كيف نزيد محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا


نشرت: يوم الأَربعاء،06-نوفمبر-2019


محبة النبي صلى الله عليه وسلم ترياق المحبين، وموئل العاشقين، وسلوان الصالحين في مجالسهم وسائر أحوالهم وكلامهم، بل إن محبة الحبيب صلى الله عليه وسلم شُغْل الأولياء والمقربين، بها يعرفون، وعليها يجتمعون ويتفرَّقون، وبغير حديثه صلى الله عليه وسلم وسماع سيرته لا يطيب لهم مجلس ولا يهدأ لهم حال، ولا تقرّ لهم عين.

كلنا يدّعي تلك المحبة لحبيبنا صلى الله عليه وسلم ويتغنى بها، والحقيقة يمكن لنا القول بأنَّ المحبة موجودة في قلوب المؤمنين لكنها إمّا:
ناقصة، أو راقدة أو هامدة أو جامدة، وبمعنى آخر أن المحبة ليست مفعّلة، ولا صاحبها منفعل لأوامر المحبوب، ولا ينتفي عنه أصل المحبة مادام أصل الإيمان موجود، والإقرار بالمحبة للمحبوب حقيقة ثابتة في القلب.

هذه أحوال المحبة في قلوب المؤمنين والدليل على أنها ناقصة آثار صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه الكرام منها:

عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.(رواه البخاري ومسلم وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ)

وفي رواية قَالَ:

أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.

قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».!!

قَالَ أَنَسٌ: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ.

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح: قولُه "إنك مع من أحببتَ" أي ملحقٌ بهم حتى تكون من زُمرتهم وبهذا يَندفع إيراد أنَّ منازلَهم متفاوتةٌ فكيف تصحُّ المعيّة فيُقال إنَّ المعيّة تحصل بمجرّد الاجتماع في شيءٍ ما ولا تلزم في جميع الأشياء فإذا اتفق أنَّ الجميع دخلوا الجنة صدقتِ المعيّةُ وإن تفاوتتِ الدَّرجاتُ..(فتح الباري لابن حجر: ١٠/٥٥٥).

هذه المحبة ناقصة لكنها حملت صاحبها ووضعته في زمرة من يحبّ وأوضح من ذلك ما جاء عَنْ سيدنا عُمَرَ رضي الله عنه:

أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُكَّةَ مِنَ السَّمْنِ، وَالْعُكَّةَ مِنَ الْعَسَلِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا يَتَقَاضَاهُ جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ هَذَا ثَمَنَ مَتَاعِهِ، فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَبْتَسِمَ وَيَأْمُرَ بِهِ فَيُعْطَى، فَجِيءَ بِهِ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَلْعَنُوهُ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).(روى أبو يعلى في "مسنده": ١٧٦، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، ورواه أبو نعيم في "الحلية": ٣/٢٢٨، وقال: صحيح ثابت، وقال الهيثمي عنه في "مجمع الزوائد": ٤/١٤٨، "وأصله عند البخاري في صحيحه).

في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن الحب ثابتٌ عند هؤلاء وقد شهد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع حصول المخالفة من بعضهم بادئ الأمر.

كيف نزيد حبّنا الناقص للنبي صلى الله عليه وسلم:

أكثرنا يتغنى بهذه المحبة ويفتخر بها لحبيبنا صلى الله عليه وسلم، ولكن في الحقيقة محبتنا ليست أكثر من أقوال فكيف نزيدها ونترجمها إلى أفعال وأحوال؟

هناك أمور لا بد منها لمن يريد ذلك إن التزمها مدة من الزمن شعر بالشوق للحبيب صلى الله عليه وسلم وظهرتْ عليه علامة المحبة ليصبح إنساناً جديداً..

1. أولاً: تقديم محبة النبي على كل شيء من محابِّ النفس والدنيا:

لأن تقديم شيء فوق محبة النبي صلى الله عليه وسلم فسْقٌ تهدّد الله صاحبه وزجره بقوله سبحانه:

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ(التوبة: ٢٤).

قال القاضي عياض رحمه الله:

فَكَفَى بِهَذَا حَضًّا، وَتَنْبِيهًا، وَدَلَالَةً، وَحُجَّةً عَلَى إِلْزَامِ مَحَبَّتِهِ، وَوُجُوبِ فَرْضِهَا، وَعِظَمِ خَطَرِهَا، وَاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِذْ قَرَّعَ - تَعَالَى - مَنْ كَانَ مَالُهُ، وَأَهْلُهُ، وَوَلَدُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَأَوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ فَسَّقَهُمْ بِتَمَامِ الْآيَةِ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ مِمَّنْ ضَلَّ، وَلَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ(الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي أبو الفضل عياض اليحصبي السبتي المغربي: صـ٣٧٩).

عن عبد الله بن هشام قال:

كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو آخِذٌ بيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقالَ له عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شيءٍ إلَّا مِن نَفْسِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَا، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ فَقالَ له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الآنَ يا عُمَرُ.(رواه البخاري رحمه الله في صحيحه).

