لمحة مُوجَزَةٌ عن الدَّاعية الإسلامي الشيخ محمّد إلياس العطار القادري حفظه الله


نشرت: يوم الأَربعاء،28-أبريل-2021


وُلِدَ فضيلة الشيخ في ٢٦ من رمضان المبارك عام ١٣٦٩ الهجري الموافق بـ ١٢ من يوليو ١٩٥٠ الميلادي في مدينة كراتشي بباكستان، وهو يَنتمي إلى أسرةِ مَيْمَنْ وهي أسرة مشهورة في باكستان، تُوفي والدُه الحاجُّ عبدُ الرحمن القادري أثناءَ رحلةِ الحجِّ وهو ابنُ سنتين تقريبًا، تعلَّمَ العلومَ الدِّينيَّة والدُّنيويَّة في المنطقة القديمة لمدينة كراتشي، انتقلَ أخوه الأكبر عبدُ الغني إلى رحمة الله تعالى وهو ما زال شابًّا يافعًا، فوَقعتْ مسؤوليَّةُ البيتِ على عاتِقه، ولأجل ذلك تحوَّلَ من حِرفةٍ إلى أخرى أثناءَ تلك الفترة، ولحرصه على العلم والتعليم الدِّينِيّ لازمَ المفتي محمد وقار الدين القادري شيخَ الحديث في دارِ العلوم الأمجدية بكراتشي، وظلَّ في خدمةَ وحضرته يَنهَلُ منه العلومَ والفنونَ قرابة اثنين وعشرين عامًا، وهو مريدٌ عند شيخِ العربِ والعجَمِ قطبِ المدينة العلامةِ ضياءِ الدينِ أحمد المدني، وأخذَ الطريقةَ عن المفتي شريف الحق الأمجدي شارح البخاري وكذا عن خليفة قطب المدينة مولانا عبد السلام القادري، وعن ابن قطب المدينة مولانا فضلِ الرحمن المدني وغيرِهم الكثيرين، وبهذا يكون قد جمع بين الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ على حد سواء.

فقد أجازه فحُول علماء العرب والعجم في سند الحديث الشريف وسائر العلوم الإسلامية وعلى رأسهم من علماء العرب فضيلة الشيخ الدكتور السيد الشريف عبد العزيز بن محمد سهيل الخطيب الحسني الشافعي الدمشقي شيخ الطريقة الشاذلية بدمشق.

ولِعَ حفظه الله تعالى بالعلم وصُحبة أهلِ العلم منذ حداثة سنِّه، فكان يتنقَّل لطلبِه بين الحلقات والدروس من نُبهاء عصره، وقد تسلَّم مقاليدَ إمامةِ "نور مسجد" في حي "مِيتَا دَر" ثم "شَهيد مسجد" في حي "خارا دَر" في طَور شبابه، وبقي يشارك في الأنشطة الدينية والعلمية والاجتماعية بهدف بِناءِ المجتمع الإسلامي الصحيحِ، وقاوَمَ بقوة وصبر سوء التصرفات والإساءات من بعض المسلمين، وما كان منتشرًا في الآونة الأخيرة بشكلٍ عجيبٍ من المخالفات، وبدأ يصححها بطُرق عمليةٍ وعلمية، فذاعَ صيتُه بهذا الشأن منذ شبابه، وتحقيقًا لهذا الهدف المنشود أَسَّسَ الشيخ مركز الدعوة الإسلامية في ٣ ذي القعدة عام ١٤٠١ هـ/ الموافق بـ ٢ سبتمبر ١٩٨١ م، فتولَّى رئاسة المركز والحمد لله، وواصلَ جهودَه في هذا الاتجاه بكل صدقٍ وإخلاصٍ، وبفضلِ الله تعالى رزقه الله الخشية منه تعالى وأكرمه بمحبّةٍ عملية لرسول الله صلَّى اللهُ تَعالى عليه وآله وسلَّمَ واستقامةٍ في الدين، إضافةً لحسْنِ سمْتِهِ ونُبْلِه في خُلُقه، ورِقِّةٍ في أسلوبه، وحكمةٍ في دعوته، فكان ذلك محلاً لقبوله عند الناس فانضموا إليه متعاونين معه في مركز الدعوة الإسلامية أفواجًا، تلبية لدعوته الكريمة في خدمة الدين، فوصلتْ خطاباتُه الدعويَّة الهادفةُ كلَّ بيتٍ وقريةٍ بسُرعة هائلة، إنه خطيبٌ مفوِّه، وكاتبٌ بليغٌ، ومُفكرٌ دقيق النظرِ، وشاعر مؤثر، ومُدير ناجح ذو مَهاراتٍ عاليةٍ ومُصلح اجتماعي.

