عيد الحب من منظور شرعي


نشرت: يوم الأَربعاء،12-فبراير-2020


هل يوجد عيد حبٍ في الإسلام؟

لا يوجد عند المسلمين عيد حب في يومٍ واحد من السنة، بل إن أيام المسلم على مدار السنة كلها تعتبر أياماً للحب الذي دعا إليها الإسلام ونبي الإسلام صلى الله علي وسلم، حيث أن قرآن المسلمين الذي أنزله الله على رسول العالمين دعا أتباعه المؤمنين إلى الحب والمحبة، لكن على طريقة الإيمان والتوحيد لخالق الأرض والسماء، فقال تعالى: وَٱلَّذِينَءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِ لا على طريقة غير المسلمين في يوم فلنتاين....

وقال الله تعالى واصفاً محبته للمؤمنين:يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓوقال حبيبنا صلى الله عليه وسلم:

ما تحابَّ رجُلانِ في اللهِ إلّا كان أحَبَّهما إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أشَدُّهما حبًّا لصاحبِه (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٣/١٩٢)

ومن الحب ما هو واجب؛ كحبّ الله تعالى، وحبّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يصح الإيمان عند من يقدّم حبّ شيءٍ على حبّ الله ورسوله، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِه ووالدِه والنَّاسِ أجمعينَ (رواه مسلم في صحيحه)

إذن دين الإسلام هو دين حب ومحبة، لكن لا يوجد فيه ابتذال للحب ولا التجارة بالحبّ المزيّف.

هدايا عيد الحب:

هل تعلمون أن ما يسمى عيد الحب يعتبر موسماً تجاريا لبيع الزهور والورود، وبيع الحلوى والأشياء الأخرى، باسم هدية عيد الحب، ويتم الدعاية لذلك والترويج والتجهيز قبل أيام لتتم صفقة التجّار الكبيرة، بهذا الموسم الذي لا يهمّهم فيه إلا بيع أكبر قدر ممكن من هذه الصناعات الحمراء بجميع أنواعها، وهكذا هو عيد الحب عند التجار وأصحاب المحلّات. بل إن الأرقام عجيبة في المصاريف والتكاليف التي تكون في فترة هذا العيد المبتدع حيث أن الأرقام قد تصل إلى آلاف المليارات من الدولارات في أمريكا وأوربا ويمكن البحث عن تلك الإحصائيات العجيبة المخيفة، التي يمكن أن يُبنى فيه دول ويُغاث بها جميع المنكوبين في العالم.

هل سألنا أنفسنا من هم أسعد الناس وأكثرهم سعادة بالحب؟

لا شك أن أهل الإيمان هم أهل الحب وأكثر الناس سعادة بالحب وأعرفهم بقيم المحبة، وآثارها، والدليل على ذلك: أن المحتفلين بعيد الحب، من خلال هدايا عيد الحب، أو احتفال عيد الحب! لو دقّقنا البحث لوجدنا أنهم يعيشون أوهام الحب لا حقيقة الحب وإلا فلماذا يكثر الانتحار في بلاد تقيم هذه الاحتفالات بعيد الحب، وأن الاكتئاب النفسي، والقلق والخوف هو ظاهرة منتشرة في بلادهم، بل إن ما يسمونه عيد الحب هو شكْلٌ من أشكال الهروب من هذه الأحوال النفسية من جانب، وبحث عن حبٍّ موهوم من جانبٍ آخر، ولذلك حين يصطدم الكثيرين في ١٤ فبراير بعدم وجود حبٍ حقيقي، وزيادة في الاكتئاب فإنهم يُقْدِمون على الانتحار حتى في يوم الاحتفال بهذا العيد المزعوم وتُسَجَّل كثير من الحالات في ذلك وبأعلى مستوياتها في فترة عيد الحب المبتدع.

إضافة لذلك فإن الكثير من الشباب يشعر أنه غير مرغوبٍ به فيحاول أن يتغَلّب على هذا الشعور من خلال الهدايا في عيد الحب، أو البحث عن محبوب فيشعر بالخيبة فيقدم على الانتحار..

أين أجد الحب الحقيقي؟:

يبحث الشباب في عيد الحب أو غير عيد الحب؛ عن حبٍّ حقيقيٍ ليملؤوا به فراغ عواطفهم التي تميل إلى المحبوب والمحبة بفطرتها، فلا يجدون السعادة المنشودة بكل ما يتمُّ تجربتهم من شهوات النفس والحياة، فيكذبون على أنفسهم بأوهام الحب المزيّف، والتعارف المحرّم، فيزجُّون بأنفسهم بأنواع من الاكتئاب والأمراض النفسية وعذاب الضمير الذي يدفعهم إلى التهوُّر وهنا يتساءل الكثيرون أين أجد الحب الحقيقي؟ وما هو الحب الحقيقي الذي أخرج به من هذه الكوابيس النفسية المتعبة.

الفرق بين الحب الحقيقي والحب المزيف:

إن الحب الحقيقي هو الذي تزداد به روابط المحبة مع الزمان بين المحبوبيْن، ويتمسّك كل واحد بالآخر، فإذا شاخ وصار كبيراً صار محبوباً وزادت محبته من جميع أبنائه وأحفاده الذين يجتمعون حوله صباحاً ومساءً.

أما الحب المزيّف فتضعُف روابط المحبة مع الزمان بين المحبوبيْن، فيبحث كل حبيب عن محبوب آخر حتى إذا كبُرَ وشاخ لم يجد أحداً حوله، فينتقل إلى دار العجزة بعد أن هجره محبوبه ليستطيع أن يستمر ببقية حياته، أو يموت بالانتحار أو الاكتئاب.

