لقاءات رمضانية في مركز الدعوة الإسلامية


نشرت: يوم الأَربعاء،31-مارس-2021


الحمد لله الواهب نعمه فضلاً منه على عباده
والصلاة والسلام على خير رسله وأنبيائه، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
ورضي الله عن سائر التابعين والصالحين وجميع أصفيائه، أما بعد:

فهذا هو شهر رمضان قد أقبل ونفوس الطائعين المحبين تتشوّق إليه لتعيش زمن النفحات والتجليات والخلوات في طاعة الله تعالى..

أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ العِبَادِ *** لِتَطْهِيرِ القُلُوبِ مِن الفَسَادِ
فَأَدِّ حُقُوقَهُ قـولاً وفـِعْلاً *** وَزَادَكَ فاتَّخِذْهُ لِلمَعادِ
فَمَنْ زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا *** تَأَوَّهَ نادِماً يَوْمَ الحَصَادِ
(لطائف المعارف لابن رجب: ص٢٨٠)

وأجمل شيء في المسلم أن يدْخل عليه هذا الموسم، ويخرج منه بالربح والقبول، كما كان هو حال السلف رضي الله عنهم، ومن لم يدخل سوق التجارة فيه لم يعرف قيمة الأرباح منه.

سوق المنافسة في رمضان يمتدّ من الشرق إلى الغرب:

ومن هذا المنطلق النفيس يقوم مركز الدعوة الإسلامية كل عامٍ بتهييء سوق التنافس الروحي بين أهل الإيمان عموماً، فما إن يقبل شهر رمضان على المؤمنين جميعاً حتى تتطلع نفوس المحبين لاستقباله وإعداد البرامج العبادية والدعوية على مستوى الفرد وعلى مستوى المدرسة الدينية ولكل مدرسةٍ نشاطٌ وهمةٌ وطريقةٌ في سلوك وسائل العبادات المقربة إلى الله سبحانه وتعالى.

وبلا شكٍ فإن كل شيخٍ ومدرسته لهم برامج عباديّة في استقبال شهر رمضان لاغتنامه والاحتفاء به فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وقبل أن أتحدّث لكم عن بعض نشاط مركز الدعوة الاسلامية في رمضان وهو مركزٌ عالميٌ له برامجه ونشاطاته الجميلة المتنوعة في شهر رمضان المبارك.

فإنني وكوني من مدرسةٍ شاميةٍ تحاكي تلك المدرسة العريقة في بلاد باكستان، فلْنعلم بناء على ذلك أن المشارب والمدارس تتلاقى في الشرق والغرب بنشاطاتها وأسلوبها وطريقة دعوتها بل وحتى منهاجها.. فالمقصود واحدٌ عند الجميع إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، وهذا ما كانت تسير عليه مدرسة شيخنا في الشام الشيخ عبد القادر عيسى الحلبي رحمه لله تعالى حيث كان يعمل على إحياء السنن النبوية في شهر رمضان وغيره ويهتم بالنشاطات الدعوية والإسلامية التي تقوّي روابط الإيمان في قلوب المؤمنين وكوننا نتحدث عن شهر رمضان والنشاطات التي تكون فيه، فإن الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى يعتبر أحد أهم المشايخ والعلماء الذين أحيَوْا سنّة الاعتكاف في شهر رمضان على مستوى سوريا خاصةً وبعض بلاد الشام ومدنها عامّة، بل إن كل من له نسبة لهذا الشيخ كانت سنّة الاعتكاف مهمّة عنده في رمضان فيتهيّأ لها ويحرص عليها ولو على الاعتكاف الجزئي من ليالي رمضان والعشر الأخير منه خاصة.