وهو داعيةٌ واقعيٌ يستخدم كل وسائل الدعوة الحديثة في خدمة المسلمين، حسبَ تطوُّر وسائلِ الدعوة، لأنها أصبحت من الحاجات الملِحَّة لإيصال الخطاب الدعوي إلى العالَم كلِّه، وبطرُقٍ سريعة من أجل مواكَبة الأحداثِ والوقائع ومُتطلَّبات العصر، ولذا أُطلِقتْ ثلاث قنوات فضائية مستقلة في ثلاثِ لغاتٍ حية (الأرديةِ والإنجليزيةِ والبَنغالية) عبر ستةِ أقمارٍ صناعية تحمل الجميعُ اسمَ "قناة مدني" وهي أشهرُ قنوات دينيةٍ بحتةٍ في شبه القارة الهندية، هدَفُها ترسيخ القِيَم الإسلامية في الجيل الجديد من الأمَّة، ومن أهمِّ برامجها: "مذاكراة المدينة" وهي ندوةٌ علميَّة يُجيبُ فيها الدَّاعيةُ الشيخ محمد إلياس العطار القادري على أسئلةِ الناس بطريقة علميَّة رائعة ومتميزة، يخاطب فيها القلوب والعقول ويحرّك فيها الوجدان، وقد تجاوزتْ خطاباتُه المسَجَّلة بالصوت والصورة أكثر من ١٦٠٠ درس ومحاضرة، أما عدد المشاهدين فلا يحصر، فخطابُه الدعوي أثَّر في قلبِ كلِّ مسلمٍ استمع إليه، فأحدث التغيير فيه نحو الأفضل إن استمع إليه بصدقٍ، فهو ذُو مَقدرةٍ بالِغةٍ على جذب النُّفوس واستمالة القلوب إلى البرّ والخير، يتميِّزُ بفصاحة اللسان والحكمةِ في التفكير والقبول لدى الناس، كما أنه جميلُ البيان، يصدق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا. (صحيح البخاري، ٣/٤٤٦)

نعم إن خطابه يُبدِّد الظُّلمةَ بكل أنواعِها، ويُخرجُ المستمع إليه من اليأس إلى ضوء الأمل والطُّموحات العالية، ويجدُ المرءُ في كلامه حلاوة الإيمان وحلّاً لمشكلاتِ تعترضه في حياته، فيفهم الحكمة من المصائبِ الدِّينية والدُّنيوِية. أما مؤلفاتُه فتتَّصفُ بالمنهجية العلمِية، وهي ترتَقي لمرتبة عالية من حيث اللغةِ والعلمِ والأدبِ، ففيها درَرٌ ثمينةٌ للباحثين، ولها مسَاهمة كبيرةٌ في جميع ميادين الحياة وتنمية المجتمعات وتحقيق الإنجازات، وقد صدر له حتى الآن ١٨ كتابًا و١١٧ رسالةً، وبعضُ كتبه طُبعت بكمِّيَّة هائلةٍ في فترات قصيرة نتيجة لقبولها بين الناس والطلبِ المتزايد عليها، وهي كالآتي:

