دور المعلم في تربية الأجيال ونهضتها | الشيخ محمد إلياس اليماني


نشرت: يوم الأَربعاء،29-سبتمبر-2021


قال الله تعالى في محكم تنزيله:

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ.(التين: ٤)

يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان مزينًا بالعقل، مؤديًا للأمر، مهديًّا بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. يقول ابن العربي حمه الله تعالى: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًّا عالماً. (تفسير القرطبي:٢٠/١١٤)

وعلى الرغم من أن الله عز وجل خلق الإنسان وأمدّه بأدوات معرفية من الحواس الخمس والقلب، والعقل، وهذا ما تميّز به الإنسان عن غيره إلا أنّ كل هذه الأدوات تحتاج إلى من يوجهها بالتعليم حتى يتم استغلالها على أكمل وجه، وهذه هي وظيفة المعلم، ومن هنا يتضح لنا الحاجة الملحة لوجود من يعلمنا ويرشدنا إلى الحق حتى يضعنا على طريق المعرفة الكاملة للواقع الذي نعيشه، ومن هنا تكمن أهمية المعلم في المجتمع.

فهو الذي يوجّه الإنسان إلى الطريق المستقيم، ولذلك أرسل الله الرسل والأنبياء عليهم السلام ليربوا الناس على الحق ويزكيهم وهذا هو الهدف الهام لرسالة سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ لأن هدف رسالته ﷺ هو تربية النفوس وتزكيتها قبل أن تكون رسالة تشريع بل إنَّ ما جاء به في رسالته من تشريع فهدفه أيضًا التربية والتزكية فلا عجب أن يكون العلم هو المحور الأساسي التي تدور عليه رسالته ﷺ، إذ العلم له دور هام في تربية النفوس وتزكيتها قال تعالى:

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ. (الجمعة:٢)

فلا يخفى على الباحث وعلى من تصفح في سيرته العطرة اهتمام نبينا وحبيبنا محمد ﷺ في التربية والتعليم، إذ سيرته زاخرة بالأساليب التربوية والتعليمية، الصالحة لكل زمان ومكان لأنه ﷺ قد أُوتي حكمةً وعلمًا لا يدانيه فيه أحد، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم، فقد كان ﷺ أفضل وأعظم معلمٍ عرفته البشرية على الإطلاق.

أهمية المعلم في الإسلام

فمن يقم بهذه المهمة العظيمة -التربية والتعليم- التي تعد من مهام الأنبياء والرسل عليهم السلام إنما يتشرف بوظيفة الأنبياء والرسل في أجلّ مهنة وأشرفها.

فشرف عظيم لكل من أُدرج اسمه في قائمة المعلمين، المصلحين، فهو على ثغرٍ عظيم من ثغور الإسلام، لأنه يقوم بتعليم الناس الخير، ولكن في الوقت نفسه هو تكليف عظيم بأن يتأسى بالنبي ﷺ في خُلُقه ومنهجه لأنه القدوة الحسنة في ذلك يقول معاوية بن الحكم:

فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. (صحيح مسلم: ٥٣٧)

دور المعلم في تربية الأجيال

إن للمعلم دور كبير في حياة كل فرد من أفراد المجتمع لأنه هو الذي يعلمنا كيف نقرأ وكيف نكتب، وهو الذي يعرفنا على تعاليم ديننا الإسلامي ويقوم بترسيخ محبته في قلوبنا، فالأستاذ هو من أوصل العالم ، والمفتي، والدكتور، والباحث، والمبلغ، والداعية، والشيخ، ... إلى ما وصل إليه من درجات عالية في جميع جهات الحياة، لأن الأستاذ هو من يبذل جهوده ليصل طلابه إلى المراتب العليا.

وهو من يُعرفنا على التاريخ القديم والحضارة العظيمة.

وهو من يجتهد ليخرجنا من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدايه، ومن عدم المعرفة إلى أنواع من المعرفة.

