أهمية تعلّم علم العقيدة | الشيخ عادل ديري


نشرت: يوم الخميس،11-يوليو-2024

أهمية تعلّم علم العقيدة

إنَّ من أعظم نعم الله علينا أن جعلنا مسلمين ومن أمة سيدنا محمد ﷺ الذي جاء برسالة عظيمة مبنية على ثلاثة أسس هي: العقيدة والأحكام والأخلاق.

فالعقيدة التي أتانا بها النبي ﷺ من عند الله عز وجل هي عقيدة كاملة، وقد خاطبنا ربنا بقوله:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3]

فهذه الآية هي أعظم دليل على أنَّه ﷺ قد بلَّغنا هذا الدِّين على أتمِّ وجه، وإذا أردنا أن ننظر إلى تعلّم العقيدة وتعليمها ونشرها في عهد النَّبي ﷺ ينبغي أن نعود للعهد المكي من حياته ﷺ، فنجد أنَّه مكث ثلاثة عشر سنة يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ ليثبِّت التَّوحيد والعقيدة السَّليمة في قلوب النَّاس، كيف لا والله عزَّ وجلَّ يقول في كتابه الكريم:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف: 158]

فالنَّبي ﷺ بدأ في مكَّة المكرَّمة بتعليم العقيدة، ثمَّ بعد ذلك بدأ بتعليم الأحكام والأخلاق شيئًا فشيئًا، ولكن كان تركيزه على تعليمهم وحدانيَّة الله وعظمة الله والإيمان بالبعث بعد الموت والإيمان باليوم الآخر وما إلى هنالك من الحقائق الاعتقادية في دين الله عز وجل.

فبعد أن علَّمهم العقيدة علَّمهم الأحكام والأخلاق، فأولُ شيء ينبغي أن يتعلَّمه النَّاس هو العقيدة، كما رأينا ذلك في تعليم رسول الله ﷺ أصحابه، وبعدها تأتي الأحكام مبنيَّة على هذه العقيدة، فكانت شريعة الإسلام مكونة من عقيدة وهي الأساس.

وأحكام وهي الجذع المبني على ذلك الأساس.

وأخلاق وهي الثِّمار الَّتي تجنيها من ذلك الأساس وذاك الجذع.

فالعقيدة السَّليمة هي البذرة الطَّيبة الَّتي تُوضع في قلوب المؤمنين فتُنبت نباتًا طيبًا، وذاك النَّبات الطيِّب تُسيِّجُه الأحكام الشَّرعية من حلال وحرام ومكروه ومستحب ومباح، وهذا كلُّه ضُبط في علم الفقه وأصوله، ثم بعد ذلك تُثمر تلك الأحكامُ بتوجيهات كتاب الله وتوجيهات سنَّة النَّبي ﷺ الأخلاقَ الكريمة الَّتي دعا إليها النَّبي ﷺ بل حصرها بقوله:

إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق (البيهقي: ٢١٣٠١)

وكيف نصل إلى مكارم الأخلاق من دون التمكُّن من عقيدتنا؟ إذًا لا بُدَّ لنا من بُذور العقيدة السَّليمة ومن سياج الأحكام الشَّرعية القويمة ثُمَّ بعد ذلك تأتي الأخلاق الكريمة، لذلك كان النبي ﷺ يعتني بعقائد النَّاس في أول بعثته، ثم بعد ذلك لمَّا جاءت الأحكام وافقت قلوبًا مؤمنة.

صُور من تمكُّن العقيدة في قلوب الصَّحابة:

لو نظرنا إلى صحابة رسول الله ﷺ وصبرهم على الأذى الَّذي تعرضوا له في مكة لرأينا كيف تمكنت العقيدة في قلوبهم، فمثلا: ما الَّذي جعل كلام النبي ﷺ "اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة" ينزل بلسمًا على جراح ياسر وسمية وأولادهما؟ إنها قوة العقيدة بلا شك...

وما الَّذي جعل بلالا يثبت على ذلك التَّعذيب في الصَّحراء وقريش تضع الصَّخرة على صدره وهو يقول: "أحد أحد"؟ إنَّها قُوة العقيدة أيضًا...

وما الَّذي جعل سيدنا خباب بن الأرت يأتي إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويقول له: "يا رسول الله ألا تدعو لنا؟، ألا تستنصر لنا؟" وهو يعلم أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يعلم ما يجري مع أصحابه من بلاء وإيذاء وتعذيب وغير ذلك.

لذلك توجهت عناية النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في مكَّة المكرَّمة إلى ترسيخ العقيدة في قلوب الصَّحابة وبيانها وتعليمها وتذوقها، وأن تتحول العقيدة إلى قناعة عقلية قوية وإلى مشاعر إيمانية قلبية تملأ الفؤاد؛ عندها تُثمر تلك العقيدةُ السلوكَ الصحيح والأخلاق السليمة، فالعقيدة هي الأساس للأحكام وللأخلاق.

ومن هنا ظهرت لدينا حاجة عظيمة إلى تعليم النَّاس هذه العقيدة الإسلاميَّة الَّتي بلَّغنا إيَّاها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، خصوصًا ونحن نعيش ظروفًا صعبة في العالم بسبب اختلاط الأمم والمذاهب والفرق في شرق الأرض وغربها من خلال وسائل الإعلام وغيرها، ومن خلال ما تُصاب به الأمَّة الإسلامية من تشويه لعقيدتها وتحامل عليها ومحاولة لنقض بعض أصولها وإدخال الشَّك والرَّيب والزَّيغ في قلوب بعض المسلمين، صار لا بدَّ من أن نُحصِّن عقائدنا بدراسة منهجيَّة لهذه العقيدة، نتعلَّم فيها العقيدة ونتذوَّقها ونعيش معها فكرًا وقلبًا.

