الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله وخدماته في الفقه الحنفي | الشيخ عادل ديري


نشرت: يوم الجمعة،04-أبريل-2025

الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله وخدماته في الفقه الحنفي

نشأ الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله وترعرع في بيت كان أهله منشغلين بالعلم من الأجداد حتَّى الأحفاد، فوالده وجدُّه كانا من كبار أهل العلم والتَّقوى، ولهم دورٌ مهمٌّ في علوم القرآن والحديث والفقه والإفتاء والتَّصوف، وكانوا أيضًا من أهل المال والجاه، فجميع هذه الأمور كان لها دورٌ مهم في نشأته، فمنذ نعومة أظفاره بدأ بحفظ المتون وعلوم العربية(من أقطاب الأمة في القرن العشرين لمحمّد خالد ثابت: صـ 18)، حتَّى أتقن العربيَّة وهو لم يُتم عشر سنين، وجلس للتَّدريس والإفتاء وعمره لم يتجاوز الرابعة عشر، وبعد أن تخرَّج بدأ بالتّصنيف والتّأليف في أنواع مختلفة من العلوم حتَّى برع في خمسة وخمسين علمًا، وقد أذن له والده بأن يُفتي من دون أن يرجع له لشدَّة تمكُّنه من العلوم.

وكان الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله موهوبًا في العلوم كلها، وتميزت أعماله بطابع موسوعي جعله مرجعًا معتبرًا، وإنجازاته الفقهية تعكس عمق معرفته وإحاطته بالأدلة والأصول والقواعد الشرعية ودقة الاستنباط للأحكام، فأظهر أحمد رضا خان رحمه الله تعالى قدرة فائقة على الجمع بين استيعاب التراث الفقهي الغني الذي تركه الفقهاء السَّابقون والقدرة على معالجة المسائل الفقهية المعاصرة والنَّوازل بأسلوب علمي دقيق، تميزت منهجيته بالاعتماد على النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، مع الاستفادة من مصادر الفقه المعتبرة لدى المذاهب الأربعة، وبالأخص المذهب الحنفي الذي كان محور اهتمامه كونه حنفي المذهب، ونشأ في بلاد أهلها ينتمون للمذهب الحنفي، والصنعة الفقهية عنده لم تكن مجرد نقل أو تلخيص لما في كتب الفقهاء، بل كانت استقراءً وتحقيقًا عميقًا للنصوص الشرعية، وتوظيفًا لأصول الفقه في استنباط الأحكام المتعلقة بالنوازل والمستجدات.

قد جمع في كتابة فتاواه بين أصالة المذهب الحنفي الذي كان يتبناه، وبين مرونة تطبيق القواعد الفقهية بما يراعي الظروف الزمانية والمكانية لمجتمعه، وكان يدرك أن الفقه ليس علمًا جامدًا، بل هو علم يتفاعل مع واقع الأمة الإسلامية وتحدياتها، لذلك، اهتم في كتاباته الفقهية بتوضيح الأحكام المتعلقة بقضايا جديدة ظهرت في زمانه، وتُعدّ فتاواه في هذه المجالات دليلًا على رؤيته المتوازنة التي تجمع بين الالتزام بالنصوص الشرعية والانفتاح على متغيرات العصر، وأسلوبه الفقهي تميز بالتحليل والتفصيل، حيث اعتمد منهجية دقيقة تبدأ ببيان النصوص الأصلية المتعلقة بالمسألة، ثم استعراض آراء العلماء السابقين فيها، مع الإشارة إلى الأقوال المختلفة ومناقشتها على أسس أصولية، فهذه الصنعة الفقهية الدقيقة أكسبت كتاباته موثوقية عالية، ليس فقط بين العلماء والفقهاء، بل أيضًا بين العامة الذين وجدوا فيها إجابات شافية، وإحدى أبرز سمات الصنعة الفقهية عند الشيخ أحمد رضا خان الهندي رحمه الله هي دقته في صياغة الأحكام، وحرصه على تجنب التناقض أو اللبس، وهو ما يظهر بوضوح في كتاباته الفقهية الشهيرة مثل "العطايا النبوية في الفتاوى الرضوية" وفي حاشيته "جد الممتار على رد المحتار"، فالصنعة الفقهية عنده رحمه الله تعكس الجمع بين العمق العلمي والوعي بمتطلبات الواقع، من أجل ذلك أسهمت منهجيته في تجديد الفقه الإسلامي في الديار الهندية حتى أصبحت مرجعًا للعديد من العلماء المعاصرين، والأمور التي تدل على ملكته الفقهية عديدة وكثير منها:

1. اجتهاداته في النَّوازل.