فقد بعث الله حبيبه محمداً ﷺ إلى أمة سيطر فيها الجهل واستولت عليها الضلالة وعمّت بينهم العداوة والبغضاء والظلم فصنع منها أمة حاملة رسالة العلم بإذن من الله سبحانه وتعالى، فلقد تخرج على يديه ﷺ الشريفتين أعظم جيل عُرِفَ عبر التاريخ صفاءً ونقاءً وحبًّا لله تعالى ولرسوله ﷺ، ولقد عاشوا شموسًا في ظلام الكون فانتشروا في الأرض وأخرجوا الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإسلام.

دور المعلم في نهضة الأمة

إذا أرادت الأمة التقدم والرقى أو تبديل الحال إلى حال أفضل فلابد لها الاهتمام بالتعليم، فالتعليم ليس مجرد استظهار المعلومات يقوم أحد المعلمين بتلقينها الطلاب فحسب بل التعليم مهمة شاقة.

فالمعلم صاحب دور كبير في تربية الأجيال وتنشئتها ، ولا أحد ينكر على أن لمعلم من الركائز الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الأجيال التي تعتمد عليها الأوطان أو الأمم في نهضتها، وهكذا الأستاذ هو المسؤول الأول عن حمل رسالة العلم على عاتقه، وقد قلنا سابقًا بأن التعليم هو مهمة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقد ورد على لسان حبيبنا ونبينا محمد ﷺ إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا. (سنن ابن ماجة: ٢٢٩) فقوله ﷺ هذا أكبر دليل على أن النبي ﷺ اعتنى بالعلم عناية فائقة وأولاه من الرعاية فرغب فيه وعظّم قدره وحثّ الناس على طلبه، فقد كان ﷺ حريصًا على أن يهيئ للعلم مناخه المناسب لترسيخ أصوله وامتداد فروعه ولتظهر في النهاية ثماره في النهضة والتقدم للمسلمين.

ومن منطلق حرصه ﷺ على تكوين العقلية العلمية، التي تجعل بين النتائج والمقدمات صلة وثيقة، ولأن الإنسان لا يصل بدونها إلى مراده ، فلذا خصص النبي ﷺ مكاناً في مسجده عُرف باسم الصفة وهذا المكان أعده ﷺ لنزول الغرباء من المهاجرين والوافدين الذين لا مأوى لهم ولا أهل، وكان ﷺ يجالسهم ويؤنسهم ويحدثهم ويعلمهم أمور دينهم، وكان جُلّ عمل أهل الصفة تعلم القرآن والأحكام الشرعية من رسول الله ﷺ وقد اشتهر عدد منهم في العلم والتربية -ومن أبرزهم سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه- ولم يقتصر النبي ﷺ على تعليم أصحابه مسائل علمية فحسب، بل ربّاهم على وعي تام حتى صاروا علماء ومجتهدين وحملة العلم للبشرية بأكملها.

شمائل النبي ﷺ التي يحتاجها كل معلم

يا أيها الرجل المُعلّمُ غيره***هلّا لنفسك كان ذَا التعليمُ
لا تنه عن خلقٍ وتأتيَ مثله***عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

لقد قلنا إن نهوض الأمة ورقيها معقود بصحة التعليم وجودة التربية، ووسائل الإنسان وطرقه مهما أوتيت من قوة وخبرة، فإنها عاجزة عن تحقيق الكمالات، إلا لمن أوتي الكمال البشري وهو نبيبنا وحبيبنا محمد ﷺ لذا من المهم - والمهم جداً – علينا التأمل وإدامة النظر في أساليبه ﷺ التربوية والتعليمية لأنه ﷺ هو خير المعلمين.

فالمتأمل في سيرته العطرة يرى كثرة الأساليب والوسائل في تربيته للأمة، والإحاطة بجميعها لا يمكن في مثل هذه العجالة ولكني سأبين بعض هذه الأساليب التي أرى الحاجة ماسة إلى التنبيه عليها:

  • الحث على التقارب والتعاون
  • الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال
  • الرفق واللين
  • تكرار الحديث والتأني فيه
  • منح فرص الحديث والسؤال والحوار
  • استخدام العدد والإشارة للتوضيح
  • التعبير بحركة اليد والرسم
  • التعليم بالتشويق والإثارة
  • التعليم من خلال طرح السؤال
  • الثناء والتشجيع
  • التدرج ومراعاة الحال. وغير ذلك..

