله تعالى عليه ولم يسأل عن غيره، وبالمقابل هناك من كان له طول صحبة وملازمة لسيّدنا النبي ﷺ، ومنهم من توجّه لتحصيل العلوم الشرعية فبرز منهم -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- من بلغ القمّة في مجاله، كما ورد في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، ألا وإنّ لكلّ أمّة أمينًا، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه.

فمثلاً: في الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية لن تجد الصحابة على درجة واحدة، وإنما بعضهم بلغ القمّة في هذا الاختصاص فتصدر للإفتاء والتدريس، ومن هنا نشأ السؤال التالي: إذا كان الأمر كذلك فمن هم الذين بلغوا القمّة في علوم الشريعة والفقه والعلم بالأحكام من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم؟ ومن هم الأساتذة المجتهدون في هذه العلوم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟

فنقول في جوابه: هم سيدنا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضي الله تعالى عنهم، وسيدتنا أمّ سلمة، وعائشة رضي الله تعالى عنهما، وسيدنا عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء رضي الله تعالى عنهم، وأكثرهم اشتغالا بالإفتاء كان سيدنا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، وقد ساهمت عدة عوامل في اختلافهم في الإفتاء،

منها ما يرجع إلى طبيعة النصوص الشرعية من حيث التعارض أو احتمال المعاني أو إلى طريقة تعاطي المسائل الفقهية، ومنهم من كان يتوسّع في الرأي والاجتهاد وعلى رأسهم سيّدنا عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، ومنهم من كان يتحرّج في التوسّع بالرأي والاجتهاد، وعلى رأسهم زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهذا مما سيؤثر في سمات المدارس الفقهية التي ستظهر لاحقًا.

ومن أمثلة اختلافهم رضي الله تعالى عنهم:

الأولى: عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها:

قال سيّدنا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما: إنّ الحامل الذي توفّي عنها زوجها عدتها تنتهي بوضع الحمل.

وقال علي وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم: تعتدّ بأبعد الأجلين.

الثانية: ميراث الأخوّة مع وجود الجد:

ذهب سيّدنا أبو بكر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم إلى أن الجدّ كالأب يحجب الأخوّة من الميراث.

وذهب سيّدنا عمر وعلي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم إلى أن الأخوّة الأشقاء أو لأب يقاسمون الجدّ في الميراث.

ثم إنّ الصحابة المجتهدون انتشروا في البلاد، يحملون ميراث سيّد العباد ﷺ، وكانوا يفتون الناس، ويبينون لهم الأحكام الشرعية، ويقيمون الحلقات العلمية، فأقبل عليهم طلبة العلم، وتخرج عليهم العلماء، ومن هؤلاء من بلغ القمّة فيما تلقاه عن شيخه (الصحابي الجليل)، وبلغ الاجتهاد، وخلف شيخه في الحلقة تعليمًا وإفتاءً، ليقبل عليه أفاضل الجيل التالي، وهكذا دواليك جيلاً إثر جيل.

ثمّ أصبحت خريطة توزّع مدارس (الأساتذة المجتهدين) في الفقه على الشكل التالي:

أهل المدينة: يتبعون فقه سيدنا خارجة بن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ومن بعدهم الفقهاء السبعة، وسالم، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير والزهري، ثم الإمام مالك، وأخذ عنه عبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن وهب، وأسد بن فرات، والإمام الشافعي الذي أصبح فيما بعد صاحب مذهب مستقل رضي الله تعالى عنهم.

أهل مكة: يتّبعون فقه سيدنا ابن عباس ومن بعده ومجاهد بن خبير، وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان، وهو من علماء اليمن

وعمرو بن دينار وسفيان بن عيينة وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم.

أهل الكوفة: يتّبعون فقه سيدنا ابن مسعود، ومن بعده علقمة النخعي، والأسود بن يزيد، ومسروق، ثم إبراهيم النخعي، ثم حماد بن أبي سليمان، ثم الإمام الأعظم أبي حنيفة، وأخذ عنه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وأخذ عنه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم.

أهل البصرة: يتّبعون فقه سيدنا أبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وابن سيرين وقتادة رضي الله تعالى عنهم.

أهل الشام: يتّبعون فقه سيدنا معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي إدريس الخولاني، ومكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، وفيها ظهر مذهب الإمام الأوزاعي رضي الله تعالى عنهم.

أهل مصر: يتّبعون فقه سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيها ظهر مذهب الليث بن سعد رضي الله تعالى عنهم.

وظهرت المدارس الفقهية المتمثّلة بالأئمّة الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، وورثوا علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كالحسن البصري، وأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وابن حنبل رضي الله تعالى عنهم.

في القرن الثاني والثالث الهجري كانت بداية تأسيس علوم الشريعة وما يتعلق بها، حيث جمعت المعلومات ورتبت، وتفرّع عنها المسائل وبحثت، ووضعت الأصول وضبطت، وفي أضواء هذه الحركة العلمية، تعرّضت المذاهب الفقهية للانتخاب، إقبالا وتحمّلا وأداءً، وتأصيلا واستيعابًا، ولم يصمد منها سوى المذاهب الأربعة المعروفة اليوم (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي)، وتشبث أهل كلّ بلد بفتاوى علمائهم، وأحاديثهم، وعولوا على ما جرى عليه عملهم؛ لأنّهم خبروا سيرتهم، ووثّقوا بهم.

وتلقّت الأمّة الإسلامية المذاهبَ الأربعة بالقبول، وتوارثتها أجيال من العلماء الأجلاء، وخدمتها آلاف العقول من الأساتذة المجتهدين عبر العصور، مراجعة ومقارنة وتقييدًا وتخصيصًا وتحريرًا وتخريجًا وتحقيقًا، فنتج لدينا ميراث تشريعي عظيم، وضع جذوره أئمة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وجذعه أئمة المذاهب الأربعة، وأغصانه مجتهدي المذاهب، وأزهاره وثماره محققي المذاهب.

والذي يتميّز به الفقه الإسلامي (الكتاب، والسنة، وفقه الصحابة، وكيفيّة استدلالهم، وشروحهم) أنه قد خُدِمت في المذاهب الأربعة، ونقلت إلينا من خلالهم، فالفقه الإسلامي نقل إلينا نصًّا في المؤلفات، وشرحًا في صدور العلماء، فإن عكفت على دراسة مذهبٍ من المذاهب فإنّك لن تحصل العلم من خلال قراءة المصنّفات، بل لا بدّ لك من تلقّي شروح هذه المصنّفات على العلماء المختصّين الذين تلقّوها عن شيوخهم، الذين يتّصل سندهم في تلقّي علم الفقه إلى أئمّة المذاهب الأربعة، ولهذا فإنّنا اليوم إذا ما سُئلنا أين شريعة الإسلام؟، وأين دين سيّدنا النبي ﷺ؟، أين فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟، فاعلم أنّه في هذه المذاهب الأربعة لا ريب، ولهذا ينبغي علينا التمسّك بها، وعدم الخروج عنها، فهي التي ضمت الحقّ الذي جاء به شرع الله سبحانه وتعالى وحفظه الله على أيدي هؤلاء الأساطين من الفقهاء عبر القرون، ولذلك قال الإمام اللقاني الأشعري رحمه الله تعالى في منظومته "جوهرة التوحيد":

فكلّ خير في اتّباع من سلف وكلّ شرّ في ابتداع من خلف


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مركز_فيضان_المدينة
#مؤسسة_مركز_الدعوة_الإسلامية

تعليقات



رمز الحماية