وهذا أمر صعب على النفس لكن به يظهر صدق المحبة وبرهانها

2. ثانياً: ترك المعاصي والذنوب:

وهذا الأمر متعلق بالأول من حيث أنه ترك لأهواء النفس ومشتهياتها، رغبة في متابعة أوامر المحبوب وما يريده. وبذلك يسبق المجتهدين في العبادات والطاعات ويكون قريباً من سيد السادات صلى الله عليه وسلم الذي ورد عنه أنه قال:

مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْبِقَ الدَّائِبَ الْمُجْتَهِدَ فَلْيَكُفَّ عَنِ الذُّنُوبِ(قال المنذري في "الترغيب": ٤/ ٧٣، رواه أبو يعلى ورواته رواة "الصحيح" إلا يوسف بن ميمون، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/٢٠٠"، وفيه يوسف بن ميمون، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال "الصحيح").

3. ثالثاً: قراءة سيرته وحديثه صلى الله عليه وسلم أو سماع ذلك من أتباعه:

وهذا يدفع المؤمن للتعلق بجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه القراءة أو السماع مطلوب لأنه يقود للحب والاتباع فإن كثيراً من المغْرمين ببعض الأشخاص أو أبطال الكرة والغناء يعرفون كل شيء عن الذي أغرموا بمتابعته فأحبوه حتى قلّدوه بجميع تصرّفاته وهو مجرد شخص اشتهر ببعض الأمور الدنيوية الفانية، وقد عاب الله تعالى على من جهل سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال:

أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ(المؤمنون: ٦٩).

4. رابعاً: اتباعُ سنّته وآثاره صلى الله عليه وسلم:

وهذا يتأتَّى بعد معرفتها بالقراءة أو السماع أو الاقتداء بمن يتتبّع الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولا يكون المحب كاملاً في حبّه حتى يكون في زمرة المتبعين له صلى الله عليه وسلم بكل ما يستطيع كما هو حال الصحابة رضي الله عنهم كأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمر وسائر الصحابة الذين كانوا يتّبعون النبي صلى الله عليه وسلم حتى في عاداته، بل في أمورٍ ليست من العادات كمروره صلى الله عليه وسلم من طريق أو وقوفه في مكان أو تحت شجرة فكانوا يقلّدونه في ذلك محبّة واقتداءً. وما ينبغي علينا الاتباع به هو النوافل الثابتة كسنن الصلاة والضحى وقيام الليل والتهجد وحسن الأخلاق والمعاملات بعد قيامنا بالفرائض، ولا نقتصر على السنن التي يراها الناس فينا فحسب؛ بل بسائر السنن التي نكون بعيدين فيها عن أعين الناس وهذا أخْلَصُ في الاتباع وأبعد عن حظ النفس إن سَلِمَ من العُجُب.

5. خامساً: كثرة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم:

لإنّ من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره، ولا يغيب عن قلبه وخاطره، ويعيش معه مع البعد وهذا ديدن المحبين يلهجون بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في كل أحوالهم ومجالسهم وقد صحّ في الحديث أن المكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم يُكفَى همّه ويغفر ذنبه، وأقل عدد ذكره الصالحون في الصلاة والسلام على سيد الأنام هو ثلاث مئة وثلاثة عشر وأوسطه ألف مرة في اليوم الواحد فمن حافظ على ذلك تحرّك شوقه وحبه للحبيب صلى الله عليه وسلم.

6. سادساً: صحبة أحبابه ومحبيه صلى الله عليه وسلم ومحبتهم:

وقد قال أحد المحبين:

تَقَرَّبْ لأقْوامٍ يَدينــــــــــونَ وُدَّهُ ... وباعــــدْ أُناساً قـــد تَخَبَّــطَهُــمْ مَسُّ

فإنَّ مُحِبَّ الحَقِّ يأوي لأهلِهِ ... بلا رَيبةٍ والجِنْسُ يَعرفُــهُ الجِنْسُ

فمن جالس المحزون حَزِن، ومن جالس السعيد سَعِد، وهكذا جليس كل جماعة متأثِّرٌ بهم، فكيف بمن يجالس أحباب النبي صلى الله عليه وسلم! لا شكّ أنه ستسري عليه من أحوال حبِّهم ويتحرّك الحب بقلبه ويتّقد لأن حديثهم ولسانهم لا يكون إلا بذكر وجمال محبوبهم، ومحبة آل البيت والصالحين الذين لهم صلة به صلى الله عليه وسلم، مع مجالس المحبة التي يجتمع فيها المحبّون سبب كبيرٌ لزيادة المحبة والاتباع، فمن جالس جانس.

وهكذا أيها الأخ الحبيب تزيد من حبكَ لحبيبك صلى الله عليه وسلم، حين تقرِن حبُّك بالعمل والاتباع وصحبة ورّاثه وكثرة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآلهِ وصحبه وسلم وسماع حديثه وسيرته والتأدّب بآدابه والسير على أخلاقه تحظى بقربك منه صلى الله عليه وسلم ومحبته التي تُكْرَم بسببها بالشفاعة يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

تعليقات



رمز الحماية