الشيخ محمد إلياس القادري رائد إحياء السنن النبوية في الشرق في العصر الحاضر:

لا يمنعني حين أذكر نشاط الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى في هذه السنّة أن أقول ما علمتُ عن الشيخ محمد إلياس العطّار القَادري حفظه الله تعالى في كراتشي وهو مؤسس مركز الدعوة الاسلامية قبل أربعين عاماً من الآن أنه قد تفوّق في هذا الجانب على كثيرٍ من العلماء بل ربما حتى على الشيخ عبد القادر عيسى في إحياء هذه السنة العظيمة، (إحياء سنّة الاعتكاف في البلاد) حيث استجاب له الكثير من أهل المحبة والإيمان في باكستان وبنجلاديش والهند ونيبال وسريلانكا وفي دول من أوربا وإفريقيا وأمريكا وأستراليا من أجل المحافظة على هذه السنّة التي كادت أن تندثر لولا هؤلاء الربانيّون، ولعل نجاح الشيخ محمد إلياس العطار القادري في تشويق الناس للمحافظة على نشاط رمضان عموماً والاعتكاف بشكل أخصّ هو طبيعة البلاد المهيئة لإقامة العبادات والاعتكافات بحريةٍ دون عوائق؛ وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على بلاد باكستان وما حولها، ومع أن هذا الاعتكاف برز ظُهوره ونشاطه في باكستان وفي مدينة كراتشي خصوصاً إلا أنه قد امتدّ إلى مدن أخرى في العالم من خلال فروع مركز الدعوة الاسلامية امتداداً ظاهراً يعتكف فيه المئات والآلاف حسب البلد والمسجد.

مدة الاعتكاف: الاعتكاف سنّة مؤكدة في العشر الأواخر وهي سنة كفاية، وتُسنّ لكامل شهر الصيام، لكن مركز الدعوة الاسلامية في المقرّ الرئيسي وكثير من فروعه يكون الاعتكاف فيها للشهر كاملاً مع تنظيم برامج للعبادة والتعليم والمذاكرة والصلاة والقيام وتجد نفسك في المعتَكَف كأنك في روضة من رياض الجنة ولكثرة أعداد المعتكفين في مسجد (فيضان مدينة) تظنُّ أن الأمة كلها معتكفة لكثرة من تجدهم في المعتَكَف الواحد، نعم لا أبالغ بهذا؛ فإنّك حين ترى حلقات للعلم وأخرى للقرآن، وحلقات للمنافسة في بعض الطاعات، وحلقات عديدة يقوم على كل حلّقة مبلّغ وداعية وطالب علم، وحين ترى هذا النشاط الجماعي الكبير تتهلّل سروراً بأن الأمة تحمل الخير الكثير وستنجِب خيراً أكثر بإذن الله تعالى، وهكذا يعتكف في تلك الفروع والمراكز والمساجد التابعة لمركز الدعوة الاسلامية المئات من المحبين والمنتسبين للمركز ويشاركهم عامة المحبين من أهل الإيمان والإسلام اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأعداد غفيرة ملفتة تدخل السرور على قلب المؤمن الطائع لربّه جلّ وعلا.

نظرة في عدد المعتكفين خلال بعض السنوات السابقة:

يتم تنظيم الاعتكاف الجماعي تحت رعاية مركز الدعوة الإسلامية في كثير من نواحي باكستان والعالم، ففي عام ألفين وتسعة عشر (٢٠١٩م) تم الاعتكاف في خمسة آلاف وست مئة وخمسين (٥٦٥٠) مسجداً في باكستان فقط، وكان عدد المشاركين فيها مئة واثنين وأربعين ألفاً وتسع مئة وأربعاً وسبعين (١٤٢٩٧٤) شخصاً، بينما في خارج باكستان فتم الاعتكاف في ست مئة وثمانية عشر (٦١٨) مسجداً ومركزاً، وكان عدد المعتكفين فيها أربعة عشر ألفاً وثلاث مئة وخمسين (١٤٣٥٠) شخصاً، وللأسف لم يتم عقد الاعتكاف في عام ألفين وعشرين (٢٠٢٠م) بسبب جائحة كورونا إلا في أماكن معدودة وبعدد قليل من الأشخاص، وذلك للعشر الأواخر من رمضان فقط، ولكن بحمد الله تعالى تتزايد هذه الأعداد وتتضاعف كثيراً عاماً بعد عام بفضل التشجيع والإقبال على القيام بهذه السُّنة التي يقطف المعتكفون ثمارها وبركاتها وفوائدها ويعيشون نفحاتها عاماً كاملاً.