لماذا ندرس علم العقيدة؟

قد يقول قائل: لماذا نتعلَّم علم العقيدة ونحن نؤمن بالله ونؤمن برسوله ونعرف العقائد كما تقَّيناها من آبائنا ومن مجتمعنا؟

فنجيبه:

أولًا: العقيدة هي أساس الإسلام، فكلُّ من أراد أن يُسلم أول شرط له هو أن يتلفَّظ بالشَّهادتين معتقدًا بهما، وتوصُّله للاعتقاد الجازم بهما لا يكون إلا بعد تعلُّمٍ لعلم العقيدة.

ثانيًا: العقيدة هي الأساس في تمام الاستقامة فيما بينك وبين الله، فلا يمكن للإنسان أن يكون مستقيمًا وعقيدته فاسدة، والله تعالى يقول:

إِنَّ الَّذينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [ فصلت: 30]

ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:

مَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ (صحصح مسلم: 38).

وفي كثير من الآيات ورد قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...

وورد في كثير من الأحاديث قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر...

فالاستقامة والعمل الصالح هما نتيجة لصحة العقيدة وإحكامها علمًا وتذوقًا.

ثالثًا: العقيدة هي الشَّرط لقبول الأعمال عند الله تعالى، فكثير من النَّاس يعملون العمل الصالح في هذه الدنيا، ولكنَّ هذا العمل الصَّالح لا ينفع إلَّا إذا كان مقرونًا بسلامة العقيدة، كما قال الله تعالى:

وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء: 19]

وهناك الكثير من الآيات المشابهة لهذه الآية من حيث المعنى، لذلك لا بُدَّ لنا من تعلم العقيدة لأنَّ العقيدة هي شرط صحة الإيمان وقبول الأعمال عند الله عز وجل.

رابعًا: العقيدة الإسلامية توظِّف الحقائق الكبرى في الكون، ومعنى ذلك أنَّ الإنسان يعيش في هذه الدُّنيا وعنده أسئلة كثيرة متعلِّقة بهذا الوجود، وهذه الأسئلة لا يُجيب عنها إلا علم العقيدة، ومن هذه الأسئلة على سبيل المثال: ما هو أساس الكون؟ من الَّذي خلق الكون؟ ما هي صفات خالق هذا الكون؟ ماذا سيحصل بالإنسان بعد الموت؟ فهذه الأسئلة وما شابهها مهما كان الإنسان عنده علم لا يستطيع أن يصل إلى جواب لها إلا من خلال هذا العلم.

خامسًا: تعلُّم علم العقيدة يعين الإنسان على مصائب الحياة ويُصبِّره، فصاحب العقيدة الرَّاسخة مهما نزلت به مصائب يبقى مسلمًا زمام أموره إلى الله تعالى، موقنًا بأنَّ هذه المصيبة الَّتي نزلت به ما هي إلا تثيبت وتمكين لجذور إيمانه، فما أحوجنا اليوم إلى فهم هذا الأمر الَّذي هو الدَّواء الشَّافي.

سادسًا: علم العقيدة يُعرِّف الإنسان على واجباته في هذه الحياة، ويُوضِّح للإنسان لماذا جاء إلى هذه الدنيا وما هي وظيفته وواجباته في هذه الحياة.

سابعًا: العقيدة تحمي الإنسان من الشُّبهات الواردة، مثل: التَّشكيك في وجود الله وفي وحدانيَّته، التَّشكيك في القرآن، التَّشكيك في نبوَّة سيِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، التَّشكيك في القضاء والقدر، وما إلى هنالك من الأمور الَّتي اتَّخذها أعداء الإسلام هدفًا لهم لكي يهدموا هذا الدِّين على حسب زعمهم.

انتبهوا لهذا الأمر الخطير:

إنَّ الشُّبهات الَّتي تردنا بعضُها يأتي من غير المسلمين، ومثل هذه الشُّبهات أمرها سهل، لأنَّنا نعلم أنَّ هذا الشَّخص غير مسلم، فنحذر من كلامه ونجتنبه، ولكنَّ الأمر الخطير هو أنَّ بعض الشُّبهات أصبحت تردنا وتدخل علينا ممن يدَّعون الإسلام ويدَّعون التَّمسك بالكتاب والسُّنة ويدَّعون بأنهم أتوا لتصحيح الدِّين وتصحيح اعتقاد النَّاس وما شابه ذلك، فصار لا بُدَّ أن يتنبَّه النَّاس إلى خطورة هذه الإشكاليات الَّتي تُطرح من قبل البعض.

وفي الختام:

صار من الحزم على شبابنا وعلى المثقَّفين فينا وعلى عامَّة النَّاس أيضًا، أن يدرسوا العقيدة ويتمكَّنوا منها، وأن لا يكتفوا بتلقِّيها كما كُنَّا نتلقَّاها سابقًا عن آبائنا وعن أجدادنا وعن مجتمعنا من خلال مشاعر قلبيَّة فيها الصَّحيح وفيها غير ذلك، فالمطلوب منَّا الآن أن ندرُس العقيدة دراسة علميَّة منهجيَّة واضحة على أيدي العلماء، كي تكون راسخة في عقولنا بالأدلَّة والبراهين والحجج العقليَّة والنقليَّة.

نصيحة من القلب...

تعلُّمنا لعلم العقيدة ينبغي ألا يقتصر على البراهين والأدلة والمعلومات العقلية الَّتي نسمعها وندرسها ونحفظها، بل ينبغي أن نعيش مع هذا العلم وأن نطبقه فكرًا وعملًا حتَّى نتذوَّق طعم الإيمان كما ذاقه صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة
#مجلة_فصلية

تعليقات



رمز الحماية