اسم الكتاب اللغات سنة الطباعة أرقام الطبعات عدد المطبوعات
صلاة النساء ٣ ٢٠٠٨/٢٠٢٠ ٢٧ ٨٨٥,٠٣٦
أحكام الصلاة ٣ ٢٠٠٩/٢٠١٩ ٢٧ ٥٦٦,٠٥٤
نفحات رمضان ٣ ٢٠٠٩/٢٠٢٠ ٢١ ٢٦٦,١١٧
مجموعة الأوراد والأذكار ٣ ٢٠٠٨/٢٠١٩ ٣٧ ١,٨٧٣,٤٩٢
نفحات السنة ٣ ٢٠٠٦/٢٠١٩ ٢١ ٣٤٢,٠٤١
الشجرة العطارية ٤ ٢٠٠٩/٢٠١٩ ٢١ ١,٩٤٨,٥٨٦
رفيق الحرمين ٣ ٢٠٠٩/٢٠١٩ ٣١ ٦٢١,٩٩٦

ويتضح من هذا الجدول أنه كاتبٌ ناجحٌ ومحبوبٌ بين الناس، قُرَّاءُ كتبه تجاوزوا الملايين، ويمكن معرفة مدى قبولها أيضاً من ترجمتها التي وصلت إلى ٣٧ لغةً في العالم، كما أن ديوانَه الشعري "وسائل بخشش" (وسائل الغفران) مقبول بين الناس ومرجع مطلوب.

هذا وإن تطوُّر مركز الدعوة الإسلامية وتقدّمه الملحوظ في فترةٍ قصيرةٍ جِدًّا دليلٌ واضحٌ على مَهارة الشيخ حفظَه اللهُ تعالى في الأمور الإدارية، ومُساهمته الكبيرة في تربية الأفراد والمجتمع.

وقد سافَر الشيخ حفظَه اللهُ تعالى مراتٍ عديدة بُغْيَةَ الدعوة وإصلاح الناس إلى مناطق بعيدة في باكستان وخارج باكستان كالعراق، وجنوب أفريقيا، والإمارات العربية المتحدة، والهند، وأهَّلَ دعاةً مخلصين وداعياتٍ مخلصاتٍ في التربية والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وزودهم بأساليب دعوية جميلة لدعوةِ غير المسلمين إلى الإسلام.

رتَّبَ الشيخ حفظَه اللهُ تعالى برامج عديدة لإصلاح الناس، منها: قصيرة المدى، والأخرى متوسطة المدى، وهناك بعيدة المدى، فمن ضِمن قصيرة المدى: مُحاسبَة النَّفس كل يوم، وأهميتها مطلوبة في جميع أمورِ الحياة، وهي تُورِثُ تزكيةَ النفس، وتنقيتَها من أدران الذُّنوب والآثام، لأن إهمالَ متابعة الأعمال يؤدِّي إلى الفسادِ بكل أنواعه، ولأجل ذلك عرَّفَ الشيخ حفظَه اللهُ تعالى بجَدول الأعمال اليوميَّة للتقييم الذاتي أو ما يُسمى بـ"محاسبة النفس" فيُملأه المؤمن يوميًا وبشكل مُنتظم، وبحمد الله فإن الناس الذين يقومون بإصلاح أنفسهم بهذه الطريقة يصل عددُهم إلى الملايين

وكذلك بدأ الشيخ حفظَه اللهُ تعالى بعقدَ الاجتماع الأسبوعي في المقَر الرئيسي في البداية ثم وسَّع نطاقَه إلى العالم كلِّه بحيث وصل عدد المجالس للرجال ١٥٩٩ اجتماعًا، وللنساء ١١٠٤٥ اجتماعًا أسبوعياً، بالإضافة إلى ذلك يسافرُ عددٌ كبيرٌ من الناس في سبيل الله تعالى وبشكل دوريٍّ لأغراضٍ دعويَّةٍ ولِفَتْراتٍ مُختلفةٍ لا تقلُّ عن ٣ أيامٍ، والبعض يسافر لمدة ١٢ يومًا والبعض لمدة شهرٍ والبعض لمدة سنةٍ، وفي الحقيقة تُعتبرُ هذه الرحلات هذه فُرصَةٌ عظيمة لتعلُّم أحكام الشريعة وتعليمِها من خلال الصحبة مع طلبة العلم ودعوة الآخرين إلى حلقات العلم، جديرٌ بالذكر أن الشيخ حفظَه اللهُ تعالى أيضاً هو شيخ الطريقة العطارية القادرية وله الملايين من المريدين في باكستان وحول العالم.