كما أن الإسلام كرّم المرأة صغيرة وكبيرة، فكلما كبرت المرأة في الإسلام كانت محلّ تقديس واحترام من جميع العائلة، يتسارع الجميع لخدمتها والقيام بشؤونها، ويستشيرها الجميع ويأخذ برأيها ويُقبّل يديها وكذلك الرجل والأب، أما المرأة الغربيّة فهي سلعة للشهوات في صدر عمرها؛ إلى أن يذهب جمالها وبريقها، فتصبح وحيدة كئيبة منعزلة إلى نفسها لا يوجد أحد حولها ليرعاها، إلى أن يستقر أمرها في دار العجزة ليخدموها وربما يزورها ولدها إن كان لها ولد في السنة مرة في يوم يُسمى عندهم بعيد الأم، فشتّان بين هذا وذاك.

جوابا على هذا التساؤل نقول: أن الحب الحقيقيَّ في الإسلام:

١) أن تحب الله تعالى وتحب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وتملأ قبك بالإيمان من خلال كثرة ذكر لله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه سلم.
٢) أن تحب المؤمنين لله، وتحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكرهه لنفسك، وتتعامل معهم بالصدق والمحبة والأخوّة والتعاون.
٣) أن يكون حبك العاطفي لشريك حياتك (زوجتك، أو خطيبتك) على نحوٍ مشروع غير مبتذلٍ، ولا مهْمَل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أزواجه ويعبِّر عن حبه لهنَّ فحين

سئل صلى الله عليه وسلم أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ)، فَقال السائل: مِنَ الرِّجَالِ؟، فَقَالَ: (أَبُوهَا). (رواه البخاري في "صحيحه" (رقم/٣٦٦٢)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/٢٣٨٤).)

ومعلوم حبه صلى الله عليه وسلم للسيدة خديجة رضي الله عنها وللسيدة عائشة رضي الله عنها فكان من حبّه للأولى أنه لم ينس البرّ بصديقاتها فكان يرسل لهنّ الهدايا من الطعام وغيره بعد وفاة خديجة ويقول هنّ صويحبات خديجة، كنَّ يأتين إلينا أيام خديجة، وأما عائشة رضي الله عنها فكان من حبه له يسابقها ويلاطفها في كثير من الأحيان.
٤) جعل الله لك قناةً من الحلال لتصرف إليها طاقتك في الحب العاطفي للمرأة وذلك من خلال الزواج الشرعي، فلا تحْرِف حبّك إلى طريق الحرام، ويمكنك أن تقدّم هدايا الحب لزوجتك أو خطيبتك ولا تلتزم فيه بـــــــــ ١٤ فبراير، لأن المسلم لا يقتصر حبه على يومٍ واحد في السنة، وتعتقد أن هذه الهدية لخطيبتك وزوجتك دعاك إليها الإسلام على لسان رسول الأنام صلى الله عليه وسلم بقوله: تهادوا تحابّوا فلم يحْرِمْك الدين والإسلام من ممارسات الحب وهدايا الحب والفرح بالحب والاحتفال بالحب؛ ولكن على وجْه شرعيٍّ بيّن لك فيه أن الاختلاط حرام ، وأن الفتاة المخطوبةُ لا يجوز الخلوة بها إلا بعد العقد والإعلان، وأن التعارف والتواصل بين الشباب والبنات بغير عقدٍ شرعي محرّم، يفضي بهم إلى الزنى والمحرمات ثم الأمراض الاجتماعية والنفسية، نعم الإسلام يوجد فيه حبٌّ للجنس الآخر ولكن على ضوء بيَّنته الشريعة، لا على طريقة من انسلخ من الدين وسلك مسالك أهل الغفلة والعصيان، وسار في طريق أهواء النفس والشيطان.

حكم تعاطي الهدايا في يوم الحب: إن كان بين المحارم والزوجين، أو الأبوين، أو الأصدقاء، وكان على سبيل التقليد والمشابهة في هذا اليوم فلا يجوز وإن كانوا غير ملتزمين بتعاطيها في هذا اليوم فلا حرج وتركها في هذا التوقيت هو الأولى لتأكيد مخالفة المسلم لأهل الفسوق، أما تعاطي الهدايا بين المتعاشقَيْن فهذا حرام لا يجوز في كل الأوقات قال أهل العلم: ما يدفعه المتعاشقان (من الهدايا) يعتبر رشوة يجب ردُّها ولا تُملَك(البحر الرائق: ٦/٢٨٦)

أخيراً أيها المؤمن المحب: اِربط حبّك بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدين الله تعالى والدعوة إليه، والبذل في سبيله، والمجاهدة من أجله، لتخرج من صفات أهل الفسق التي حذر الله منه بقوله تعالى:

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُتَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ

وليس معنى الآية ألا تحب هؤلاء الأصناف الثمانية أبداً! بل لا يكون حبك أصلٌ لها بل الأصل هو حب الله ثم حب رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تكون هذه الأصناف فرعٌ عن محبة الله تعالى، فلم يقل الله تعالى لا تحبوا هذه الأصناف بل قال: أحب إليكم، يعني لا تجعلوها في المحبة أكثر من حب الله وحب رسوله.

إذا كان حبّنا هكذا فإنه سيكون حباً حقيقيّاً يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله.

اللهم وفقنا لذلك آمين بجاه النبي الأمين

والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية