مسؤوليات المسلم (القسم الأول) | عادل ديري


نشرت: يوم الإثنين،06-نوفمبر-2023


إن الله خلقنا في هذه الحياة وكلفنا فيها بأمور ومسؤوليات كثيرة؛ وما كلفنا الله بهذه المسؤوليات إلا لعلمه أننا قادرون عليها، فالله تعالى يقول:

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ [البقرة: 286].

وهو الذي قوله الحق، فالإنسان مهما كثرت مسؤولياته في هذه الحياة؛ إلا أنه قادر عليها وعلى تحقيقها والقيام بها وإن من أعظم الأمور التي تجعل هذه الأمة سائدة فوق الأمم هو تحقيق المسؤولية التي وكلت إلى أفراد هذه الأمة، وإن هذه المسؤولية ليست وظيفة فرد واحد فقط، أو وظيفة العلماء والدعاة والحكام فحسب، بل هي وظيفة كل فرد من أفراد هذه الأمة ذكرا كان أم أنثى، شابا كان أم كهلا، وإن المسؤولية من أعظم الأمور التي حث عليها الإسلام، وإذا نظرنا في حقيقة الدعوة والحضارة الإسلامية نجد أن من أهم أركانها القائمة عليها هو "الشعور بالمسؤولية"، حيث أن الإسلام هو دين تحمل المسؤولية، وهو الدين الذي يجعل الإنسان يعيش ويحيا في سبيل الله. ولقد اعتاد كثير من المسلمين اليوم على قلة الاهتمام بشأن الأمة، والعزوف عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتجاج بأن المسؤولية تقع على العلماء والدعاة والأمراء فقط، ولكن الأمر في حقيقته ليس هكذا، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم:

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦ [القيامة: 36].

وقد قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: يظن ابن آدم أن يترك سدى، أي: أن يخلى مهملا؛ فلا يؤمر ولا ينهى (تفسير القرطبي: 19/86).

فإن هذه الآية من أعظم ما ورد من الآيات في هذا الباب، فهي لا تبقي حجة للتهرب من المسؤولية، ولو تفكرنا في هذه الآية لما وسعنا إلا أن نقول: حياتنا، أوقاتنا، أعمالنا، أهلنا، أولادنا؛ كل أولئك سنسأل عنهم، وسوف نحاسب على تقصيرنا فيهم وتساهلنا بحقوقهم، والمسؤولية هي مبدأ الرسول الكريم ﷺ، ومنهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالجيل الأول من هذه الأمة أدركوا المسؤولية العظيمة التي حملوها، فحاولوا أداءها بحق، فلماذا لا نكون مثلهم؟ ولماذا لا نسير على خطاهم ونهجهم؟ لماذا لا نتبع رسول الله ﷺ وقد أمرنا باتباعه؟ قال الله ﷺ في كتابه العظيم:

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦ [القيامة: 36]،

فإذا أردت أن تتبع النبي الكريم ﷺ في مبادئه ومسؤوليته؛ فيجب عليك أولا أن تعرف ما هي مسؤوليات الفرد المسلم.

ما هي مسؤوليات المسلم التي كلفه الله بها؟

إن من أهم وأعظم المسؤوليات التي يجب على الفرد المسلم أن يحققها في هذه الحياة هي: مسؤولية المسلم تجاه ربه عز وجل، وتجاه رسوله ﷺ، وتجاه دينه، وتجاه نفسه، وتجاه والديه، وتجاه زوجه، وسوف نتحدث عن مسؤولية المسلم تجاه ربه عز وجل، وتجاه نبيه ﷺ في الأسطر القادمة إن شاء الله:

مسؤولية المسلم تجاه ربه عز وجل:

إن الله تعالى قد خلق هذا الكون وخلق له بشرا وكلفهم بمهمات ومسؤوليات عديدة، وإن من أهم تلك المسؤوليات وأولاها وأحقها عناية واهتماما؛ هي مسؤولية المخلوق تجاه خالقه ومنشئه ومكونه، ولا تتم هذه المسؤولية إلا بأن يكون هذا المخلوق موحدا لخالقه، مطيعا له، ومتبعا لأوامره، ومجتنبا لنواهيه، آتيا بما أمر، مبتعدا عما نهى عنه وزجر، فالعباد في كل لحظاتهم وأوقاتهم وأمورهم وشؤونهم محتاجون إلى خالقهم، لا يستطيعون أن ينكروا ذلك ولو للحظات، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥ [فاطر: 15].

فالعباد المحتاجون إلى خالقهم بهذا القدر، محتاجون أيضا لمعرفة واجباتهم تجاه ذلك الخالق العظيم والرب الكريم، فما هي تلك الواجبات؟

إن من أهم وأعظم وأشرف وأسمى هذه المسؤوليات هي عبادة الله وحده والتحقق بصفة العبودية على أتم وجه، وعدم الإشراك به شيئا، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم:

وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ [النساء: 36].

وقال أيضا في موضع آخر:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ [البقرة: 21]،

وقد قال الإمام اللقاني في متن جوهرة التوحيد: واجزم بأن أولا مما يجب *** معرفة .......... (متن جوهرة التوحيد للقاني: الشعر الرابع عشر، صـ 2).

