ليس كل معلوم يقال | طارق المحمد


نشرت: يوم الثلاثاء،01-نوفمبر-2022


مما قد شاع في السنوات الأخيرة في زماننا أنه يجب على العالم أن يُبْدِيَ رأيه في كل مسألة، ويعلّق على كل مُدْلَهِمَّة تعصف بالأمة، أو أنه يجب عليه أن يُظْهِر موقفه من جميع القضايا التي يُروّج لها في وسائل الإعلام أو ما يسمى بـ"وسائل التواصل"، وكثير من أولئك الذين يهتمّون بهذه البيانات ومشاركة الآراء والتعليقات يطلبون من بعض العلماء بيانًا وتوضيحًا يُخرجه ليبيّن موقفه من كذا وكذا.. وبعضهم يعتبر هذا البيان ضرورة وحقًّا يجب أن يتمّ الإعلان عنه ليُعرف!!

وفي هذه العجالة من مقالنا المقتضب نقول: إنه من العجيب والغريب أن يُقال مثل هذا الكلام أو يَصْدُر عن مثقّف أو متديّن فهم تديّنه ودينه، كيف تقول: إن الحقّ في البيان والإعلان؟ والحبيب المصطفى ﷺ وجّه للسكوت في بعض الأحايين حين قال:

"فليقل خيراً أو ليصمت"

فليس السكوت باطلاً على الإطلاق بل قد يكون هو عينُ الحق الذي يجب أن يُسلك.

ثم علينا أن نعلم بأنه ليس كل عِلم ينشر، وليس كل مسألة يلزم التحدّث بها، فكون أن فلانًا عالمًا أو له جماعة وتلاميذ ليس مكلّفًا ببيان موقفه في كل قضية، ولا سيما إذا كانت هناك ظروف ومنعطفات قاسية تمرّ بها الأمّة، فإن الحكمة أبلغ في كيفية اتخاذ الموقف الشرعي الذي يعرفه العالم في موقفه لا ما يطلبه الجمهور حسب رغبتهم أو عواطفهم.

فإن قلت هل لهذا من دليل؟ وهل لكم أسوة بأحد في هذا الفهم والتدليل؟

قلنا بل هناك أَدِلَّة كثيرة، منها:

ما ورد عن بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم فيما يدل على جواز كتمان الكثير من العلم إذا كان قد يسبّب فتنة أو مفسدة:

1- يقول سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:

حفظتُ منْ رسولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فأمّا أحدُهما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخر فلو بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا الْبُلْعُومُ"

2- وعن سيدنا يزيدَ بن الأَصَمِّ رضي الله تعالى عنه، قال: قيل لسيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:

كثرتَ أكثرتَ، قال: "فلو حدّثتُكم بكلِّ ما سمعتُ من النّبيّ ﷺ لَرميتُمُوني بِالْقِشَع، ومَا ناظَرْتُمُونِي". والْقَشْع: ما يُقلع عن وجه الأرض من الْمَدَر والحجر

فهل تأمّلتَ أيها الأخ اللبيب! هذا الصحابي الجليل وهو من الْمُكْثِرين من الرواية عن رسول الله ﷺ، كيف أحجم عن التحدّث بكلّ ما يعلم، مع جلالة قدره وصحبته لرسول الله ﷺ.

وها هو عاش حياته راويًا وداعية في الإسلام ولم يقل له أحدٌ من حمقى زمانه أنت أولى ببيان الحقّ أو يجب عليك أن تبيّن موقفك بدون رمادية وقد مرّ في زمانه ويلات وويلات.. وهو أيضًا مع فطنته ووقوفه مع الحقّ لم يقل هذا عن نفسه أنه يجب أن أقول: ما أعلم في وجه كل من لا يرغب.

ولقد ذكر الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى في موافقاته وهو من علماء الأصول والشريعة ومرجع في علم المقاصد هذا المعنى بقوله:

"ومن هذا يُعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يُطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم: فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص"

وهذه الجزئية التي يذكرها الشاطبي رحمه الله تعالى تختصر الحكمة لكل بليغ وتضع القاعدة لكل متحمّس غيور.

وبعد كلام الإمام الشاطبي الذي أشار فيه إلى أمور مهمّة في قواعد البيان والتحديث دعْني أن أذكر لك أخي العزيز! ما هو أعظم من ذلك دقّةً وحكمةً عند أهل العلم من أهل الله وأهل التربية والسلوك الذين يحرصون على تبليغ الشريعة وبيانها ظاهراً وباطناً في حق أنفسهم وفي حق غيرهم؟

فلقد ذكر الإمام الشعراني في "لواقع الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية" كلامًا عجيبًا يتعلق حتى في الإجابة الفردية فضلاً عن الجواب العام في الملأ حيث قال: "أخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ": ألاَّ نجيب سائلا سألنا عن مسألة في العلم إلا إن علمنا من أنفسنا، ومن السائل الإخلاص فإن لم نعلم ذلك تربّصنا بالجواب ولو مكثنا سنة وأكثر حتى نجد إخلاصًا؛ لأن الخوض في العلم بلا إخلاص معصية وبتقدير إخلاصنا في العلم دون السائل فلا نساعده عليه وطريقنا إذا علمنا من أنفسنا الرياء في العلم أن نجاهد أنفسنا على التخلُّص من الرياء فيه والإعجاب به ونأمر بذلك إخواننا ثم نعلمهم بعد ذلك، وكان سيدنا سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه إذا لاموه على عدم جلوسه لتعليم الناس العلمَ يقول: والله! لو علمنا منهم أنهم يطلبون بالعلم وجه الله العظيم لأتيناهم في بيوتهم وعلّمناهم ولكنهم يطلبون العلم ليجادلوا به الناسَ ويحترفوا به أمر معاشهم

وهذا ليس بسوء ظنّ من المعلّم كما قد يظنّ البعض بل هو من الفراسة والفطنة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، والحكمة التي يجب أن يتحلّى بها المتصدّر للتعليم.

ولسائل يسأل الآن فما هو ضابط ذلك؟ نقول ما قال الشاطبي في هذا قال: وضابطه:

"أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحّت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤدّ ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها؛ فلك أن تتكلّم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية"

هذه خلاصة نافعة إن شاء الله لطالب العلم في سلوكه وطريقه في الدعوة وهي إجابة مختصرة لمن يرتاب في سكوت بعض أهل العلم والدعوة عن بعض القضايا التي يخوض فيها العامة والخاصة وينأى الحكيم بقلبه ودينه أن يزج نفسه في ما لا طائل فيه، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الحكمة والفهم وأن يلحقنا بالصالحين والعلماء العاملين. آمين بجاه خاتم النبيين والحمد لله رب العالمين.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة

تعليقات



رمز الحماية