حقوق الطفل في الإسلام


نشرت: يوم الإثنين،05-أكتوبر-2020


لعل من أغلى ما يمتلكه الإنسان في دنياه أولاده فهم ثمرة الفؤاد، وقرة العين، وزهرة الحياة وزينتها، كما قال تعالى: ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فإذا كان الأطفال من زينة الحياة الدنيا؛ فإنّ هذه الزينة تحتاج لرعاية وصيانة وتوجيه ومراعاة للحقوق والواجبات ليصبحوا زينة حقيقة تقرّ بهم العين.

ولذلك دعا الإسلام أتباعه إلى الحفاظ على مهجة الروح هذه، ورسم لهم طريقا ليمشي عليها الواحد منهم كي ينعم بأولاده في الدنيا، ويكونوا قرة عين لوالديهم في الآخرة، فأمر المؤمنين أولاً أن يدفعوا الضرّ والأذى عن أهليهم- ومنهم البنون- فالتخلية قبل التحلية فقال الله تعالى:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ.[التحريم:٦]

ولئن كان للآباء حقوق على أبنائهم فلقد فرض الله عليهم قبل ذلك واجبات تجاههم
بل وحرّم أن يتناسى الإنسان ما عليه من الواجبات مطالبا بحقوقه فعن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله عز وجل حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات. (صحيح البخاري ٢٤٠٨)

ومن صور حقوق الطفل أن يمنع الإنسان واجباته تجاه أولاده ويطالبهم ببرهم له وطاعتهم إياه، وإن حقوق الأولاد في الإسلام كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال المختصر ولكن ذلك لا يمنع أن نذكّر بعضنا بالقليل المتيسر منها فإليك أخي وحبيبي القارئ بعضاً منها:

الحق الأول:

صلاح الوالدين وهي من آكد وأهم حقوق الأبناء، فصلاح الآباء ينفع الأبناء
ولا يخفى على ذي بصيرة ما كان من أمر تلك المكرمة التي أكرم بها الغلامان بصلاح أبيهما وجاء ذلك في قصة سيدنا موسى مع الخضر: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا. [الكهف:٨٢] قال ابن كثير: وكان الجد السابع، فانتفعوا بصلاحه.

ومن صلاح الأبوين أن يدعُوَا ربهما لأولادهم:

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا.[الفرقان:٧٤]

وأن يطلبوا من الصالحين الدعاء لهم فهم مظنة استجابة الدعاء.

الحق الثاني:

حسن اختيار الأم: فأمرنا أن نظفر بذات الدين التي هي المرأة الصالحة للتربية والتي سترضع أولادها مع اللبن حب الله وحب رسوله، والكريم من الخصال وإنّ خير ما يحوزه الإنسان المؤمن بعد تقوى الله تعالى أن يحظى بشريك صالح، يكوّن معه نواةً لأسرة مؤمنة، ثمراتها أبناء صالحين يقرّون العين ويسعدون القلب، ولعمري هذه هي السعادة الحقيقية، التي قد لا يجدها كثير من الناس، ولذا قال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

الدّنيا متاع، وخير متاع الدّنيا المرأة الصّالحة. (صحيح مسلم ١٤٦٧)

وإنّ اختيار المرأة الصالحة لتكون زوجة وأمّاً بعد ذلك، هو أوّل حقّ للأبناء على الآباء، لأنّه إذا طاب الأصل طاب الفرع.

وما أجمل ما قاله أبو الأسود الدّؤلي رحمه الله تعالى لأولاده، فلقد جمع بنيه يوماً وقال لهم: قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمّهات من لا تسبّون بهنّ! وفي هذا المعنى قال الشاعر الرّياشي:

وأوّل إحساني إليكم تخيّري***لماجدة الأعراق باد عفافها
(أدب الدنيا والدين للماوردي ص ١١١)

وهذا ما أكّده الإسلام، بل ما أمر به وحثّ عليه.

ونحن في هذه العجالة لسنا بصدد استقصاء ذلك وإبرازه، فإنّه من الوضوح والشّهرة ما لا يخفى على ذي عينين.

فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.

تلك هي المرأة المسلمة التي يعتمد على التزوّج منها بتربية الطفل تربية إسلامية، نعم أخي القارئ الزوجة الصالحة أساس في البيت المسلم والطفل المسلم الصالح.

الحق الثالث:

تجنيبه الشيطان: فمن اللقاء الأول ما بين الزوجين وجّه الشارع إلى ضرورة الاستعاذة بالله من الشيطان وشره فعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:

لو أنّ أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم اللّه اللّهمّ جنّبنا الشّيطان وجنّب الشّيطان ما رزقتنا، فإنّه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لم يضرّه شيطان أبدًا. (البخاري ٦٣٨٨ ومسلم ١٤٣٤)

الحق الرابع:

حفظ حقوقهم من الميراث:
١ - حفظ حقهم وإن كانوا أجنّة في بطون أمهاتهم فإذا مات مورثه فيحسب ويحبس نصيبه من الميراث إلى أن يستهل صارخا فإن ولد حيا فقد ملك حقه من الميراث ولا يجوز أن يضيع حقه أبداً ودلّت على ذلك الأحاديث النبوية.
٢ - ندب الإسلام الأبوين إلى ترك مال لبنيهم بعد موتهم يكونون فيه أغنياء كيلا يتكففون ويسألون الناس، وفي الحديث الشهير الذي استأذن فيه سعد بن ابي وقاص النبيَّ أن يتبرع بماله كله فنهاه عن ذلك وقال:

الثّلث والثّلث كبير - أو كثير - إنّك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس.
(صحيح البخاري ١٢٩٥ )

٣ - حذر الإسلام أشد الحذر من حرمان الوارث حقه فقد أخرج البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من قطع ميراثًا فرضه الله ورسوله قطع الله به ميراثًا من الجنّة. وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس بلفظ: من فرّ من ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة.

