مدونات مختارة
الأكثر شهرة
حاجة البشر إلى الدين | الشيخ عادل ديري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون العظيم، وخصّ الإنسان بمكانة عظيمة، وسخّر له ما في السماوات والأرض، ليس لغرض العبث أو اللذة، بل ليكون الإنسان عابدًا لله، مقيمًا لشرعه، جامعًا بين معرفة خالقه وبين عمله بما يرضي الله تعالى، قال الله عز وجل:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: 115-116]
وهذه الآية تبيّن أن الإنسان لم يُخلق عبثًا، وأن لوجوده هدفًا عليًّا، وهو الغاية من خلقه، ألا وهي عبادة الله، كما قال تعالى:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]
فالإنسان بحاجة إلى معرفة مواقع رضا الله وسخطه، وما يقتضيه ذلك من أفعال وأقوال، وهذا ما يتيحه الدين الَّذي نظَّم حياة البشر على نحو متكامل، إذ يجعل حياة الإنسان مرتّبة، ويضبط سلوكيّاته بما يحقق مصالحه الدنيويّة والأخرويّة معًا.
إنَّ الحاجة إلى الدّين ليست مجرد شعور عابر، بل هي جزء من الفطرة الإنسانيّة الَّتي جبل الله النَّاس عليها منذ الخلق. فقد شهدت البشريَّة عبر التَّاريخ كما ذكر المؤرخون أنَّ الإنسان لا يكاد يعيش بدون دين؛ حتَّى في أقدم الحضارات كانت المعابد موجودة قبل الحصون والقصور والمدارس، وهذا ما يدُّل على أنَّ التَّدين غريزة طبيعيَّة لا تنفك عن الإنسان، فهي حاجته الروحيَّة الأولى، كما جاء في القرآن الكريم:وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا [الأعراف: 172]
فهذه الفطرة منذ أول مخلوق دليل على كون التَّدين جزءًا من طبيعة الإنسان، وقد جاء في السنَّة الصَّحيحة أن رسول الله ﷺ قال: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ. (صحيح البخاري: 4775)
فالفطرة الَّتي خلق الله النَّاس عليها هي تدين طبيعي، قابلة للنمو أو للانحراف بحسب التربية والبيئة.
والأدلَّة العقليَّة على حاجة الإنسان إلى الدين تتجلَّى أيضًا في إدراك الإنسان لعجزه أمام الكون وما فيه من مخلوقات، فهو ضعيف أمام الرياح العاتية، والبحار الهائجة، والزلازل والبراكين، فلا قدرة له على دفعها، ومن هنا يتيقن الإنسان بضرورة وجود خالق عظيم، لا محدود القدرة والعلم، يتوكَّل عليه الإنسان، ويعبده ويستمد منه الطُّمأنينة.
فالوجود كله يدل على خالق حكيم قادر على ضبط الكون بنظام متقن، فالحركة الدقيقة للكواكب، وتعاقب الليل والنهار، وانتظام الفصول، وتوازن الحياة على الأرض، كلها شواهد عقليَّة تدلُّ على أنَّ لهذا الكون ربًّا مدبرًا، وقد قرَّر القرآن هذا المعنى في مواضع عديدة، فقال تعالى:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190-191]
وقال سبحانه وتعالى:
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيء [النمل: 88]
وقال جل وعلا:
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: 17-20]
فهذه الآيات تُوجّه العقل للتأمل في بديع صنع الله ودقَّة نظامه، مما يقود الإنسان إلى الاعتراف بربوبية الله واستحقاقه للعبادة.
والدِّين لا يُلبّي حاجات الإنسان الروحية فقط، بل هو أيضًا مصدر للطمأنينة النفسية، فالإيمان بالله، والاعتماد عليه، واليقين بعدله، يمنح النفس راحة واطمئنانًا في مواجهة الشدائد والكوارث، فقد جاء في القرآن الكريم والسنة ما يطمئن القلب ويثبت النفس في مواجهة الصعاب، كما تجسّد ذلك في كلام شريح حين قال: مَا أُصِيبَ عَبْدٌ بِمُصِيبَةٍ إِلَّا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهَا ثَلَاثُ نِعَمٍ: أَنْ لَا تَكُونَ كَانَتْ فِي دِينِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ أَعْظَمَ مِمَّا كَانَتْ، وَأَنَّهَا كَائِنَةٌ، فَقَدْ كَانَتْ. (كتاب الشكر لابن أبي الدنيا: صـ 30)
فالإنسان المؤمن يواجه مصاعب الحياة بعقل مستنير وقلب مطمئن، على عكس من يعيش بلا دين فيغرق في القلق والتوتر، ولا يجد سبيلًا لتفسير الأحداث والمصائب.
