كيف نستقبل رمضان؟


نشرت: يوم الجمعة،10-أبريل-2020


الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:

ذكريات رمضان:

بِتذكُّرِ شهر رمضان تتحرّك في نفس المسْلم مجموعة أحاسيس تجذبه إلى أسمى مقامات الخُلق الرفيع، كيف لا وهو شهر المخالفة للنفس الأمّارة، وشهر العفْو والصفح! وهذا ما عبّر عنه سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله:

فإنْ سابَّهُ أحدٌ أوْ قاتَلهُ فَلْيَقُلْ: إِنِي صائِمٌ، إِنِي صائِمٌ. (أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى (١٩٠٤))

نعم ينتعشُ قلب المؤمن وروحه في رمضان بنفحات الإيمان والقرآن، كيف لا وهو شهر المغفرة، وشهر العبادة من صلاة وصلة، وذكر وصدقات، وبرّ وقربات! وهو شهرٌ تغلَّق فيه أبواب النّيران، وتفتّح به أبواب الجِنان، وهو الشّهر الذي تنزّل فيه القرآن!.

وتهبُّ بالمسلم فيه نسَمات العزّة والنصْر عندما يستعرض الانتصارات والفتوح في شهر الصيام، بدءاً من غزوة بدر الكبرى وفتح مكة ومعركة حطين إلى استرداد بيت المقدس من الصليبيين بقيادة صلاح الدين وفتح القسطنطينية ومعركة عين جالوت وفتح الأندلس وغير ذلك من المشاهد التي غيرت مجرى التاريخ.

كيف نستقبل رمضان:

تمرّ تلك المعاني السابقة بالمسلم فتولّد عنده حباً وشوقاً لشهر رمضان، فيسعى للاستعداد له قبل مجيئه، أرأيت لو علمت أن ضيفاً شريفاً كريماً سينزل عندك بعد أيام؟ كيف سيكون حالك؟

لا شك أنك ستبذل قصارى جهدك لاستقباله، وتتهيّأ له وتُهيّئ،فكيف نستقبل شهر رمضان المبارك؟

أولاً: بالتوبة الصادقة لله تعالى عن كل الذنوب، وخاصة تلك الذنوب التي تمنع مغفرة الله تعالى في هذا الشهر. ومن تلك الذنوب: الشحناء والبغضاء وشرب الخمر والاستكبار وعقوق الوالدين وغيرها..

ثانياً: بالتهيّؤ لرمضان بإنهاء زحمة الأعمال الدنيوية التي تشغل عن العبادة قبل حلوله، فلا يليق أن يأتي الضيف والمضيف عنه مشغول، لا بد أن يُشغل نفسه به لا عنه..

ثالثاً: بالمحاسبة للنفس على ما مضى من العمر والأوقات، واغتنام الخير في أيام رمضان واستشعار النفحات بالتزام الطاعات، فلأهل الدنيا وقت يحاسِبون فيه عمّالهم ويحسِبون نسبة أرباح تجاراتهم أو خساراتهم، والمؤمن يحاسب نفسه على أنفاسه وأوقاته، وشهرُ رمضان فرصة عظيمة لمحاسبة النفس وتزكيتها ومجاهدتها، فشهر رمضان إذنْ هو شهر محاسبة النفسوالسموّ بها لمحابّ الله تعالى ومراضيه.

رابعاً: بالتدرّج في الإقبال على أنواع العبادة قبل مجيء رمضان، من صلاة وصيام وقرآن، حتى إذا دخل شهر رمضان يجد المسلم نفسه قد تروّضت على الطاعة، فأصبحت توّاقة نفسه للازدياد منها، فيخصّص المسلم كل يوم من وقته جزءاً لقراءة القرآن الكريم، وجزءاً للصلاة في الليل وهكذا سائر العبادات والطاعات.

فالاستعداد لرمضان يكون بالمبادرة على التهيّؤ لقيام الليل، وصلاة التراويح، وتلاوة القرآن، والتهجّد بالليل، ونوافل الصدقات والعبادات.