خدمات المعتكفين:

يقدم مركز الدعوة الإسلامية الخدمات العديدة لهذا الأعداد الكبيرة من المعتكفين خلال اعتكافهم، فتم تكييف المقرّ الرئيسي بالهواء لتخفيف شدة الحرارة المتزايدة وحماية المعتكفين من تأثير الحرارة على صحتهم، إضافة إلى إنشاء عيادة مؤقتة مع كادر طبّي يقدّم الرعاية الصحية الفوريّة للمرضى المعتكفين في المسجد، ولحفظ النظام والانضباط بين المعتكفين وحماية حاجاتهم وأمنهم يقوم رجال قسم الأمن والسلامة لمركز الدعوة الإسلامية بمهامهم بشكل متتابع، كما يقدم المركز لآلاف المعتكفين وجبة السحور والإفطار بنموذج صحي في ضوء إرشادات فضيلة الشيخ حفظه الله ووفقاً لأصول الرعاية الصحية.

التعليم والتعلم:

يرتّب المركز جدولاً خاصاً لاستمرار نظام الاعتكاف والاستفادة منه على أفضل الوجوه وأحسنها، إضافة لجدول الاعتكاف الذي يستمر من أول رمضان إلى نهايته، كما أنهم في الليالي الفردية يقومون بأداء صلاة التسبيح، ويبدؤون بتنفيذ الجدول والنشاطات اليومية لشهر رمضان ابتداءً من صلاة التهجد ثم القيام إلى السحور، ثم يشتغل المعتكفون بالأذكار والأوراد إلى حين أداء صلاة الفجر، ثم يستمعون بعدها لدرس إيماني من رئيس مجلس الشورى للمركز الشيخ محمد عمران العطّاري حفظه الله تعالى، ويتابعون يومهم الرمضاني منقطعين فيه عن الدنيا لمدة شهرٍ كاملٍ، وبعضهم يعتكف عشرة أيامٍ فقط وهي آخر عشرٍ من رمضان لمظنّة ليلة القدر فيها، وبعضهم يأتي لساعات يشارك فيها جموع المعتكفين بعض العبادات والصلوات، كما يهتم المركز بتوحيد وقتٍ واحد لجميع المعتكفين في سائر فروع مركز الدعوة الإسلامية حيث يستمعون فيه لما يسمى بمذاكرة المدينة وهي عبارة عن أسئلة مختلفة تطرح من قبل المعتكفين الحاضرين أو المشاهدين لقناة مدني الفضائية فيجيب فضيلة الشيخ محمد إلياس حفظه الله تعالى عليها بأسلوب علمي وبطريقة تربوية نافعة يُستمع إليه بلهفةٍ وشغف من عامة المعتكفين في تلك المساجد والمعتَكَفَات يستمعون له عبر قناة مدني الفضائية الخاصة ويوجّههم كأنه معهم وكأنهم بين يديه.

تلك هي نظرة شاملة وسريعة عن نشاطٍ من نشاطات مركز الدعوة الإسلامية في شهر رمضان المبارك، ومقصودنا من ذلك نشر الخير وتبليغه للناس وتشويقهم إليه، والتبشير بأن دين الله تعالى يسطع بنوره في قلوب أهل الإيمان واليقين وله مذاق خاص عندهم في شهر رمضان المعظّم، نسأل الله جلَّ وعلا أن يكرمنا وإياكم بالعفو والمغفرة والعتق من النار ببركة هذا الشهر الكريم والقرآن الذي أنزل فيه على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

اللهم آمين بجاه النبي الأمين والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية