الغضب توصيفه وتوجيهه آثاره وعلاجه


نشرت: يوم السبت،03-أكتوبر-2020


الغضب صفة في الإنسان قد تكون محمودة وقد تكون مذمومة، والاعتدال في كل شيء في الإسلام صفة الوسطية التي مدح الله عليها أمة حبيبه صلى الله عليه وسلم، فإذا غضب المرء لله وكان في غضبه ضمن حدود الله كان مثاباً على ذلك مرضياً عند الله.

الغضب من الغرائز ليس شراً كله:

إنّ الغضب لله ولرسوله حقٌ، والإيمان لا يمكن أن يكون بدون مشاعر وعواطف، ولقد ركَّب الله في الإنسان الغرائز والعواطف فجعل له مثلاً غريزة الجوع ليشعر بالحاجة إلى الطعام فيحافظ على حياته، وجعل له غريزة الشهوة ليستمر في النسل وهكذا جعل فيه غريزة الغضب ليدافع بها عن نفسه، وحرماته، ولكن كل شيء إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده، فإذا استسلم الإنسان للغضب أو للشهوة ، خرج عن الإنسانية ، فيصبح حين يستسلم لشهوته كالبهيمة، وحين يستسلم لغضبه كالوحش المفترس، فجاءت الشريعة لضبط هذه الأخلاق وإعلاء قيمتها في مكانها، والتهوين منها إن خرجت عن حدها، فإذا خرج الغضب عن حده صار جِماعاً للشر كلِّه، ومصدراً للهلاك، وعنواناً للدَّمار، الغضب نارٌ في الفؤاد، وحجرةٌ في القلب، وشَرارٌ في العين، وحمرةٌ في الوجه، وتوتُّرٌ في الأعصاب، وانتفاخٌ في الأوداج، وحُمقٌ في التصرُّف، ومسارعةٌ للانتقام.

معنى الغضب:

الغضب ضد الرضا، وحالة تعتري الإنسان تقضي على هدوئه وتجعله في انفعالٍ شديد يفقد فيه السيطرة على نفسه، وقد قال بعض المحققين:
الْغَضَبُ فَوَرَانُ دَمِ الْقَلْبِ أَوْ عَرَضٌ يَتْبَعُهُ ذَلِكَ لِدَفْعِ الْمُؤْذِيَاتِ وَلِلِانْتِقَامِ بَعْدَ وُقُوعِهَا. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج٨، ص٨٢٤)

يقول الامام الغزالي رحمه الله تعالى عن الغضب: هو غليان دم القلب بطلب الانتقام. (إحياء علوم الدين: ٣/١٦٧)

إن الغضب الشرس صفة المتكبّرين، واندفاعٌ هائج عند الحماسيين، لأن المتواضع يملك السيطرة على الغضب إن حصل له، وأصل الغضب محمود، لأنه سبب من أسباب المدافعة عن الذات، لكن على المرء أن يضبط غضبه حتى لا يؤول أمره إلى الندم، ولذلك من علامات السيطرة على الغضب ألا يتَّخِذ الغاضب قراراً حالَ غضبه، فغالبا يكون ذلك القرار غير سديد وسوف يتراجع عنه، ولذلك ليست الشدة والقوة باتخاذ القرار ولذلك مَدَح رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسيطر على غضب نفسه ويكون هادئاً.

وإذا تأمّلنا فإن العقلاء يقلُّ غضبُهم إلا غضباً في إحقاق حقٍ إبطال باطل، فهذه الدوافع للغضب محمودة بل هي مطلوبة، ولكن إن كانت الدوافع للغضب النفس والدنيا، ونزغات الشياطين والهوى، فإنه غضبٌ مذموم يُسْلِم صاحبه للندم والذِّلّة، فمن اعتزَّ بغضبه أذلَّه اعتذاره، يقول العلامة ملّا علي القاري: " ...التحقيق أن مدار الغضب على شهوة النفس، فإن الإنسان لا يغضب غضبا مذموما إلا بتوهم فوت شهوة له أو بعد تحقق فرقا، ولهذا ترى كل ما كان شهوته أكثر كالملوك والأمراء يكون غضبه أكبر، ويجب عنه الحذر، ويؤيده الحديث الذي يليه (رواه البخاري): وكذا أحمد والترمذي عن أبي هريرة وأحمد والحاكم عن حارثة بن قدامة، ورواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن رجل ولفظه: :" لا تغضب، فإن الغضب مفسدة".
وفي رواية لابن أبي الدنيا، والطبراني عن أبي الدرداء: " لا تغضب ولك الجنة". (انتهى من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ص ٢٩٣ ج ٩)

ولذلك مدح الله الكاظمين الغيظ الذين يعفون عن الناس وأشار الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وجعل هذا الكتمان أحد جواهر المرء الثلاث فقال:
جوهر المرء في خِلال ثلاث:
١) كتمان الفقر حتى يظنَّ الناس من عفّتك أنك غنيّ.
٢) وكتمان الغضب حتى يظنَّ الناس أنك راضٍ.
٣) وكتمان الشدّة حتى يظنَّ الناس أنك متنعّم. (مناقب الإمام الشافعي للبيهقي: ٢/١٨٨)

