عنوان الكتاب: المحاضرات الإسلامية (الجزء الثاني)

الله تعالى عليه وسلّم من أن يحسّ بشدّة ألَمِ ضرَباتِ السُّيُوْف وسكَرات النَّزْع، وأمّا من مات على فراشه فتَمُرّ به جميع مراحل الشِّدّة والْمَرارَة، وهو يَسْتَشْعِر بها، لما روي عن سيّدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام أنّه قال لملَك الموت عليه السلام: هل تَسْتَطِيْع أن تُرِيني صورتَك التي تَقْبِض عليها رُوْح الفاجر؟ قال: لا تطيق ذلك، قال: بلَى، قال: فأَعْرِضْ عنّي فأعْرَضَ عنه، ثم التَفت فإذا هو برجلٍ أَسْود، قاتمِ الشَّعْر، مُنْتِن الرِّيْح، أسود الثياب، يخرج من فيه ومناخيره لَهيبُ النار والدُّخَان فغُشِي على سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، ثم أفَاق وقد عاد ملَكُ الموت إلى صورته الأُولى فقال: يا ملَكَ الموت لو لم يَلْقَ الفاجرُ عند الموت إلاّ صورةَ وجهك لكان حَسْبه([1]).

أيّها المسلمون: فما بالُنا نَعيش مُطمئنِّيْن ونَنسى الموت وكُرُباته ونَتلَهّى عن أهواله وسَكَرَاته وإنّ كلّ نفس نَتنَفَّسه يسير بنا نحو الموت قََدَماً، وأيّامُ حياتنا ولَيَاليها تُقرِّبنا من الموت ساعةً بعد ساعة، ومَهْمَا ينعم أحَدُنا بربيع الحياة، فسوف يأتيه خريف الموت، ومهما يعيش أحَدُنا عيشَ تَنعُّم وتَرفُّه، فسوف ينتهي الكلّ يوم يأتيه أجَلُه, ومهما يفرح أحَدُنا بمُصاحَبة



([1]) ذكره الغزالي في "إحياء العلوم"، كتاب ذكر الموت، باب في سكرات الموت، ٥/٢١٠.




إنتقل إلى

عدد الصفحات

259