خامساً: العزم الأكيد على اغتنام ساعات هذا الشهر العظيم بالصيام، والإكثار من فعل الخير وسائر أنواع البرّ كما جاء في وصف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عن ابنِ عباسٍ، رضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُمَا، قالَ:

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. (متفقٌ عليه)

شهر رمضان دورة تدريبية ومدرسة محمدية:

المسلم في شهر رمضان يخالف نفسه وشهواته فيترك الطعام والشراب، فيتولّد من ذلك المراقبة والإخلاص لله تعالى،

يَترُكُ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهوتَهُ مِن أجلي.(رواه البخاري)

ولقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الصوم إلى حسن الخلق، وترك مقابلة الإساءة بالإساءة، وهذا الخلق خلق المقرّبين من عباد الله تعالى، كيف لا يكون ذلك وشهر رمضان هو شهر القُرْب والقُرَب!

الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإذَا صامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إني صَائِمٌ إني صَائِمٌ مَرَّتَيْن.(رواه البخاري ومسلم)

فيصحّح المسلم علاقته بالله تعالى وبعباده في شهر رمضان، لتشرق أنوار هذا الشهر بعد ذلك على أيام السنة كلها.

من أهم أعمال رمضان:

أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى ما تعدّى نفعه للآخرين، والخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله تعالى أنفعهم لعياله، ومن تلك الأعمال:

أولاً: المواساة: وهي كلمة عريضة لا تقتصر على الصدقات، وإنما جبر الخواطر وتطييب القلوب وإدخال السرور على قلوب من أحرق الأسى قلبَه، وأوهنت المصاعب والنكبات عزمه، فبالمواساة تنجبر القلوب.

وتفقّد الفقراء في زمن الابتلاءات والحروب أولى وخصوصاً حين يكْثر المحتاجون ويقلّ فيه من يهتمّ بهم لكثرتهم، أو لعموم البلاء وصعوبته..

ثانياً: الشعور بحال الفقراء والمساكين وتقديم يد الخير إليهم: وعلى المتصدّق ألّا يعتقد لنفسه المنَّة والفضْل، بل يستشعر المنَّة والفضل للفقير لأنه كان سبباً لنيله الثواب العظيم بقبوله لتلك الصدقة، ويشْكر الله تعالى أن وفّقه ورزقه التصدّق.

ثالثاً: تفطير الصائمين: وهذا عام سواء للفقراء والأغنياء، فعلى الصائم أن يحرِص على تفطير الصائمين لكسب الأجور، ويتحقّق له معنى المواساة الحقيقي عملياً في شهر رمضان المبارك ويتحقّق تفطير الصائمين بأقلّ ما يُسْتَطاع ولو تمرة أو مذقة لبن، ويكتب الله له مثل أجر الصائم، فتأمّل أخي القارئ ما أعظم فضل الله تعالى إذْ جعل فضل تفطير الصائمين يناله الفقير كما يناله الغني.

رابعاً: مقابلة الإساءة بالإحسان، وترك السِّباب والشَّتام: وفي الحديث:

فَإنْ سابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، (مرَّتَينِ).(رواه البخاري ومسلم)

ومن أهم أعمال رمضان: المحافظة على صلاة الجماعة، والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، وصلاة التراويح عشرين ركعة مع الجماعة حتى ينصرف الإمام، أو مع العائلة في البيت في بعض الأحوال التي تمرّ بالمسلمين كما هو حال المسلمين اليوم من عدم الخروج إلى المساجد بسبب الأمراض ووباء كورونا الذي انتشر في العالم، وكذلك التهجد وختم ذلك بالوتر، والإكثار من أعمال البر والخير التي تتعدّد في رمضان، ويتضاعف أجرها من الرحيم الرحمن.

أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ العِبَادِ ... لِتَطْهِيرِ القُلُوبِ مِنْ الفَسَادِ
فَأَدِّ حُقُوقَهُ قـَوْلاً وفـِعْلاً ... وَزَادَكَ فاتَّخِذْهُ لِلمَعادِ
فَمَنْ زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا ... تَأَوَّهَ نادِماً يَوْمَ الحَصَادِ
(لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب)

وأجمل شيء في المسلم أن يدْخل عليه هذا الموسم، ويخرج منه بالربح والقبول، كما كان هو حال السلف رضي الله عنهم، ومن أهمّ علامات القبول له، أنه يتابع أعمال البر والخير، فإن قصَّر كان أسرع الناس إلى التوبة والندم.. اللهم اجعلنا من المغتنمين لهذا الشهر الكريم مع القبول والإخلاص يا رحمن يا رحيم.

تعليقات (1)



رمز الحماية