أطلَق الشيخ حفظَه اللهُ تعالى برامجَ عديدةً لتطوير الذات وبناءِ المجتمع الإسلامي القوي الفعالِ ولتحسينِ قدرات الفرد الشخصية وإمكانياتِه ومؤهلاتِه، ولتحقيق هذا الهدف تم افتتاح ١٠٨ من الأقسام حتى الآن، من أهمِّها قسمُ تَقنية المعلومات الذي أطلق ٣٠ تطبيقًا إلكترونيًا، و٣٣ موقعًا لأقسام متعددة في المركز الدعوي، يزداد عددُ مستخدمي مُنتجات قسم تقنية المعلومات للمركز يومًا بعد يوم.

إضافة لما سبق فإن الشيخ حفظَه اللهُ تعالى اهتمَّ بالمؤسَّسات التعليميةِ اهتمامًا بالغًا، للطلاب والطالبات الصغارِ، فأَسَّس دارَ المدينة بنظام التعليم الإسلامي، ولها في باكستان ٣٨ فرعًا وفي الهند، وسريلانكا، وبريطانيا وأمريكا ٦ فروعٍ، وهي مُرَخَّصة من (Ofsted) مكتب المعايير في التعليم لخدمات ومهارات الأطفال في بريطانيا، وكذا من(CCLD) قسم ترخيص الرعاية المجتمعية لوكالة(CDSS) وزارة الخدمات الاجتماعية في كاليفورنيا

وللكبار أُقيمتْ المعاهدُ الشرعيةُ على منهج الدرس النظامي التي تُسمَّى بجامعة المدينة، وعددها ٨٢٠ فرعاً حتى عام .......، ويدرس فيها ٦٢٦١٨ طالبًا وطالبةً، ووصل عددُ المتخرجين منها حتى الآن قرابة ١٠٨٥٦.

وعددُ مَدارس المدينة ٣٩٤٤، يدرس فيها قرابةَ ١٧٤٤٤٧ طالبًا وطالبةً، ويحفظون فيها القرآن الكريم ويتعلمون قراءتَه، ووصل عددُ المتخرجين منها حتى الآن قرابة ٢٩٠١٥١.

وقد قام المركز العلمي للبحوث والدراسات الإسلامية "المدينة العلمية" بإصدارات عديدة للكتب المحققة والمترجمة وقد وصلت إلى ٥٧٠ كتابٍ، كما أن منشورات مكتبة المدينة للنشر والتوزيع وصلتْ إلى الملايين، علمًا أن إصداراتِها عاليةُ الجُودة من حيث المضمون والطباعةِ وتُوزَّع على الناس بشكل شِبه مَجَّاني، ومن أهم منشوراتها المجلة الشهرية باسم" فيضان مدينة" التي تصدر بثلاث لغات الأردية والإنجليزية والغوجراتية، ومجلة " نفحات المدينة " باللغة العربية وتُنشرُ فيها الأبحاث العلمية لكبار الدعاة والمفتين.

والجدير بالذكر أن الشيخ حفظه الله تعالى لا يؤمن بالمركزية في اتخاذ القرار أو احتفاظِ الصلاحيات والسلطات في الأمور الإدارية بيده فحسب، بل يُعطي الحرية الكاملة للآخرين لكي يشاركوا في تطوير هذا العمل المبارك، فقرَّر إعداد هيئة استشارية يرأسها مسؤولٌ ذو كفاءة عالية، لا يُتَّخذُ القرارُ المتعلقُ بالأمور الإدارية منها؛ مثل التخطيطِ والتوجيهِ والإشرافِ والرقابةِ إلا بموافقة هذه الهيئة، إذَن خدمات الشيخ حفظه الله تعالى في نهوض الأمة الإسلامية واضحة وضوح الشمس ومعترفٌ بها عالميًّا وواقعيًّا بفضل الله تعالى وتتعدد في كافة المجالات.

تعليقات



رمز الحماية