أحاديث في ذمّ الغضب:

١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". (متفقٌ عَلَيْهِ)

٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:

أوصني، قال: "لا تغضب" فردَّد مراراً؛ فقال: "لا تغضب". (رواه البخاري في الأدب ٦١١٦)

٣) عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّه سأَل رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم :

ماذا يُباعِدُني مِن غَضَبِ اللهِ عزَّ وجَلَّ قال: "لا تغضب" (رواه أحمد في مسنده ٦٦٣٥ بإسناد حسن)

هذه وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم المتكرِّرة لعددٍ من أصحابه، ألا يغضبوا، يوصيهم فيها بمكارم الأخلاق التي تكون طريقاً إلى التخلق بأخلاق الإسلام، وسبباً لمنع غضب الله عليهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم مرةً:

"من كَفَّ غضبَه كفَّ اللهُ عنه عذابَه يوم القيامة". (شعب الإيمان، ج٦، ص٣١٥، رقم الحديث: ٨٣١١)

آثار الغضب:

آثار الغضب وخيمة وأليمة، قد يخرج العبد بسببه من الإيمان، وبه قد يسفك الدماء، وبه قد يهدم الأسرة، وبه قد يفرّق بين الأحبة، وبه قد تُقْطَع الأرحام، وبه تشعل نار الفتن، وبه قد ترمَّل النساء، وبه قد يُيَتَّم الأطفال، وبه قد يقع الطلاق، وبه قد يدخل الإنسان السجن، وبسببه يغضب الرحمن والعياذ بالله تعالى، ومما يؤول إليه الغضب الندم، ومذمة الانتقام، وقبح الأخلاق، وبُعد الأصحاب والأحباب.

السيطرة على الغضب:

على المؤمن العاقل أن يملك نفسه بالسيطرة على الغضب وبالتزام التوجيهات النبوية في كظم الغيظ والسيطرة على النفس كيْ يحفظ المؤمن نفسه من غضب الله وعاقبة الندم، فالذي يسيطر على غضبه يسيطر على شيطانه ويغلبه

فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: "أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ". (رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ)

لذلك وجّه الله تعالى عباده المؤمنين لضبط النفس في ساعة الغضب، ووعدهم على ذلك بالأجر العظيم، قال تعالى:

وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون.

هذا وصف المؤمنين الذين على ربهم يتوكَّلون، والذين استجابوا لربهم، وكانوا من أولي العزم من العباد.

علاج الغضب:

لولا الغضب المركّب فينا كيف سندافع عن أنفسنا؟ ونحمي أهلينا ونذود عن ديننا؛ ونحافظ على حرماتنا إذا انتهكت!؟ لكن لما كان الغضب يحتاج لضبط وكظم وسيطرة أرشدنا الإسلام إلى بعض التوجيهات الهامة إن التزمها الغضبان استراح وهدأ غضبه.

وأفضل الوسائل التي تساعدك على ضبط نفسك عند الغضب:

• الوضوء فإن الماء يطفئ نار الغضب المتّقدة.
• الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد". (رواه البخاري رحمه الله تعالى وغيره)

• تذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن يغضب لنفسه قطّ.
• الدعاء بأن يُرزَق الحلم والأناة.
• الإكثار من ذكر الله والمداومة عليه مع تذكر عظمة القهار جل وعلا، وبذلك يسكن غضبك بإذن الله تعالى.
• التفكر في نتائج الغضب والنظر فيها وأنه سيندم كما ندمَ في المرات السابقة.
• تذكّر فضائل كظم الغيظ.
• السكوت وترك المخاصمة (إذا غضب أحدكم فليسكت). (رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المسند.)
• تغير الحال.. فإذا كان قائماً فليجلسْ أو يمشي وإذا كان جالساً فليضطجع..

وما أجمل هذا الحديث الذي هو بلسم عجيب في التهدئة والسكون من الغضب حين يتذكر أن له على كتم غضبه والسيطرة على نفسه وشيطانه أن له ثواب خاص عليه لا يعدِله شيء من الدنيا ألا وهي الجنة:

لا تغضب ولك الجنة. (حديث صحيح عزاه ابن حجر إلى الطبراني رحمه الله تعالى)

وحديث :

من كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة. (رواه الطبراني رحمه الله تعالى)

دعاء الغضب:

أن يتوجه المؤمن لربه بالدعاء؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها قولي :

اللهم اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من الشيطان.

وبالجملة فهذه كلها خطة عملية موجزة، ‏لو قرأها المسلم ألف مرة لم تغنه في واقع الأمر شيئا فلابد من التطبيق المتكرر، ‏والحذر من مداخل الشيطان والهوى ومعالجة النفس شيئاً فشيئا حتى يصبح الحلم له سجية غالبة اللهم وفقنا لذلك وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

تعليقات



رمز الحماية