مدونات مختارة
الأكثر شهرة
الاعتراف بالخطأ وتحسين الذات | الدكتور زيرك العطاري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
يمكن أن يخطئ الإنسان، والجميع يعترف بهذه الحقيقة، ولكن الذين يعترفون بارتكابهم الخطأ قليلون! فلماذا يحدث هذا؟ رغم أن الأكثر نجاحًا هو من يدرك أخطاءه ويقوم بتصحيحها ليحظى بأخلاق نبيلة وسلوك صحيح.
عدم الاعتراف بالخطأ خطأ آخر جسيم، بل إنه خطأ يُذِلّ الشخص ويفضحه في الدنيا، وتكون عواقبه أشد وأنكى في الآخرة.
اليوم نرى أن معظم الناس يقولون إما بلسانهم أو بحالهم بـ"أنهم لا يمكن أن يكونوا مخطئين، وأن الآخر هو المخطئ"، إنه سلوك سيّء فكلمة "أنا لا أقبل" تؤثّر سلبيًا على جميع أنواع العلاقات.
إذا لم يعترف الزوجان بأخطائهما، فإن أمن البيت يتشتت، وإذا كان هناك نقص في الاعتراف بالخطأ بين الأبناء والآباء، فإن علاقة الرحمة والطاعة تتبدد، وإذا استمر الإخوة في اتهام بعضهم البعض، فإن العلاقات المقدسة تتصدع، مما يسبب التباعد في الأجيال القادمة، وإذا استمر موظفو أي شركة أو مؤسسة في ملامة الآخرين على أخطائهم، فإن نظام المجتمع يغرق تحت هذه المصيبة.
لذا يجب على كل واحد منا أن يسبر أغوار هذه الخصلة السيئة الكامنة في نفوسنا لنقلعها من جذورها، وهناك سببان رئيسيان لعدم الاعتراف بالخطأ:
(1) عدم الشعور بـ"الخطأ".
(2) عدم الاعتراف بالخطأ بسبب الكبرياء والعناد والإصرار.
معالجة الحالة الأولى:
هي سهلة إذا أراد الشخص ذلك، وذلك يتضمن أربع خطوات:
- تعلم العلم المفروض تحصيله علينا، وأساس ذلك معرفة العبادات والمعاملات والأخلاق، والانخراط مع صحبة صالحة يستعين بها المرء على ذلك، وهذا حاصل بحمد الله في البيئة الدينية لمركز الدعوة الإسلامية التي توفّر وسائل لتحصيل هذا العلم.
- التعود على محاسبة نفسه والسعي للتعرف على الأخطاء، لأن من يتعرف على أخطائه بنفسه، يكون تصحيحها سهلاً عليه.
- البحث في نفسه عن العيوب التي يراها في الآخرين، والسعي لتصحيح تلك العيوب التي وجدها في داخله.
- إعطاء المسؤولية لبعض أصدقائه المخلصين النابهين لمتابعة أخطائه لينبهوه إليها، إن قبول الإصلاح من لسان الآخرين أمر صعب ولكن نتيجته عظيمة ومفيدة.
فإذا توافرت هذه العناصر الأربعة في الإنسان أصبح إنسانًا جيدًا.
معالجة الحالة الثانية:
السبب الثاني لعدم الاعتراف بالخطأ هو الأنانية، والعناد، والإصرار، وهذا مما يستعصي حله من خلال العلوم والفنون الدنيوية؛ لأن علاج هذا المرض يتطلب من الإنسان أن يتعرف على ذاته، على الرغم من أن المتخصصين في علم النفس يحاولون علاج ذلك من خلال العلاج النفسي، إلا أن نسبة النجاح في ذلك ضئيلة للغاية.
وعلى العكس من ذلك، فإن التعاليم السامية لدين الإسلام تحتوي على كنوز في التعرف على الذات، فهيا لنلقي نظرة عاجلة حول ذلك: يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
اعلمْ أنّ الله تعالى وكّل بقلب ابن آدم عليه السلام ملكًا يدعوه إلى الخير، يقال له "الْمُلْهِم" ولدعوته "إلهام"، وسلّط في مقابلته شيطانًا يدعو العبدَ إلى الشرّ يقال له "وسواس" ولدعوته "وسوسة"، فالملهم لا يدعوه إلّا إلى الخير، والوسواس لا يدعوه إلّا إلى الشرّ، فهذان داعيان قائمان على قلبه يدعوانه وهو يسمع قلبه يحسّ بذلك، ثمّ ركّب الله تعالى في بنية الإنسان طبيعة مائلة إلى الشهوات ونيل اللذات كيف كانتْ من حسنٍ أو قبيحٍ، فذلك هوى النّفس الصارفة إلى الآفات، فهذه ثلاثة دعاة. (منهاج العابدين: صـ 47 ملتقطاً)
أيها القراء الكرام لـــ"نفحات المدينة"!
الأشخاص الصالحون يقبلون دعوة الخير التي تأتيهم من الملائكة، ولهذا السبب يسارعون إلى الاعتراف بأخطائهم، وببركة هذا الاعتراف يؤثرون بشكل إيجابي على الآخرين، مما يجعل علاقاتهم مع بعضهم البعض أكثر وئامًا وسعادة، وتصبح منازلهم واحات من السلام.
على العكس من ذلك، فإن الذين يتبعون أهواءهم ووساوس الشيطان تزداد فيهم الأنانية والعناد والإصرار، ويرون في الاعتراف بأخطائهم إهانة لهم، هؤلاء الأشخاص يجرحون مشاعر الآخرين وينتهكون حقوق العباد، لذلك لا تنسوا أن حقوق العباد مسألة حساسة جدًا، وأن الإهمال لها يؤدي إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.
تعرّفوا على ذواتكم
إذا كنتم ترغبون في جعل حياتكم الدنيوية والأخروية سعيدة، فاغرسوا في نفوسكم خصلة الاعتراف بأخطائكم والاعتذار عنها: لأنها سبيل حميد إلى السلام، ولتحقيق ذلك كان من الضروري جدًا أن تتعرفوا على ذواتكم، وبهذا الصدد تعتبر دراسة كتابين للإمام الغزالي رحمه الله:
1- "منهاج العابدين"
2- "إحياء علوم الدين" مفيدة للغاية.
أخي القارئ! إذا كنت ترغب في التعرف على ذاتك بشكل حقيقي، فإن نصيحتي لك أن تسلك على يد شيخ مربٍّ عارف بحِيَلِ النفس وأهوائها لتتخلّص من رعوناتها، وها هو فضيلة شيخنا المربّي سيدي الشيخ العارف بالله محمد إلياس العطار القادري حفظه الله تعالى، يقوم بذلك ويسعى جاهدًا في تربية إخوانه على الاعتراف بالخطأ وتحسين الذات والسلوك الصحيح المرضي عند الله ورسوله ﷺ، وببركة الالتزام بتوجيهاته سترون تطوير ذواتكم وتحسين سلوككم. نسأل الله تعالى أن يغفر لنا جميع أخطائنا، آمين بحق خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم.

تعليقات