الأضحية


نشرت: يوم الإثنين،29-يونيو-2020


مقدمة

الميل إلى التدين فطرة إنسانية فطر الله الناس عليها منذ فجر البشرية الأول، فكان آدم أبو البشر عليه السلام نبياً عابداً، متوجّه القلب إلى مولاه، ساعياً في مرضاته جل في علاه، وكذلك سرت هذه النفحات إلى أبنائه، فكانوا يسعون إلى التقرب إلى الله بأنواع القربات، ومن أول أشكال القربات المشروعة التي كانوا يعملونها ما جاء في قصة ابنيْ آدم في القرآن الكريم، قال تعالى:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. (المائدة ٢٧)

والقربان: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة (انظر التفسير الكبير للفخر الرازي١١/٣٣٨)

فالتقرب إلى الله بالذبائح والصدقات من أقدم أشكال العبادات، التي بقيت مشروعة في ديننا، فما هي الأضحية؟ وما هي فضائلها؟ وما هي أحكامها؟ هذا ما سنحاول استعراضه في هذه الفقرات بعون الله تعالى.

تعريف الأضحية:

الأضحية في اللغة: اسم لما يُذبح وقت الضّحى، ثم كثر حتى صار اسْماً لما يذبح في أي وقت كان من أيام الأضحى، من تسمية الشيء باسم وقته.

وأما في اصلاح الشرع: هي ذبح حيوان مخصوص – بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم- في وقت مخصوص بنية القربة. (رد المحتار على الدر المختار)

مشروعية الأضحية والحكمة من وراء ذلك

مشروعيتها:

شُرعت الأضحية في السنة الثانية للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، وهو نفس العام الذي شُرعت فيه زكاة المال وصلاة العيدين، وقد علمت مشروعيتها بالكتاب والسنة القولية والفعلية، وانعقد الإجماع على ذلك.

وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، :

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. (الكوثر٢)

فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر أضحيته بعد أن يصلي.

وقد ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينحر أضحيته بنفْسه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. (متفق عليه)

حِكَمُها:

أما الحكم من وراء مشروعية الأضحية فهي كثيرة، منها:

١-أن تكون صورة من صور الامتثال لأمر المولى جل وعلا، والتعبير عن الشكر والامتنان على نعمه المتعددة، فبالشكر تدوم النعم، وكما قال ابن السبكي رحمه الله:
النعمة إذا شكرت قرَّت، وإن كفرت فرَّت. (معيد النعم ومبيد النقم ص١٥)
٢-لتكون استذكارا وإحياء لسنة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، وتذكيرا لنا بفوائد الاستسلام لأمر المولى جل وعلا، إذ أمر الله سبحانه سيدنا إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل فسلم وامتثل، وصبر على طاعته ولم يتردد بالاستجابة لأمره، ففداه الله سبحانه بذبْح عظيم، ورفع ذكره في العالمين.
٣-نشر التكافل بين أفراد المجتمع، فيوسِّع الغني على أهله، ويعطف على من حوله من الفقراء، ويدخل السرور على قلوبهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أيها الناس أطعموا الطعام ، وأفشوا السلام ، وصِلُوا الأرحام ، وصلُّوا والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام. (أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة رحمهم الله تعالى)

فضائل الأضحية‏

إن فضائل القربات عموما على اختلاف أنواعها أكثر من أن تحصر، والأضحية شكل من أشكال هذه القربات، وكفى في فضلها شرفا أن الله قد قرنها بالصلاة في قوله :فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ،وقد ورد في فضائلها الكثير من الخيرات، فمن ذلك:
قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للسيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها :

قومي لأضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنبك . (رواه البيهقي والحاكم)

وكذلك روى البيهقي بإسناده عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله تعالى عنها:

يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك أما إن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما إنه يجاء بها يوم القيامة بلحومها ودمائها سبعين ضعفاً حتى توضع في ميزانك ، فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : يا رسول الله أهذه لآل محمد خاصة فهم أهل لما خصوا به من خير ، أو لآل محمد والناس عامة ، فقال رسول الله : بل هي لآل محمد وللناس عامة . (رواه البيهقي)