أي: اعتقد أيها المكلف اعتقادا جازما أن أول شيء مما يجب عليك أن تعرفه صفاته تعالى وسائر أحكام الألوهية، فإذا عرفت خالقك، فما عليك إلا أن تعبده مخلصا له كل شيء، أي: إفراد الله سبحانه بجميع ما يتعبد العباد به خالقهم، من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة، مع كامل المحبة والرهبة، وقد ورد في الصحيحين عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال:

كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له: "عفير"، فقال: يا معاذ! هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (صحيح البخاري: 2/ 269، (2856)).

فإن أول ما يجب على العبد هو أن يعبد ربه ولا يشرك به شيئا، وأن يؤمن بعدها بكل ما جاء من عند الله عز وجل، وبما فرضه الله تعالى من صلاة وصيام وزكاة وما إلى ذلك من العبادات، فإذا ما تحقق العبد بهذه المسؤوليات، وآمن بها وعملها على أتم وجه، يكون قد وصل إلى مسألة تطبيقها في حياته العملية، فبقدر ما يطبقها في حياته العملية يكون إيمانه بالله أكثر اكتمالا وأعظم تحققا، وعند ذلك تكون المسؤولية قد تحققت فيه على الوجه الذي كلف به، فليكن همنا إرضاء الله تعالى والإتيان بأوامره واجتناب نواهيه، وانتهاج منهج النبي الكريم عز وجل، ومنهج صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم في تحمل المسؤولية، ومعرفة مسؤوليتنا تجاه ربنا عز وجل، فاللهم أعنا على ذلك.

مسؤولية المسلم تجاه رسوله ﷺ:

بما أن أول مسؤولية تقع على عاتق المكلف هي معرفة الله تعالى؛ وبما أن الله عز وجل أكبر من المعرفة وأعلى من التصور والتخيل فلا بد من وسيلة تعرف المكلف بربه عز وجل، إذا فما هي وسيلة المؤمن ليعرف ربه؟ إنه الرسول الكريم ﷺ، وطالما أن الرسول الكريم ﷺ هو وسيلة العبد ليعرف ربه ومسؤوليته تجاه ربه؛ فلا شك أنه من مسؤوليات العبد أن يعرف الوسيلة حق المعرفة، أن يعرف رسوله ﷺ باسمه ونسبه وسيرته وسريرته وأحواله في حله وترحاله وما إلى ذلك.

* ومن المسؤوليّات أمام رسولنا الكريم ﷺ الإيمانُ الجازمُ بأنّه رسول الله وخاتَمُ النَّبيين، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨ [الأعراف].

فإنّ من شروط الإيمانَ بالله الإيمان برسوله ﷺ والاستمرارَ على هذا الإيمانِ والثَّباتَ عليه.

* ومن مسؤوليّاتنا تجاه رسولنا الكريم ﷺ أن نحبَّهُ حُبًّا يفوقُ حبّنا لأيِّ شيءٍ من المخلوقات، فقد قال ﷺ:

فوالّذي نفسي بيده، لا يؤمنُ أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ من والده وولده (صحيح البخاري: 1/17، (14)).

فهذه المحبة هي الطريق لتذوق حلاوة الإيمان، وهناك الكثير من الوقائع التي حصلت بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبين النبي ﷺ، فما كان منهم إلا أن سارعوا وفدوه بأنفسهم وأرواحهم وكل ممتلكاتهم،

ففي غزوة أحد ظهرت صور كثيرة من صور حب الصحابة للنبي ﷺ، وتجلت تلك المسؤولية بصورة عملية، وذلك حينما حاصر المشركون رسول الله ﷺ ومن معه، فما كان من الصحابة في هذا الموقف العظيم العصيب إلا أن سارعوا إلى رسول الله ﷺ وأقاموا حوله سياجا بأجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في الدفاع عنه، فها هو سيدنا أبو طلحة رضي الله تعالى عنه يقف بين يدي رسول الله ﷺ مدافعا عنه، ويرفع صدره ليقيه من سهام العدو، ويقول: يا نبي الله ﷺ! بأبي أنت وأمي ...... نحري دون نحرك (صحيح البخاري: 2/562، (3811)، ملخصا).

* ومنها أيضًا التحلِّي بأخلاقه الكريمة الفاضلة، فقد أمرنا الله تعالى أن نتأسَّى بأخلاقِهِ ونكونَ على نهجه فقال تعالى:

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١ [الأحزاب: 21].

ومنها أيضًا اتّباعه ﷺ في كافّة أحواله، فقد قال الله تعالى:

وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ [النور: 54].

فكانتْ طاعُتُه ﷺ سببًا لهدايتنا، وكان اتّباعه ﷺ سبيل النّجاة من الزّيغ.

* ومنها أيضًا بل تكادُ تكونُ من أهمِّها في يومنا هذا أن ندافعَ عنه أمام من ينتقص من قدره، ويهوّن من مكانته،

ويسيء إلى مبادئه وسنّته، فهذا واجبٌ على كلِّ مسلمٍ، وهو أحد نوعي الجهاد، وهو الجهاد باللّسان، وهو جهادُ هذا العصر؛ وذلك لكثرة ما بُلينا به في هذا الزّمن من قلّة العلم.

نسأل الله أن يحقّقنا بمحبّته واتّباع سنّته والقيام بمسؤوليّتنا تجاهه، إنَّه خير معين.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة
#مجلة_فصلية

تعليقات



رمز الحماية