والعاقل حريص على مرضاة الله سبحانه وتعالى وعلى مرضاة حبيبه سيدنا محمد ﷺ وإذا خُيَّر بين الاقتداء بالمعصوم ﷺ الذي يضمن له السير على صراط الله المستقيم، وبين الاقتداء بمن لا يُؤمَن عثاره، ولا تضمن استقامته على الحق ونجاته فماذا سيختار؟

مركز الدعوة الإسلامية ودوره في التربية والتعليم

أيّ أمة من الأمم أرادت النهضة لجأت إلى التربية والتعليم، وكل الشعوب التي تاقت للتقدم بدأت بالدراسة وكل الحضارات التي نشدت العودة لازدهارها دعمت التعليم والتربية.... فالتعليم هو البداية الصحية لأي أمة تسعى أن تضع نفسها في الدول المتقدمة، ولذا قام مركز الدعوة الإسلامية -الذي أسسه سيدي الشيخ المربي الداعية محمد إلياس العطار القادري- قبل حوالي سبع وعشرين عامًا، بتأسيس أول جامعة باسم جامعة المدينة – أو ما يُعرف بالمعهد الشرعي للدراسات الإسلامية- التي تهتم بالدراسات الشرعية للطلاب والطالبات ليتم تعليمهم وتربيتهم حتى يتأهلوا لتربية الأجيال المتعاقبة، وبحمد الله تعالى قد تجاوز عدد هذه الجامعات أكثر من ألف جامعة حول العالم.

وكما تم إنشاء مدرسة المدينة لتعليم وتربية الناشئين حيث يتم فيها تعليم القرآن الكريم والعلوم الواجبة، وقد وصل عدد هذه المدارس ما يقارب خمسة ألف درسة حول العالم، إضافة إلى أكاديمية العلوم الإسلامية للدراسة عن بعد لتوفير دورات تعليمية متعددة عبر وسائل التواصل الحديثة مع مراعاة متطلبات العصر الحالي.

من أبرز أهداف المركز في ذلك

  • محو الأمية ونشر نور العلم والمعرفة في جميع أنحاء العالم
  • تثقيف الطلاب وتأهيلهم لخدمة المجتمع والبيئة المحيطة بهم دينياً وعلمياً، وفكرياً وعملياً..
  • إعداد العلماء والدعاة والمفتيين والمعلمين والمؤلفين وغيرهم.

وبحمد الله كل هذه الجهود والإنجازات متاحة بفضل الله من خلال مساهمات أهل الخير والعطاء، وقد أتيحت لنا هذه الفرصة من خلال الدعم في هذه القافلة الخيرية بالمساهمة والمساعدة في نشر الخير والعلم. وذلك بالدعم القولي أو الفعلي أو المالي أو غير ذلك مما هو متاح لديه، لتثمر لنا ثمارًا من الحسنات في الحياة وبعد الممات امتثالاً لقول النبي ﷺ:

إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. (سنن أبي داود: ٢٨٨٠)

ختامًا: إن المعلم ليس شخصاً بعينه بل هو مؤسسة تربوية وتعليمية لأنه هو من يحقق الاستقرار والتوازن داخل نفس طلابه، وهو الذي يمكنه أن يخرّج للمجتمع جيلًا يعرف كيف ينهض بمجتمعه وكيف ينمو ليضعه بين مصاف الأمم المتقدمة والحضارية، فلذا يجب تبجيل هذا المعلم وتكريمه وتعظيمه، ومعرفة هذا الدور الذي لا يقل أهمية عن دور الفقهاء والصحابة، نعم إن المعلم هو صاحب رسالة العلم إلى الحياة، والإنسان بحاجة دائمًا إلى أن يعرف ويعلَم حتى يتأمل قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق.

تعليقات



رمز الحماية