حُكْم الأضحية وشروطها وكيفية ذبحها والأمور المستحبة في ذلك

أما حكم الأضحية:
فهي واجبة في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، على كل مسلم حرٍّ مقيم موسر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من كان له سعة، ولم يُضحِّ، فلا يقربن مصلانا . (أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه رحمهم الله تعالى)

فإذن لا تجب الأضحية على من كان فقيرا، وهو من لا يملك نصاب مال فائضٍ عن حاجته الأصلية والدين.

وكذلك لا تجب على المسافر دفعاً للحرج؛ لأن أداءها يختص بأسباب تشق على المسافر وتفوت بمضي الوقت.(انظر اللباب شرح الكتاب للقدوري، باب الأضحية ٣/٢٣٦)

وقت الأضحية

وقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر -إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام صلاة العيد- ويستمر وقتها حتى ثالث أيام النحر، وعند الشافعية ينتهي وقتها بانتهاء آخر أيام التشريق فعندهم أيام النحر أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده.

وأفضل وقت لنحر الأضحية هو اليوم الأول بعد فراغ الناس من الصلاة قال الله تعالى:

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. (آل عمران: ١٣٣)

والمقصود المسارعة إلى العمل الصالح الذي هو سببٌ لمغفرة الله سبحانه ووسيلة إلى دخول الجنة.

وأما شروط الأضحية

فيشترط في الأضحية أن تكون من الإبل أو البقر أو الغنم.
ولا يجوز أن أن يُضحَّى بالعمياء والعوراء والعرجاء، التي لا تمشي إلى المنسَك، ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب، ولا التي ذهب أكثر أذنها، فإن بقي الأكثر من الأذن والذنب جاز

مستحبات الأضحية وكيفية الذبح والدعاء

يستحب لمن أراد أن يُضحي أمور:
١-أن يربط الأضحية قبل يوم النحر بأيام، إظهار للاستعداد للقربة، وإظهارا للرغبة في ذلك.
٢- أن يمسك من أراد التضحية عن قص شعره وأظافيره من ليلة الأول من ذي الحجة حتى يضحّي، تشبّها بالحجاج لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

إِذَا رَأيْتُمْ هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعرِهِ وأظْفَارِهِ. (أخرجه مسلم)

٣- أن يسوقها إلى مكان الذبح برفق، وأن يحد شفرته ويريح ذبيحته، فقد قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). (أخرجه مسلم)

٤-أن يذبح أضحيته بنفسه، كما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما مر معنا من الأحاديث، فإن لم يحسن ذلك أو يقدر عليه، فيوكّل أحدا ويشهَدُ ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها:

يَا فَاطِمَةُ، قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا. (أخرجه الحاكم)

٥- ويستحب كذلك أن يدعو دعاء ذبح الأضحية وذلك بأن يقول:

اللهم منك ولك، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين

لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة رضي الله تعالى عنها أن تقول: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي. (أخرجه ابن ماجه)

ولحديث جابر رضي الله عنه أنه قال: ذبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال:

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» ثُمَّ ذَبَحَ. (أخرجه أبو داود)

ويستحب بعد التسمية التكبير ثلاثًا والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء بالقبول.

٦- أن يحقق الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وقد قال سبحانه فيما أمرنا به من القربان بالبدن

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡ. (الحج: ٣٧)

قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره: فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى، والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام:التقوى هاهنا وأشار إلى القلب.

وحقيقة التقوى أمور: أحدها: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقي بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير،
وثانيها: أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى.
وثالثها: أن يتقي أن يكون لغير الله فيه شركة. (١١/٣٣٩)

٧- وكذلك يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، وأن يهدي، وأن يتصدق.

هذه لمحة عن الأضحية، وعن بعض الأحكام التي تتعلق بها،

فنسأل الله سبحانه أن يوفقنا لصالح الأعمال،
وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية