هل البعثُ بعد الـموت يتعارض مع العلم والعقل؟ | الشيخ محمد قاسم العطاري


نشرت: يوم الثلاثاء،06-سبتمبر-2022


السؤال: الملحدون الذين لا يؤمنون بوجود الآلهة ولا البعث بعد الموت، يقولون: كيف يمكن قبولُ فكرةِ العودةِ إلى الحياةِ بعد الموت مع أنها متناقضة بالأدلة العقليّة والعلم؟ فبعد ما تتفرّقُ أجزاءُ الميّت وتنحلُّ وتتبعثر الذرّاتُ، ويتبدّد الكيانُ ويُصبح جمادًا، هل من المعقول أنْ تتألّف الأجزاءُ ويُبعث فيه الروحُ من جديد؟

الجواب: للإجابة على مثل هذه الأسئلة يمكنُ القولُ بكلّ بساطةٍ أنّ هذا هو العَلَم الذي يختفي وراءه أعداءُ الإسلام، فقضيّةُ القرآن أو الدين التي لا تُفهم بهذه السهولة التي ينسبونها إلى التضادّ بالعقل والعلم، وجملة "إنّه ضدُّ العقلِ والتقدّمِ العلمي" معروفةٌ شائعةٌ عند كل من يريد خرق العادات والتقاليد والأديان، ويُكرِّرونها في كلّ مناسبة، كما أنها تُستخدمُ في مجال الغيب أو ما بعد الطبيعة استخدامًا خاطئًا.

الجواب التفصيلي لهذا السؤال: هو أنّ الله تعالى قد تحدّث في القرآن الكريم عن يوم القيامة بأدلةٍ واضحةٍ جدًّا بحيث لا يمكن لصاحبِ العقل إنكارُها، وتفصيلُها كالآتي:

الأمر الأوّل: قول "لا حياةَ بعد الموت؛ لأنّ المرءَ عندما يموتُ ينتهي كلُّ شيء"، فهذا غيرُ صحيح، وهي ليست فكرة جديدة، بل كان كلّما بُعِث نبيّ إلى قوم، ويَذكر لهم الآخرة والقيامة، فكانوا يَردُّون عليه بنفس الجواب، وفي عصر الرسول ﷺ قال بعضهم ذلك، وذكره القرآنُ الكريم كالآتي:

﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ﴾

وهذه دعوى الكفّار وقد ردّ الله عليهم بقوله:

﴿وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ﴾

أي: كانوا يدَّعون أنّ هذه هي الحياةُ، فلا حياة غيرها، وكانوا يَعتبرون الوقتَ مؤثرًا في مماتهم لا غيره، وإنّ الله تعالى ردّ دعواهم فقال:

﴿إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤﴾

ثم طلب الله تعالى منهم أنْ يأتوا بالذي قال لهم: إنّ الموتَ يحلُّ عليهم بسبب مرور الزمن وليس هو من عند الله تعالى، فإذا كان لديهم دليل فليأتوا به، حيث قال:

﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤﴾

وما ذكره الله تعالى من أنّ الناس سيبعثون بعد موتهم قد يرِدُ عليه سؤال بأنّ أجسادهم قد تقطَّعت وعظامُهم قد تفتَّت، وكيانُهم أصبح ترابًا فكيف تتحوَّل هذه الأشياء إلى وجود؟

وهذا الاعتراضُ ذكره الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨﴾

ثم أجاب عن ذلك الاعتراض بقوله:

