الربا أنواعه وأضراره ،عقوباته وآثاره


نشرت: يوم السبت،22-فبراير-2020


تمهيد لحكم الربا في الإسلام:

لم يأمر الشرع بشيء إلا وفيه صلاح البشرية، ولم ينهَ عن شيء إلا وفيه ضرر على الأمم الأرضية، ومن ذلك وضَع الله قانوناً في التعامل المالي والاقتصادي الذي يجب أن يسير عليه عباده لحفظ الحقوق، فأمر بكتابة الدّيْن، وشرع البيع والشراء ووضع له الشروط والأركان، وبين المحاذير التي يمكن أن تقع في السِّلع والأثمان، وكانت هناك أنواع من التعاملات المحرَّمة في البيع والشراء والقروض، ومن ذلك أنْ حرم الله الربا الذي يأكل طرف مال الغير بوسيلة الشروط الباطلة في العقود، أو طلب الزيادة من غير عوض.

أولاً: تعريف الربا: لو سئلنا ما هو الربا، فنقول بأنه عرف الفقهاء الربا تعريفات عديدة نقتصر على مذهبين من الفقهاء، فعند الحنفية: (فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة) (نفائس الأصول في شرح المحصول - ج ٤ ص ١٧٠٨)
وعند الشافعية: (عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما)(حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ج٣ ص ٦٦)

ومن هذه التعاريف يتضح لنا أن الربا يجمعها معنى واحد ألا وهو الزيادة الخالية عن عوض مقابل، فلو كانت زيادة يقابلها عوض لم تكن ربا، وكذلك فإن الربا خاص بالمعاوضات، أما الهبة فلا يجري فيها الربا، والربا لا يكون إلا مشروطاً، فلو زاد أحد المتبايعين الآخر دون شرط لم يكن ربا، وكذلك فإن الزيادة فيه لا تتحقق إلا إذا كان العوضان منضبطين بمعيار شرعي وهو الكيل أو الوزن فقط.

وللربا أنواع وأقسام منها ربا الفضل، وربا النسيئة، وتوسع الشافعية بالأقسام، واختلف الفقهاء بعلة التحريم فبعضهم قال الكيل والوزن وهم الحنفية، وبعضهم قال الثمنية وبعضهم قال الطعمية ويمكن الرجوع لهذه التفصيلات في كتب الفقه.

ثانياً: حكْم الربا في الشريعة الإسلامية(الإسلام): الربا من صور البيع المحرمة في جميع الديانات السماوية سواءٌ في اليهودية والمسيحية والإسلام لكن اليهود كانوا أجرأ الناس على محاربة الله بأكل الربا، وكان أهل الجاهلية يستحلون هذا العمل ويرابوان في بيوعهم وديونهم، وقد ذكر الله في القرآن آيات كثيرة تدل على حرمته وتجريم فاعله منها:

قال الله سبحانه وتعالى:

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ. (البقرة ٢٧٥)

وقول الله سبحانه وتعالى:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ. (البَقَرَةِ ٢٧٨-٢٧٩)

قول الله سبحانه وتعالى:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ. (آلِ عِمۡرَانَ ١٣٠)

وقال الله سبحانه وتعالى في حق اليهود:

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا. (النّساء١٦١)

وحين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم وضعه تحت قدمه وحرّمه فقال:

وربا الجاهليَّةِ موضوعٌ وأوَّلُ ربًا أضعُهُ رِبانا رِبا العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ فإنَّهُ مَوضوعٌ كلُّهُ.

وعن جابر رضي الله عنه قال:

لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: آكل الرّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء .(رواه مسلم)

ولشناعة آكل الربا وجرأته على الله بالمحاربة والعصيان كان فعله أشد من الزنى فقد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه مرفوعًا:

دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً.

