مدونات مختارة
الأكثر شهرة
أهمية الدعاء وعظمته | الشيخ محمد قاسم العطاري حفظه الله تعالى
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
قال الله سبحانه وتعالى:
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ [المؤمن:60]
التفسير:
اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى ﴿ٱدۡعُونِيٓ﴾:
قيل: إنه الأمر بالدعاء، ـ بمعنى ادعوني أتقبل دعاءكم ـ
وقيل: إنه الأمر بالعبادة، ـ بمعنى اعبدوني أُثبْكم ـ (التفسير الكبير للرازي:9/527 )
يعتبر الدعاء من أجلّ العبادات وأعظمها، وقد ورد في فضله عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن دلائل عظمة الدعاء أنه يُعدُّ تعبيرًا عن محبتنا لله تعالى وعلامة على عبوديتنا بين يدي جلال ألوهيته، وإظهارا لتوكّلنا على علمه وقدرته وعطائه، وهو كذلك إقرار وبرهان على صدق إيماننا به.
الدعاء أشرف العبادة ولبّها:
نحن نعتقد اعتقادًا جازمًا أنّ الله تعالى هو خالقنا ومالكنا ورازقنا، وهو رَبُّ العالَمين، وأَرحم الرَّاحمين، وأَحكم الحاكمين، ومَالِك المُلْك، له العزة والعظمة والقدرة كلها، وبيده خزائن السماوات والأرض، وله الملك والملكوت كلها.
هو المُعطي ومُعطي المعطين، المستغني عن كل ما عداه، المفتقر إليه جميعُ مَن سواه، لا تعرض له الحاجات، تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم.
هو الجواد الكريم، يغمر بالعطايا ويفيض بالكرم؛ فلو منح كلَّ فردٍ من المخلوقات ملياراتٍ من خزائنه، ما نقص من خزائنه شيء ولو قدر رأس إبرة، ولو حَجَب عنهم العطاءَ كلَّه، فلن يستطيع أحدٌ أن ينتزع منه شيئًا.
فهو جلَّ وعلا إذا أراد أن يُعطي أحدا فلا مانعَ لما أعطى، وإذا شاء أن يمنع عنه فلا مُعطي لما منع.
حين ندعو الله تعالى، فإنَّ هذا هو اعتقادنا في الله جل وعلا، الذي يكون راسخا في قلوبنا، ومستقرّا في عقولنا، بوعيٍ منّا أو بغير وعي، فيتجسّد ذلك الاعتقاد في كلماتنا ومشاعرنا على صورة دعاء، فإذا تدبّرنا هذه الحقيقة أدركنا أنّ الدعاء في ذاته هو مُظهر لهذه العقيدة العظيمة، ومن ثمَّ فلا عجب أن يُعدَّ الدعاء من أشرف العبادات، بل هو مخُّها ولبّها.
فضل الدعاء في ضوء الأحاديث النبوية:
بناءً على ما تقدم من التقرير، نعرض بين أيديكم طائفةً من الأحاديث النبوية الشريفة في فضائل الدعاء، فاقرؤوها وانعموا فرحًا برحمة الله تعالى، فمنها :
- لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ (سنن الترمذي: 3381)
- إِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...الحديث. (المستدرك للحاكم: 1856)
- الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.... الحديث (المستدرك للحاكم: 1855)
- الدعاء سببٌ لمغفرة الذنوب... (سنن الترمذي: 3551)
- قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ. (سنن الدارمي: 2830)
- الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ (سنن الترمذي: 3382)
- الله مع العبد إذا دعاه . (مسند أحمد : 9756)
- إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي (صحيح مسلم: 2675)
- الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ (سنن الترمذي: 3559)
- الدُّعَاء مِفْتَاح الرَّحْمَة (الفردوس بمأثور الخطاب: 3086)
- الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ .... الحديث. (المستدرك للحاكم: 6092)
- الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْبَلَاء (الفوائد لأبي الشيخ: صـ 61، (27)، دار الصميعي)
- مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَة ... الحديث. (سنن الترمذي: 3559)
آداب وشروط لإجابة الدعاء:
وقد ذكر المفسرون شروطًا وآدابًا لإجابة الدعاء، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- الدعاء بإخلاص لله تعالى.
- أن يدعو بقلب حاضر، لا يبقى فيه التفات إلى غير الله.
- أن لا يدعو بإثم وغيرِ مشروع.
- أن يدعو وهو موقن بالإجابة.
- أن لا يجزع ولا يشكو إذا تأخّرت الإجابة، فلا يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي.
فإذا اجتمعت في الدعاء الشروط المطلوبة فإنه يستجاب لصاحبه لا محالة؛ ولكن ينبغي أن يُعلَم أنّ حقيقة قبول الدعاء هي أن يجيب الله تعالى نداء عبده بقوله: «لَبَّيْكَ عَبْدِي»، ولا يلزم منه أن يُعطى كل طالب عين ما طلبه، بل قد تتنوع صور الإجابة، فإمّا أن يُغفر له مِن آثامه ومَعاصيه بقدرِ ما دَعا، أو يُدَّخر له ثوابه في الآخرة، أو يُعَوَّضُ بما هو أوْلى له، أو تُؤخَّر الاستجابة إلى وقتٍ تشتدّ فيه حاجته.
التفويض والرضاء بقضاء الله بعد الدعاء:
ينبغي للمرء إذا فرغ من دعائه أن يفوض الأمر إلى الله تعالى، فإن الرحمن الرحيم يختار لعبده ما هو أصلح له وأنفع، والرضا بقضاء الله مرتبة رفيعة، بل هو في الحقيقة أنفع للعبد، إذ أن علمه قاصر، بينما علم الله محيط بكل شيء غير متناهي، فكثيرًا ما يطلب العبد من ربّه شيئًا ويعتقد أن الخير فيه، فيمنعه الله بلطفه عنه؛ لِعلْمه أنه يضرّ بدينه أو دنياه، فعلى سبيل المثال، ربما يسأل ربَّه مالًا وهو في علمه تعالى سبب لفساد إيمانه، أو يطلب الصحةَ مع أنها في تقديره تعالى وسيلة لخسران آخرته، فحينئذٍ، يكون عدم إجابة مثل هذا الدعاء عين الخير له.
أسلوب دعاء النبي ﷺ ونموذج للدعاء الجامع:
إنَّ أدعيةَ النبيِّ الكريم ﷺ بليغةٌ وجَامعة، فإذا انتخب الداعي لنفسه بعضًا منها كان ذلك في غاية الحُسن والتوفيق.
ويمكن أن يكون الدعاء الآتي جامعًا كذلك: اللهم اكتب لي عمرا مديدا تملؤه السعادةُ والرخاء، مقرونًا بالإيمان والتقوى، مشمولًا بتمام العافية، واجعلني في مأمنٍ من البلاء والمحن في نفسي ومالي وعِرضي وأهلي، اللهمّ اختم لي بالإيمان في عافية، وهوِّن عليّ سكرات الموت، وقِني عذاب القبر وعذاب جهنم، وآمِنّي من الفزع الأكبر يوم المحشر، وأدخِلْني الفردوس الأعلى من الجنّة بغير حساب.
اللهم تقبّل هذه الدعوات عن أبي وأمّي، وزوجتي وأولادي، وإخواني وأخواتي. آمين بجاه النبي الأمين ﷺ.

تعليقات