أما في حياة المجتمعات، فإنَّ الدِّين هو الضَّابط الأخلاقي والاجتماعي الَّذي يحافظ على التماسك ويقوّي روابط الأفراد، فالشَّرائع السَّماوية حددت للإنسان ما يحسن وما يسيء، وما يحقق مصالحه الفردية والجماعية، وما يضر به وبالمجتمع، ومن هنا جاء الإسلام بمبدأ العدالة والمساواة، وهو ما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويكفل للإنسان الاطمئنان في المجتمع، ويحدّ من الفوضى والاعتداء على حقوق الآخرين.
فالإسلام جاء جامعًا بين البعد الروحي والعقلي، فهو يستجيب للفطرة البشرية ويحقِّق غاياتها، ويهدي الإنسان إلى سبل الخير، ويحرص على إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع.
القرآن الكريم جاء مقترنًا بالطبيعة البشرية، يسهل على الإنسان فهمه وتدبره، ويمنحه التوجه الصحيح في جميع نواحي الحياة، لأنه يربط الإنسان بخالقه، ويرشده في تعاملاته اليومية، ويصلح حال الفرد والأسرة والمجتمع، ويحقق التماسك الاجتماعي من خلال القيم الأخلاقية التي يزرعها في النفوس.
وحين يتأمل الإنسان هذه الحاجة العميقة إلى الدين، يتضح أن أي دين محرّف أو وضع بشري لا يمكن أن يلبي الاحتياجات البشريَّة على الوجه الصَّحيح، لأنَّ الأديان المنحرفة فقدت نقاء الوحي، وابتعدت عن فطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها، فالإنسان لا يحتاج إلى مجرد طقوس أو مشاعر روحية عابرة، بل إلى منهج متكامل يربط الأرض بالسماء، ويضبط حركة الحياة بعقيدة صحيحة وشريعة عادلة، وهنا يبرز الإسلام باعتباره الدين الخاتم، الَّذي جاء موافقًا للفطرة، شاملاً لمصالح العباد، جامعًا بين عبادة الله وتزكية النفس وإصلاح المجتمع. وقد وصف الله تعالى هذا الدين بأنه:
دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5]
أي: دين الملة المستقيمة القائمة بالحق (تفسير القرطبي)
وقال سبحانه:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: 30]
فالإسلام لا يكتفي بإشباع الجانب الروحي للإنسان، بل يمده كذلك بالهداية العقليَّة والتشريعات العمليَّة الَّتي تحفظ مصالحه وتضبط شؤونه؛ ويربط الإنسان بخالقه في العبادات، وينظم حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالأحكام الشَّرعية، ويقيم ميزان العدل والمساواة، ويحقق الأمن والطُّمأنينة في المجتمع.
ومن هنا كان الإسلام هو الدين الذي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا واستعداده للآخرة، فهو ليس إيمانًا نظريًا مجردًا، ولا أخلاقًا مثالية منعزلة عن الواقع، بل هو منهج حياة كامل أنزله الله ليكون هداية للبشر كافة.
قال تعالى:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]
وهكذا فكل الأدلة الفطرية والعقلية والواقعية تقود إلى حقيقة واحدة: أن الإنسان لا يجد اكتمال حياته وطمأنينة قلبه، ولا يأمن اضطراب دنياه، ولا يضمن فلاح آخرته، إلا باتباع دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده،
قال سبحانه:
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19]
وقال جل وعلا:
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]
فالإسلام هو سبيل النجاة في الدارين، وبه وحده يتحقق للإنسان معنى العبودية الحقّة، وبه يظفر برضا الله وجنته، وتستقيم حياته على الصراط المستقيم.

تعليقات