٤ -وبالغ في تغليظ أكل أموال اليتامى بالباطل فقال تعالى:

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا. [النساء:١٠]

الحق الخامس:

إظهار الفرح بمولده بالعقيقة وتوزيع الصدقات والابتهاج وإعطاء البشارة لمن بشر بقدومه والدعاء له فعن سمرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه ﷺ قال:

كلّ غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمّى. (رواه الإمام أحمد والأربعة)

-وكذلك يعطى اسما حسنا يكون علامة له صالحة في نداء الناس له كما سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين والكثير من أبناء الصحابة رضوان الله عليهم بل اختار لهم الأسماء

-ويحنك بالتمر تغذية له وتفاؤلاً بحلاوة عيشه، ويؤذن في أذنه اليمنى أربعا وتقام الصلاة في أذنه اليسرى ثلاثا وذلك ليكون أول ما يسمعه ذكر الله والصلاة؛ لترسيخ الفطرة التي فُطر عليها فكل مولود يولد على الفطرة.

الحق السادس:

حقه في الرضاعة الطبيعية ولكن لا تُجبَر الأم على الإرضاع إلاّ إذا تعينّت مرضعًا، بأن كان لا يقبل غير ثديها، أو كان الوالد عاجزا عن استئجار ظئر مرضعة ترضعه. وإنما ندب لها الإرضاع لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر. والرضاعة التامة عامان كما قال تعالى:

وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ.

وأوجب الإسلام على ولي أمر المولود أن ينفق على مولوده وعلى الوالدة قال تعالى: "وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف " وهو حق أكيد من حقوق الطفل، لذا جعل الإسلام حق الرضاعة للطفل مصانا له.

الحق السابع:

حقه في الكفالة والرعاية لاسيما إن كان يتيماً أو كانت أنثى فحقهم في ذلك مصان.

-وضمِن حق اليتيم من خلال ضمان الجنة لكافله ففي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. (أخرجه مسلم)

الحق الثامن:

حقه في العيش مع والديه قال تعالى:

لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ

ويحصل في زماننا الفراق بين الأزواج بسبب بعض ظروف الحياة فيمنع أحد الزوجين الأطفال على الطرف الآخر فينعكس هذا سلباً على نفسية الطفل ويكون فاقداً لشيء في حياته وهو موجود ولكنه حرم من هذا الحق، وجزاء هذا الظلم من جنسه يوم القيامة فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم :

من فرّق بين والدة وولدها، فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة. (أخرجه الترمذي وغيره)

الحق التاسع:

حقه في الحنان والملاطفة والممازحة وما أكثر الشواهد في شريعتنا الغراء على ذلك، فهذا نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يضرب لنا مثلا رائعا في التعامل مع الأطفال وملاعبتهم والحنان عليهم كما جاء في كتب الشمائل، فذاك أحد الصحابة يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجده يحمل على ظهره الحسن والحسين فداه أبي وأمي ونعله تاج يوضع على الرأس، وهذا آخر يراه يقبّل الأطفال فيقع في غرابة من الأمر ، وهذا صحابي يصور لنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمازح سبطه فيضحك الطفل من ذلك وتارة يضمه إلى صدره ليعطيه شحنة عظيمة من الحنان من ناحية؛ وليعطي درسا عظيما للمربين من بعده من ناحية أخرى.

الحق العاشر:

أ‌- التنشئة على العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة الصافية من الشوائب والمخالفات بأن يعلموا أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كلهم منزهون عن الصّغائر والكبائر، ومحمّد عليه الصّلاة والسّلام حبيبه وعبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وهو آخر الأنبياء فلا نبي بعده كما في الحديث الشريف . وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّين. (البخاري ٣٥٣٥ ومسلم ٢٢٨٦)

ب‌- تعليمه آداب الطعام
عن عمر بن أبي سلمة رضي اللّه عنهما قال: قال لي رسول اللّه ﷺ:

سمّ اللّه، وكل بيمينك، وكل ممّا يليك. (متفق عليه)

ج-تعليمه آداب الدخول على الوالدين في الأوقات التي يجب الاستئذان بها خصوصاً كما جاء في آيات سورة النور رقم(٥٨)

د- زراعة الأخلاق الفاضلة الحسنة في نفوسهم:
عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما نحَل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن. (رواه الترمذي)

ومما تجدر الإشارة إليه في مجال تعليم الأولاد وإرشادهم أمور:

أولها: ضرورة الرفق والنصح بلطف والابتعاد عن القسوة.

ثانيها: الاستلطاف في النداء واختيار صيغ الحنان فهي أدعى للقبول وترك صيغ التوبيخ والتأنيب والبعد عن الألفاظ السيئة معهم.

ثالثها: السماح للأطفال بحضور مجالس الكبار والفضلاء ليستفيد منهم السمت والعلم.

رابعها: الدعاء لهم كما كان رسول الله ﷺ يدعو لابن عباس رضي الله عنهما.

خامسها: استخدام أسلوب المدح لتنشيط همّة الأطفال.

إلى غير ذلك من أساليب التربية التي أرساها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم عمليا من خلال تعامله مع أطفال الصحابة الكرام.

هذه بعض الحقوق الهامة التي تجب أن تكون للطفل ليكون ناشئاً على منهج صحيح صالح ويوجد حقوق أخرى لعلنا نعرّج عليها في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين

تعليقات



رمز الحماية