ثالثاً: عقوبات آكل الربا: قَال الإمام السَّرَخْسِيُّ : ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لآِكِل الرِّبَا خَمْسًا مِنَ الْعُقُوبَاتِ:
إِحْدَاهَا: التَّخَبُّطُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ
الثَّانِيَةُ: الْمَحْقُ. قَال تَعَالَى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ) وَالْمُرَادُ الْهَلاَكُ وَالاِسْتِئْصَال، وَقِيل: ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالاِسْتِمْتَاعِ حَتَّى لاَ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلاَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ.
الثَّالِثَةُ: الْحَرْبُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الرَّابِعَةُ: الْكُفْرُ قَال اللَّهُ تَعَالَى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وَقَال سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّبَا: (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُل كَفَّارٍ أَثِيمٍ) أَيْ: كَفَّارٍ بِاسْتِحْلاَل الرِّبَا، أَثِيمٍ فَاجِرٍ بِأَكْل الرِّبَا.
الْخَامِسَةُ: الْخُلُودُ فِي النَّارِ. قَال تَعَالَى: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

رابعاً: حكمة تحريم الربا: ذكر العلماء لِتَحْرِيمِ الرِّبَا حِكَمًا تَشْرِيعِيَّةً كثيرة، وأن أضراره اجتماعية وخلُقيّة ودينية، تعتمد على نفع الذات والتسلط على أموال الآخرين من ذلك:
١. أَنَّ الرِّبَا يَقْتَضِي أَخْذَ مَال الإْنْسَانِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ؛ لأِنَّ مَنْ يَبِيعُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً تَحْصُل لَهُ زِيَادَةُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَمَال الْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقُ حَاجَتِهِ، وَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ ففي حديث:

كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ.(صحيح مسلم)

٢. أَنَّ الرِّبَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الاِشْتِغَال بِالْمَكَاسِبِ؛ لأِنَّ صَاحِبَ الدِّرْهَمِ إِذَا تَمَكَّنَ بِوَاسِطَةِ عَقْدِ الرِّبَا مِنْ تَحْصِيل الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ نَقْدًا كَانَ أَوْ نَسِيئَةً خَفَّ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ وَجْهِ الْمَعِيشَةِ، فَلاَ يَكَادُ يَتَحَمَّل مَشَقَّةَ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَاتِ الشَّاقَّةِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ مَنَافِعِ الْخَلْقِ الَّتِي لاَ تَنْتَظِمُ إِلاَّ بِالتِّجَارَاتِ وَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْعِمَارَاتِ.
٣. أَنَّ الرِّبَا يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ؛ لأنَّ الرِّبَا إِذَا حُرِّمَ طَابَتِ النُّفُوسُ بِقَرْضِ الدِّرْهَمِ وَاسْتِرْجَاعِ مِثْلِهِ، وَلَوْ حَل الرِّبَا لَكَانَتْ حَاجَةُ الْمُحْتَاجِ تَحْمِلُهُ عَلَى أَخْذِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَيُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ الْمُوَاسَاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالإْحْسَانِ.

خاتمة هامة في تنبهات على بعض أحوال الربا:

نحن في هذا الزمان الذي كثر التساهل فيها بالمعاملات المالية، وحام الناس حول الحمى ووقعوا في الشبهات ثم المحرمات، فأتت على العباد البلايا والمصائب والمدلهمات، لأن الربا حرب على الله وعلى رسوله ومن حارب الله ورسوله يوشك أن يأخذه، وخصوصاً في زمانٍ كثرت فيه البنوك والقروض البنكية، والمعاملات المصرفية، التي لا يراعي في المؤمن أحكام الله، وقد أصاب الناس غبار الربا وآثاره بسبب تلك البنوك وغيرها وإن لم يأكلوا الربا فنسأل الله السلامة والعافية فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لَيَأْتِيَنّ علَى النّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أحَدٌ إلاّ أكَلَ الرّبَا، فَإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ.(رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم)

والأشد من ذلك أن من يأكلون الربا ويقعون فيها بغرض جمع الأموال وكسب الزيادة بالأرباح بعقودٍ ربوية غير شرعية أنهم يُسمُّون الربا بغير اسمها ويطلقون عليها تسميات يبرّرون من خلالها الجرأة على أحكام الله فيقعون في محاربة الله تعالى، فيسمون الربا فائدة، أو نحو ذلك، وقد ذكر الحبيب هؤلاء الأصناف وأشار إليهم وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم فذكر

لَيشرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخَمْرَ، يُسمُّونها بغيرِ اسمِها أخرجه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده وابن ماجه

فيسمون الخمر مشروبات روحية أو ترفيهية، ومثلها يفعلون في الربا، ولذلك فهي محرّمة ولو اختلف الاسم.

تعليقات



رمز الحماية