2. استخدام العلوم المتنوّعة لإيضاح المسائل الفقهيَّة.

3. استخراج الفروع الفقهيَّة مستمدًا إيَّاها من الأصول.

4. إشارات إلى بعض الفوائد واللطائف.

5. البحوث والتحقيقات الَّتي لم يُسبق إليها.

6. التَّرجيح في حال الاختلاف في التَّصحيح والفتوى.

7. التَّنبيه على بعض مواقف الفقهاء المتقدِّمين.

8. توفير الأدِّلة وتكثيرها لتقوية المسائل.

9. حل الإشكالات ودفع الإيرادات.

10. سعة اطلاعه على الفقه ودقة النظر فيه.

11. محاولة التَّوفيق بين الأقوال المتعارضة.

12. سعة النظر في علم الحديث مع قوة الاستنباط والاستدلال.

ولو نظرنا في مؤلّفاته لرأينا هذه الأمور جليَّة واضحة، والأمثلة عليها وافرة، وهذا الشَّيء يدل على أنَّه لم يكن مجرد ناقل عن الفقهاء السَّابقين فحسب، بل كانت له مكانته الفقهية ونظرته الاجتهادية.

فاعتُبر الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله أحد كبار الفقهاء المجتهدين في المسائل التي لم يرد فيها نصٌّ عن الإمام؛ لإضافته الآراء المعتبرة، وما قدَّم من البحوث والتَّصانيف الكبيرة، فبلغ عدد مؤلَّفاته في الفقه أكثر من مائتين، جميعها يدلُّ على علمه وتمكُّنه وعبقريَّته وكثرة اطِّلاعه ومدى استنباطه، فكان ينظر إلى علم الفقه نظرة مهابة وتشريف وإجلال؛ لأنَّ مقاصد الشرع تتجلَّى في هذا العلم، فقضى معظم حياته في دراسة وتدريس هذا العلم والتأليف فيه والإفتاء به، فأعظم وأكبر مؤلفات الإمام كانت في الفقه الحنفي، وبقي يُفتي النَّاس ما يزيد على أربع وخمسين سنة، وذُكر أنَّ الَّذين انتفعوا بفتاوي الإمام يشكِّلون ربع طلاب العلم والعلماء(العطايا النبوية في الفتاوى الرضوية مقدمة المجلد الأول: 1/51)، والمقصود بهذا ربع طلاب العلم والعلماء في شبه القارة الهندية.

من شدَّة تمكنه من الفقه كان مستحضرًا للمسائل وأدلَّتها وطرق استنباطها في ذاكرته، فكان يكتب الفتاوي بأدلَّتها وتفاصيلها من دون الرجوع إلى الكتب الفقهية، وتبحُّره لم يكن مقتصرًا على المذهب الحنفي فقط، بل كان صاحب اطِّلاع على المذاهب الفقهيَّة الأخرى ملمًّا بها، حتَّى وصَل إلى مرتبة مجتهد في المسائل الَّتي لم يرد فيها نص عن الإمام، فاجتهد في الأصول والفروع ضمن قواعد الإمام أبي حنيفة، وكتابه "الفتاوى الرضوية" يبرهن لنا ذلك، ومن المسائل الَّتي كان له اجتهاده الخاص بها مسألة تقسيم الأحكام الشَّرعية، فقد قسَّم الفقهاء السَّابقون الأحكام إلى سبعة أقسام، وهي: الفرض، الواجب، المستحب، المباح، الحرام، المكروه التحريمي، المكروه التنزيهي، ولكنَّ الشيخ أحمد رضا خان رحمه الله أضاف "أربعة" عليها فكان له تقسيمه الخاص وهو: الفرض، الواجب، السنة المؤكدة، السنة غير المؤكدة، المستحب، المباح، الحرام، المكروه التحريمي، الإساءة، المكروه التنزيهي، خلاف الأولى (العطايا النبوية في الفتاوى الرضوية: 1/173–175).

قد قال السَّيد إسماعيل بن خليل الحنفي أمين مكتبة الحرم: (كان الشيخ السيد رحمه الله تتلمذ عند الشيخ عبد الحق المهاجر إله آبادي) كان من أجلة علماء الحرم الشريف، والمجاز من الإمام أحمد رضا خان، وسافر سنة 1328 هـ إلى الهند لزيارة الشيخ المجدد الإمام أحمد رضا. (تذكرة خلفاء أعلى حضرة: صـ 35، تعريبًا من الأردية) (تاريخ الدولة المكية: صـ 104، تعريبًا من الأردية).

