ولي من أولياء الله الصالحين السيد الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني


نشرت: يوم الخميس،12-نوفمبر-2020


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. (صحيح البخاري ٦٥٠٢)

من هو الولي؟

الولي بفتح الواو وكسر اللام جمع أولياء، معناه النصير والظهير والمحب والصديق كما قال ابن جرير الطبري في تفسير "ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ "، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه . (تفسير الطبري ج٥ ص٤٢٤)

فالولي يعني الصديق النَّصير الذي ينصرُ الله تعالى، وينصر دينَه وشريعته. قال الحافظ ابن حجر: الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّهِ الْعَالِمُ بِاللَّهِ الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِهِ الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِهِ. (فتح الباري ج ١١ص٣٤٢)

يُفهم من الحديث السابق أنَّه يجب علينا موالاة الأولياء الكرام ويحرم علينا معاداتهم لأنهم مقرّبين عند الله سبحانه وتعالى له خصوصية النسبة إلى الله، فقد قال المُلَّا علي القاري رحمه الله تعالى شارحًا لحديث "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ" أي أعلمته بمحاربته ومعاداته معي، أو بأني سأحاربه، وأقهره، وأنتصر منه، وأنتقم له. (مرقاة المفاتيح ج٨ ص ٣٣٣٩) فمن ضمن هؤلاء الأولياء الكرام الذين اشتهروا بولايتهم وعلمهم، وعُرفوا بتقواهم وصلاحهم، مؤسس الطريقة القادرية سلطان الأولياء الشيخ الرباني القطب الأفخم العارف بالله السيد محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني البغدادي رحمه الله تعالى.

نسبه و أسرتُه الكريمةُ:

هو شيخ الإسلام مقتدى الأولياء العظام إمام الأصفياء علم الهدى ناصر السنة أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي ولد في جيلان عام ٤٧١هـ/١٠٧٨م، وكانت نشأته في أسرة عُرفت بالتقوى والصلاح، وقد وصف الشيخ عبد القادر الجيلاني أسرته بقوله " أهَّلني الله عز وجل ببركات متابعتي للرسول صلى الله عليه وسلم وبري بوالدي ووالداتي رحمهما الله عز وجل، والديْ زاهد في الدنيا مع قدرته عليها ووالدتي وافقته على ذلك ورضيتْ بفعله، كانا من أهل الصلاح والديانة والشفقة على الخلق. (الفتح الرباني والفيض الرحماني ص ٢٧٨ بتصرف)

نشأة الطريقة القادرية:

الشيخ عبد القادر الجيلاني هو أول من نظم الصوفية في جماعات على طريقة منضبطة مبنية على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ويتضح ذلك في وصاياه لابنه عبد الرزاق حيث قال " أوصيك بتقوى الله، وطاعته ولزوم الشرع وحفظ حدوده، واعلم يا ولدي – وفقنا الله وإياك والمسلميـن – أن طريقتنا هذه مبنيّةٌ على الكتاب والسنة وسلامة الصدر وسخاء اليد وبذل الندى وكف الجفا وحمل الأذى والصفح عن عثرات الإخوان. (إتحاف الأكابر في سيرة ومناقب الإمام محيي الدين عبد القادر الجيلاني الحسني ص٢٩٩)

وقد كان الشيخ المربي الشيخ عبد القادر الجيلاني كثيرا ما يحث الناس على اتباع أوامر الله سبحانه وتعالى وسنن الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واجتناب ما نهى عنه الشرع، كما قال في وصيته "أدخل الظلمة بالمصباح وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن خطر خاطر أو وجد إلهامٌ فاعرضه على الكتاب والسنة؛ فإن وجدت فيهما تحريم ذلك مثل أن تلهم الزنا والرياء ومخالطة أهل الفسق والفجور وغير ذلك من المعاصي فادفعه عنك وأهجره ولا تقبله ولا تعمل به واقْطع بأنه من الشيطان اللعين. (فتوح الغيب ص ٩٨ بتصرف)