﴿قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩﴾

وإنّ الله يعلمُ كيف يعيدهم، سواء أكانَ قطرةً أو عظامًا أو كانت خَلية من خلايا العظام، وهو إذا كان قد خَلَق الإنسانَ من قطرةٍ فكيف يُستبعدُ عليه أن يجمعَ ذرّاته؟ وبمقابل هذا الدليل أيها الكفّار! أنتم تدَّعون: "الوقتُ هو الذي يُميت". أين الحجّةُ لهذا الادّعاء؟ في أيّ كتاب موثوق قرأتم أنّ الوقت يُميت؟ هل قرأتم في مكان ما أو شاهدتم أنه يُميت؟ أما دعوى القرآن الكريم بأنّ الله تعالى يجمعُ عظامَهم فقد قدم عليه دليلاً أيضًا بأنّ الذي خلقَ أوّل مرّةٍ لا تصعُبُ عليه الإعادةُ، وهو يَعلم جميعَ طرق الخلق، ثم ذكر الله تعالى قدرتَه، حيث قال:

﴿مَا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ﴾

أي: أيها الناس! خَلقُ مليارات الناس وبَعثُهم يوم القيامة يبدو لكم مستحيلاً؟ ألم يخلُقهم الله تعالى أوّل مرّة، وهذا كلُّه كخَلق نفسٍ واحدةٍ لا غيره، وهو قادرٌ على ذلك، فقال:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧﴾

ثم ذكر الله تعالى دليلاً آخر على ذلك يمكن فهمُه بسهولة، حيث إنّ الكفّار قالوا:

﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩﴾

فقد استغربوا البعث بعد الموت، وأنه كيف للعظام المفتّتة أن تُجمَع ويُبعث فيها الروحُ؟ فأخبرهم الله تعالى: أنّ قدرته مطلقة، فتأمّلوا بالنظر في ملكوتِه، وهو شيء عظيم، فقال:

﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ﴾

أي: أَوَ ليس الذي خلق السمواتِ والأرضَ وما فيهما بقادر على أن يخلق ويُوجِد الإنسان البسيط بالنسبة له؟ وهو كذرّة من جبل، فقال الله تعالى:

﴿بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١﴾

ثم قال في الآية التي تليها:

﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢﴾

وبالتالي أين المشكلة في إعادة الخلق؟

أمّا ما ورد في السؤال: أنّها متناقضةٌ بالأدلّة العقليّة والعلم؟ فيا ترى! كيف تناقض العلم؟ بل العلمُ يقول: إنني ما زِلتُ جاهلاً، إنني أعمى، إنني لم أصل بعد إلى دليل، كيف يُبعث الإنسانُ بعدَ الموت؟ ولكن العلمَ لا يدّعي أنّ الإنسانَ لا يخلق من جديد، وكم من الحقائق كان العلمُ يدعي بأنها لا تحدُث، ثم في النهاية ثبت أنّه كان مُخطئًا، مثلاً قول: "ألفُ طنٍّ من الحديدِ تتطاير في الجوِّ وتقطعُ سبعة آلاف كيلومتر في ساعات معدودة"، هل هذا القولُ كان معقولاً قبل فترة من الزمن؟ كلاّ، ولكنّنا نرى اليومَ أنّ الحديدَ يتطاير ويقطع المسافةَ على شكل الطائرة، فهل كان العلم جاهلاً في السابق؟ أمّا كان العلمُ يُدركُ ذلك؟ أم لم يفكر العلمُ في ذلك من قبل؟ فماذا حدَث بعد ذلك فهل بدأ يفكّر من جديد؟ المهم، أنّه يمكن للعقلِ والعلم أن يَنفيا الإدراكَ ويعترفا بالجهل، ولكن لا يمكن لهما أن يَدعيان أنّ إعادةَ الخلق مستحيلٌ على الله تعالى، وهو يُعيد الخلقَ بكلِّ تأكيد، فما قال الله تعالى هو حقٌّ، وذكر على ذلك أدلّة دامغة منها: أنّ الذي خلقكم من قطرةٍ واحدةٍ هل يصعب عليه أنْ يُعيد خلقكم؟ مَن خلق السماوات والأرض أليس هو قادر على أن يَخلقكم؟ قدرته مطلقة غير محدودة والحمد لله.

