أنوار الحبيب ﷺ تضيء الظواهر والبواطن | المفتي محمد قاسم العطاري


نشرت: يوم السبت،15-أكتوبر-2022

أنوار الحبيب ﷺ تضيء الظواهر والبواطن

قال الله تبارك وتعالى:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦﴾

التفسير: العظمةُ الحقيقيَّةُ لرسول الله ﷺ لا يعلمُها إلا الله تعالى.

قال الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله تعالى في مديح رسول الله ﷺ وذكرِ مكانته: كيف يُمكِنُ لأهلِ الأرض أن يطلعوا على منزلتك يا رسول الله ﷺ؟ بينما ذكرُك مرفوعٌ حتى العرش المعلَّى

ولو أراد جميعُ أنواعِ مخلوقات للعالَم أن يَصفوا رفعةَ منزلة النبي ﷺ فلن يستطيعوا ولو استخدموا كلَّ ما يملكون من الأسباب والموارد والأوقات؛ لأنّ الله تعالى نفسه هو الذي رفع شأنَه حيث قال:

﴿وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ ٤﴾

ومنزلتُه تَرتفِع بين كل حين وآن، وذلك لقول الله تعالى:

﴿وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤﴾

الآيةُ التي ذكرناها في بداية هذا المقال فيها خمسُ صفاتٍ لرسول الله ﷺ :

الصفة الأولى:

أنه ﷺ شاهِد ، معناه:

• الحاضرُ والناظرُ، وكذا هو مَن يؤدِّي الشهادةَ أمام القاضي ونحوه، وفي "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني: الشُّهُود والشهادة "الحضور مع المشاهدة إمّا بالبصر أو بالبصيرة"

• لو أريد من الشاهد "من يُؤدّي الشهادةَ أمام القاضي" فهو الحاضرُ والناظرُ أيضاً؛ لأنّ الشاهدَ يُشاهِد الشيءَ، ثم يذكر ما شاهَده، في حين أنّ رسالةَ رسول الله ﷺ عامَّة كما قال الله تعالى:

﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١﴾

فتكون شهادتُه عامَّة أيضًا، والرسول ﷺ يظلُّ يُشاهِدُ الخلقَ كلَّهم حتى يوم القيامة، وعقيدةُ أهل السنة والجماعة هي أنّ رسولَ الله ﷺ حاضرٌ وناظرٌ بـ"عطاء الله تعالى"،

المعنى اللغوي للحاضر والناظر:

الحاضرُ هو مَن كان موجودًا، وهو ضدُّ الغائب، وللناظرِ معانٍ عديدة، ولكن المعنى الواحدَ منها واضح، وهو الْمُبصر.

المعنى الشرعيّ للحاضر والناظر:

هو صاحبُ القوَّة القدسية، ينظرُ إلى العالَمِ كلِّه كَرَاحةِ يده من مكان واحد، ويسمعُ أصواتَ القريبِ والبعيدِ ويسيرُ في العوالَم كلِّها في آن واحد، ويَقضي حاجات المحتاجين ولو كانوا بعيدين عنه مئات الأميال، سواء كانت السُّرعة فيه روحانية أم بجسد مثاليّ أو بالجسد الذي هو مدفونٌ في القبر أو موجود في مكان مّا، والدليلُ على هذه العقيدةِ آية قد ذكرناها في أعلى الصفحة

دليلُ عقيدةِ الحاضرِ والناظر من حديث رسول الله ﷺ:

1- قال رسول الله ﷺ:

إنّ الله عزّ وجلّ قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها، وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنّما أنظر إلى كفّي هذه

2- وكذا قال ﷺ:

إنّ الله تعالى زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض

3- وفي حديث آخر:

أنّ النّبيّ ﷺ قال: أتاني ربّي في أحسن صورة، فقال: يا محمّد (ﷺ)! قلتُ: لبّيك ربّي وسعديك، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ربّ! لا أدري، فوضع يدَه بين كَتِفَيَّ حتى وجدت بَرْدَها بين ثَدْيَيَّ فعلمتُ ما بين المشرق والمغرب

قال الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي رحمه الله تعالى: لم يختلفْ أحدٌ من أهلِ الحقِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ دائمٌ وباقٍ بحياته الحقيقية، وحاضرٌ وناظرٌ أحوالَ الأمة، ويقوم بإيصالِ الفيض إلى طالبي الحقيقةِ وكلِّ من يلتجئ إليه ويُربِّيهم أيضًا، وليس فيه شائبة المجاز ولا التأويل، بل بالضبط لا يوجد فيه وَهمُ التأويل

• وأحدُ معاني الشاهد "من يقوم بالشهادة أمام القاضي"، وذلك أنَّ رسول الله ﷺ سيَشهد على أمته يوم القيامة أمام الله تعالى:

• كما قال الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾

• وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

يجيء النّبيّ يوم القيامة، ومعه الرّجل، ويجيء النّبيّ معه الرّجلان، ويجيء النّبيّ أكثر من ذلك، فيُدْعَى قومُه، فيقال له: هل بلّغتَ قومَك؟ فيقول: نعم، فيُدعون، فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: أمّةُ محمّدٍ (ﷺ)، فتُدْعَى أمّةُ محمّد (ﷺ) فيقال: هل بلّغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيّنا ﷺ أنّ الرُّسُلَ قد بلّغوا فصدّقناه، فذلك قوله:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾

قَالَ: عَدْلاً،

﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾

الصفة الثانية:

أنّ رسول الله ﷺ مُبشِّر ، يعني أنّه يُبشِّر أهلَ الإيمان بالجنة:

وهو قد بَشَّر بالجنَّة عشرةً من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في مجلسٍ واحدٍ بشكل جماعي.