بعد أن اطلع على عدة أبحاث من الفتاوى الرضوية:

"شيخ الإسلام بلا مدافع ووحيد العصر بلا منازع شيخنا وأستاذنا وملاذنا وقدوتنا وعمدتنا ليومنا، والله أقول والحق أقول: إنَّه لو رآه أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى لقرّت عينه ولجعل مؤلفها من جملة الأصحاب" (الإجازات المتينة لعلماء بكة والمدينة: 57–58.).

عند التأمل في مؤلفاته، نجد هذه المعاني بارزة وظاهرة بوضوح، والأمثلة عليها كثيرة ومتنوعة. وهذا يدل على أنه لم يكن مجرّد ناقل عن الفقهاء السابقين، بل كان يتمتع بمكانة فقهية راسخة ونظرة اجتهادية متعمقة، وكتب الإمام ومصنفاته في العلوم الفقهية كثيرة منها:

1. أجل التحبير في حكم السماع والمزامير.

2. أذان من الله لقيام سنة نبي الله.

3. أزين كافل لحكم القعدة في المكتوبة والنوافل.

4. أعالي الإفادة في تعزية الهند وبيان الشهادة.

5. إعلام الأعلام بان هندوستان دار الإسلام.

6. إمام الكلام في القراءة خلف الإمام.

7. الأمر باحترام المقابر.

8. التحرير الجيد في حق المسجد.

9. جد الممتار على رد المحتار.

10. الجلي الحسن في حرمة والد اللبن.

11. الجوهر الثمين فيما تنعقد به اليمين.

12. الخطوط الإسلامية للاقتصاد الإسلامي.

13. خير الآمال في حكم الكسب والسؤال.

14. الطيب الوجيز في أمتعة الورق والإبريز.

15. غاية الاحتياط في جواز حيلة الاسقاط.

16. كفل الفقيه الفاهم في أحكام قرطاس الدراهم.

17. مفاد البحر في الصلاة بمقبرة أو جنب قبر.

18. النور والضياء في حكم بعض الأسماء.

19. الزبدة الزكية لتحريم سجود التحية.

20. تدبيرِ الفلاح والنجاة والإصلاح

21. اَلْمُنٰی وَالدُّرَرْ لِمَنْ عَمَدَ مَنِيْ آرْدَرْ

وغيرها العديد من الكتب والرسائل والحواشي الَّتي يزيد عددها عن ثلاثمائة، وهذه الكتب والرسائل منها ما ألف باللغة العربية ومنها ما ألف باللغة الأردية، وما ألف باللغة العربية ترجم بعضه للّغة الأردية وما ألف باللغة الأردية ترجم بعضه للّغة العربية، وكان الإمام أحمد رضا خان رحمه الله كلَّما شرع بقراءة كتاب في الفقه أو في غيره من العلوم كتب عليه الحواشي والفوائد، فمن حواشيه الَّتي كتبها على كتب الفقه:

حاشية البحر الرائق، حاشية بدائع الصنائع، حاشية تبيين الحقائق، حاشية فتح القدير، حاشية كتاب الخراج، حاشية جامع الرموز، حاشية جامع الفصولين، حاشية الجوهرة النيرة، حاشية درر الأحكام، حاشية رسائل الشامي، حاشية العناية، وغيرها العديد من الحواشي ولكن يأتي في مقدمة هذه الحواشي وأهمها حاشيته على "در المحتار لابن عابدين".

الشيء الذي جعل هذه الحاشية الأخيرة متميزة على غيرها من الحواشي أمور عدة، من أهمها: أنها مكتملة من بداية الكتاب حتَّى نهايته بالإضافة إلى توفّر النسخ، والعناية من المحشي بهذه الحاشية.

في الختام! يمكن القول بأن الإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمه الله كان من أبرز العلماء الذين أثَّروا في الفقه الحنفي وأرسوا قواعد جديدة في مجاله، فلم يكن فقط حافظًا للتراث الفقهي، بل كان مجتهدًا مبدعًا في تطويره، فاستطاع الجمع بين الأصالة والمرونة في اجتهاداته الفقهية، مما جعله مرجعًا معتبرًا للعديد من العلماء، بمؤلفاته المتنوعة، سواء في الفقه أو في العلوم الأخرى، وهذا يدل على سعة اطلاعه وعمق فكره، كما أن فتاواه المميزة تبرز قدرته الفائقة على استنباط الأحكام في ضوء متغيرات العصر.

ولقد ترك الإمام أحمد رضا خان رحمه الله بصمة لا تُمحى في تاريخ الفقه الحنفي، وأصبح علمه مرجعًا لمن بعده مما يجعله أحد أعلام الفقه الذين يجب أن يُحتذى بهم في كل زمان ومكان.

تعليقات



رمز الحماية