تواضعه

وكان رضي الله عنه يركب البغلة وكان يقف مع جلالة قدره مع الفقراء والمساكين والصغار وقال صاحب قلائد الجواهر" كان رضي الله عنه يأمر كل ليل بمد البساط، ويأكل مع الأضياف ويجالس الضعفاء، كان لا يظن جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، مع أنه كان لا يقوم قط لأحد من أعيان الدولة ولا للعظماء وما ألَــمَّ قط بباب سلطان ولا وزير قط. (فتوح الغيب ص ٢١ بتصرف)

جلوسه للتدريس والوعظ والإرشاد:

عقد شيخه الشيخ أبو سعيد المخزومي مجلسًا خاصًا له في مدرسته فكان الشيخ عبد القادر الجيلاني يعقد ثلاث جلسات في الأسبوع يجلس فيها للتدريس والوعظ والإرشاد، وكان الشيخ متبحرًا في العلوم والمعارف والسلوك والتربية والإصلاح. (قلائد الجواهر، ص ٥ بتصرف)

إقبال الناس عليه وعلى طريقته:

لما توفي شيخه أبو سعيد المخزومي فوضت إليه مدرسة شيخه فجلس فيها للتدريس والفتوى وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، وكانت تعرض فتواه على علماء بغداد والعراق فكانوا يتعجبون منه أشد الإعجاب، وكانوا يقولون سبحان من أنعم عليه بالعلوم والمعارف.

فبدأ الناس يرتحلون إليه على الخيل والبغال والحمير والجمال وكان يحضر مجلسه نحوا من سبعين ألفًا.

فقد ربّى الشيخ أتباعه، وغرس في نفوسهم الزهد والتقوى وغرس فيهم مفهوم الإخاء والبذل والعطاء، والتناصح والشفقة وحسن التعامل وطيب الكلام، وتجريد النفس عن الهوى، وانقيادها لخالقها وباريها بالصدق والإخلاص.

وقد وصل صدى وعظه وإرشاده إلى قلوب الخلق فاستطاع بذلك أن يدفع كثير من الحكام والوزراء والسلاطين الظالمين عن ظلمهم وقد تاب على يده من نسي دينه من أهل الشقاوة والجبابرة وقطاع الطرق والسارقين أكثر من مائة ألف وأسلم على يديه من لم يكن مسلمًا، بسبب أسلوبه الحسن وإخلاصه لله تعالى ولَم ينل ما نال إلاّ بالجد والحزم والاجتهاد والصبر والتعب في سبيل الدعوة إلى الله تعالى وهو نافع للناس في علمه ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة في محاضراته وكلماته وكتاباته، حتى قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني" وتاب على يدي من العيّارين والمسالحة أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير" (الطريقة القادرية أصولها وقواعدها، ص ٣٣ بتصرف)
ولذلك انتشرت طريقته القادرية في العالم واشتهرت بين الناس حيث توزع أتباعه في جميع أنحاء العالم كالعراق ومصر وتركيا واليمن والصومال والمغرب والهند وباكستان وخاصة هذه الأيام حين قام الشيخ المربي محمد إلياس العطار القادري -حفظه الله تعالى- مؤسس مركز الدعوة الإسلامية بتربية الناس وإصلاحهم على منوال شيخه الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه الله تعالى- واتبع أسلوبه في الوعظ والإرشاد وحمل همهم وهم آخرتهم، فبدأ بالدعوة إلى الله تعالى وأخذ ينشر العلم ويدعو الناس إلى الله تعالى صابراً محتسباً وفي بداية دعوته إلى الله تعالى كان الشيخ وحيداً، ثُمّ تجمّع معه الناس شيئاً فشيئاً حتّى أصبحوا دعاةً إلى الله تعالى ووصل عددهم إلى الملايين، وهذا دليل على إخلاصه حفظه الله تعالى، ويقول الشيخ دائماً: يجب على كلّ مسلم أن يضع نُصب عينيه مقصداً سامياً وهو: "عليّ محاولة إصلاح نفسي وجميع أناس العالم".

نسأل الله سبحانه وتعالی أن يوفقنا لخدمة الدين والسنن النبوية، والسير على نهج شيخنا وقدوتنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله سبحانه وتعالى وعلى نهج الشيخ المربي محمد إلياس العطار القادري حفظه الله تعالى. آمين بجاه النبي الأمين صلی الله تعالی عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات



رمز الحماية