وخمسين صحابيّا غيرَهم بشكل انفرادي في حياتهم.

وقد بشَّر رسولُ الله ﷺ بالجنَّة الشيخين الكريمين رضي الله تعالى عنهما.

وجعل الحسن و الحسين رضي الله عنهما سيّدا شباب أهل الجنة.

وبشَّر فاطمة الزهراء رضي الله عنها بسيدة نساء أهل الجنة.

إضافة لذلك بشَّر رسولُ الله ﷺ أهلَ الإيمانِ والأعمالِ الصالحة والأخلاق الحميدة بالجنة أيضًا، بل أنه بشَّر الأمة كلها بالجنة بشارة عامة، قال العلامة إسماعيل حقّي رحمه الله تعالى بذلك قولاً رائعاً: وَمُبَشِّراً على الطاعة بالجنة والثواب وعلى أهل الطلب بالوصول

وبهذه الصفة أمرَ رسولُ الله ﷺ بالتبشير وعدم التنفير حيث قال:

يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا

الصفة الثالثة:

رسول الله ﷺ نذير ، أي: يُنذر الناسَ من عذاب جهنَّم، الطبيعةُ البشريةُ من أجل الإصلاح تحتاجُ إلى الإنذار والترهيب أيضاً إلى جانب الترغيب، والرسولُ ﷺ قد أنذرَ الكفارَ والفُسَّاقَ والفُجَّار من عذاب جهنّم بكل وضوح، كما ذكر رسول الله ﷺ في الحديث:

مَثَلي وَمَثَلكم كَمَثلِ رجل أَوْقَدَ ناراً، فجعل الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فيها، وهو يذُبُّهنّ عنها، وأنا آخذ بحُجَزِكم عن النّار، وأنتم تفلّتون من يدي

الصفة الرابعة:

رسول الله ﷺ داعٍ إلى الله تعالى ، أَيْ: يدعو الناسَ إليه، وهو يدعو الكفّارَ إلى الإيمان، والفسَّاقَ إلى التقوى، والغافلين إلى ذكر الله تعالى، والمتهاونين إلى العملِ الصالح، والمحرومين إلى التقرُّب، ويُوصل عبادَ الله الصالحين الذين انقادوا واستسلموا إلى حضرة الله تعالى للشرع من الظاهر والباطن، ودعوةُ الناسِ إلى الله تعالى كانت مَقصدًا أساسيًّا لابتعاث جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن النبي ﷺ كان قد تحمّل في سبيل ذلك المشاق التي لم يتحمَّلها أحدٌ غيره من الأنبياء والرُّسُل، والرسول ﷺ نفسُه قال:

لقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أَحَدٌ، ولقد أُوذِيتُ في الله وما يُؤْذَى أَحَدٌ

الصفة الخامسة:

رسول الله ﷺ سراج ومنير ، أَيْ: وهو مُضيء وسراجٌ يُضيء الدنيا، الرسولُ ﷺ يمحو ظلامَ الكفرِ والشركِ:

• وهو النُّور الذي حصل سيدنا أبو بكر الصديق بسببه على الصدّيقيّة، وسيدنا عمر بن الخطّاب على العدالة، وسيدنا عثمان ذو النورين على الحياء والكرم، وسيدنا عليّ المرتضى على العلم والعبادة رضوان الله عليهم أجمعين.

• وبهذا السراج رُزِق ياسرٌ وعمّارٌ وسُمَيَّةُ وخُبَيبٌ وصُهَيبٌ وبلال الحبشي الصبرَ والاستقامةَ رضوان الله عليهم أجمعين.

• وهذا هو السراج المنير الذي أضاء نجومَ الهدايةِ في السماء المليئة بالشجاعة العظيمة والهمّة العالية والمثابرة القويّة والإخلاص التامّ على شكل المجاهدين الذين صدقت فيهم هذه الأبيات الشعرية والتي معناها: يا إلهي! هؤلاء الغزاة عبادُك، فلا يعرفُ أحدٌ أسرارَهم، قد رَزقتَ لهم هيبةً ربّانيةً، وبِرَكْلَتِهم تنقسم الصحراءُ والبحرُ إلى جزئين، والجبالُ تُصبح هباءً منثوراً بسبب الخوف والهيبة.

• ضوءُ سراجِ النبوة أكثرُ شدّةً من آلاف الأقمار، بل جميعُ مصابيح العالم قد استناروا من هذا السراج، قال د. الشاعر محمد إقبال الباكستاني: أينما نظرتَ من عالم الألوانِ والمسك، وما ترى شيئاً يحمِل الأمنيات على وجه هذه الأرض فهي بسبب نور المصطفى ﷺ أو ما زالت في البحث عن نوره ﷺ

ويمكن أن تقول أيضاً في لغة المديح والثناء على رسول الله ﷺ:

اسمك الجليلُ أعزُّ الأسماءِ على الإطلاق يا رسول الله ﷺ! وبهذا الاسمِ تلمع الشمسُ والقمرُ والنجومُ. وبه العالَمُ كلُّه منوَّر، واسمُك سيُنَوِّر اسمي في الدنيا والآخرة.

اللهم ارزُقنا حبّاً صادقاً لرسولك المصطفى ﷺ، ونوِّر قلوبَنا بنورِ حبيبك ﷺ يا رب العالمين.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة

تعليقات



رمز الحماية