دليل عقلي آخر:

لو لم تكن حياةٌ بعد الموت، ونفترض أنّ المرء كان قد قتَل في حياته مئة ألف شخص، فهل يمكن الانتقامُ من شخصٍ واحدٍ لجميع هؤلاء المقتولين؟ هل يمكن أن يُعدَم مئةَ ألف مرّة؟ أو يُسجنَ مدى الحياةِ مئة ألف مرّة؟ أو يتمّ إعدامُه بإبرة الإعدام السامة؟ كلاَّ.

الشخصُ الذي ماتَ منتحرًا في غرفة الغاز بعد قتل الملايين، هل عُوقِب بشيء؟ لا، لم يُعاقب بشيء؛ لأنّه قتل نفسه.

إذن! ما هي الصورةُ التي يُعاقب المرءُ فيها على قدر جريمته؟ إنّها الحياةُ بعد الموت، يُحيي الله تعالى الإنسانَ لحياةٍ أبديّة، يُجزيه على الحسناتِ بالأجر والثواب كاملاً، ويُعاقبُ على السيّئات بالعدل والحكمة، ولو لم تكن حياةٌ بعد الموت فسيكون قتلُ الواحد وقتلُ الملايين متساويين.

وعكس ذلك أنّ من أنقذ حياة ملايين الناس، فبماذا يكافئ على هذا العمل العظيم؟ وبماذا يكافئ الشخصُ الذي نشرَ الخيرَ في العالم كلِّه وأهدى ملايين الناس إلى الصراط المستقيم، وجعلَ مئات الآلاف يتوبون عن المعاصي؟ وهل يكفي أنْ نضعَ في عُنقه عقداً من الألماس أو أمامه باقة من الزهور عوضًا عن تلك الأعمال؟ أو أن نَستَقبلَه استقبالاً حارًّا لنُقدِّمَ له جائزة؟ مثل هذه المكافئات الصغيرة تُعطى لأعمال بسيطة أيضًا، بل اللاعبُ الذي يفوز في مباراة كريكيت أو كرّة القدم يحصل على الجوائز أكثر ممّا ذكرنا، إذن! ما هو الفرق بين هذا وذاك؟ هل هما متساويان؟ كلاّ. وإذا لم يكن متساويين في العمل يجب ألاّ يكونا متساويين في المكافأة أيضًا، بل دعني أن أقول لك: إنّ الشخصَ الذي قضى حياتَه في خدمة الخير لا يمكن أن يكافئ عليها في الدنيا بأيّ حال من الأحوال مهما أُعطِي من المال الكثير والكنز الثمين، وأتساءل حتى لو أنه أُعطِي هذا القدرُ الكبيرُ من المال ماذا سيفعل به؟ لذلك فهو بحاجة إلى حياة ينتفع بها من المكافأة انتفاعًا كاملاً، إنّها حقًّا حياة الآخرة.

فإذا قيل بعد هذا: إنّه لا حياةَ بعد الموت، فنقول: إذن! لا فائدة من فعل الخير في الدنيا ولا ضرر بارتكاب السيّئات، فتكون الحياة فوضى يفعل المرء كما يشاء من خير أو شرّ؛ لأنّه لا يثابُ على الحسنات ثوابًا كاملاً ولا يعاقبُ على السيّئات عقابًا كاملاً، مع أنّ العقلَ يقتضي أن يُجزى على الأعمال الصالحة جزاء كاملاً ويُعاقب على الأعمال السيّئة عقابًا كاملاً، ولذلك قال الله تعالى:

﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥﴾

أي: هل تظنُّون أنّ الله تعالى خلقَكم مُهمَلين كما خلق البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها، بل إنّ الله يُؤاخِذُ كلّ مجرمٍ يقدم على السيّئات، ويُجازي أهلَ الطاعة، وهو صاحبُ الحكمة المطلقة والعدل المطلق.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مركز_فيضان_المدينة
#مؤسسة_مركز_الدعوة_الإسلامية

تعليقات



رمز الحماية