المعلم هو البوّابة التعليمية للأمة | الشيخ عبدالباسط المحمد


نشرت: يوم الإثنين،04-أكتوبر-2021


يقول الشاعر في المعلم:

يا شمعة في زوايا الصّف تأْتلق***تنير درب المعـالي وهـي تحـترق
لا أطفأ الله نورا أنت مصدره***يا صادق الفجر أنت الصبح والفلق

المعلم هو البوابة التعليمية:

لا شك أن المعلم هو أساس بناء الأمة كلها، لا لأنه ينقل العلم فقط، بل هو القائد والقدوة لطلابه، والمعلم هو حجر الأساس في كل مجتمع، ومن الأمور الواضحة أن العلم والتربية هما سر تقدم الشعوب والأمم، فلذلك للمعلم الدور الأكبر في تقدم العملية التعليمية ونشر المعرفة.

إذن فالدور الذي يقوم به المعلم في المدارس والجامعات والمساجد وغيرها من أماكن التعليم، لا يقتصر على العمل داخل الفصل (الصف، القاعة)، ولا يقف دوره عند أبواب منهج دراسي محدد، ولا مسائل تعليمية، بل إن دوره أشمل وأوسع من ذلك، فهو القائد الذي يساعد طلابه ويوجههم نحو الاتجاه الصحيح، وهذا التوجيه يشمل جميع أمور حياتهم عامة وليس فقط في الأمور التعليمية .

شمولية التعليم والتربية:

التعليم والتربية عمليتان واسعتان وركنان من أعظم أركان مهمةِ المعلمين، فهما تحتاجان الى المعلم الكفء، وصاحب الكفاءة والمهارة ، والمهارة تأتي من الخبرة في التدريس والتعامل مع المناهج الدراسية ، ومن أهم السبل التي تساعد على الخبرة اتباع المعلم لأساليب ووسائل التكنولوجيا الحديثة التي تساعد المعلم عملية التعليم وتوفر عليه الجهد والوقت ، إضافة إلى كونها تساهم في تطوير الطلاب وتوصيل المعلومات لهم بأفضل صورة ممكنة ، وخبرة المعلم وكفاءته يأتيان من خلال تأقلمه مع طلابه ومع البيئة التي تمارس بها مهنة التدريس .

أهمية المعلم :

الكل يسمع أو يردد ( العلم نور ) ، فالمعلم هو الشمعة التي تحترق لتضيء للأجيال والمتعلمين نور المعرفة ، ولولا المعلم لما انتشر العلم ، فهو المنصة التعليمية التي تفتح الطريق أمام البشرية لتسير في طريق التقدم والازدهار ، فلذلك كان للمعلم مكانة مرموقة وأهمية عظيمة لعدة أسباب من أهمها :

  • المعلم هو المربي الذي يخرّج الأجيال من تحت يديه، وهو ينقل العلم ويعلمه فهو الذي يخرّج العالم والمفتي والمربي والداعية، والشيخ، والقاضي، والطبيب، المهندس.......
  • من المشهور أن من يريد هدم حضارة أو دولة أو مجتمع، يحتاج إلى ثلاثة أمور : هدم الاسرة ، وهدم التعليم ، وإسقاط القدوة والمرجعية ، وهدم التعليم يكون من خلال المعلم ، بعدم احترامه والتقليل من أهميته ومكانته .
  • إن للمعلم شأنا عظيما، وكفى به علواً ومنزلةً، أنه يحمل رسالة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمعلم صاحب مهنة ورسالة، يساعد في بناء شخصية المتعلمين ، ورسم مستقبلهم ، كما يساهم في فلاح الأمة ونجاحها
  • من دون فضاء المعلم لا يمكن أن يتقدم وطن أو مجتمع، لأنه أساس التنمية والنهضة، وهو المسرح والمنصة العلمية للمتعلمين، وهو القادر على استيعاب التيارات وصهرها من خلال نشر العلم والمعرفة.
  • لا شك أن المعلم هو أحد أهم ركائز ومقومات العملية التعليمية، ومن خلاله يتحدد نجاح التعليم أو فشله.
  • في العصر الحديث أصبح الحصول على المعلومات سهلا ويسيرا، لذلك تزداد أهمية المعلم في طريقة تفكير الجيل الصاعد، وما يتبناه من قيم وأفكار.
  • إن مهنة التعليم من أصعب المهن، لأن المعلم يبذل جهدا ذهنياً وبدنياً ونفسياً فلا غرابة أن تُولِي الدول المتقدمة أهمية كبرى للمعلم، بل مهمّته ربما تفوق كل المهن.
  • إن القيادة العلمية لا تقل أهميتها عن القيادة العسكرية، أو القيادة السياسية، أو القيادة الاجتماعية، فالمعلم هو صانع القيادات، وهو الذي يصيغ بنيتها الأولية عند الإنشاء.
  • تكمن أهمية المعلم العظمى في كونه يقف على ثغر من ثغور الأمة، فبصلاحه تنصلح الأجيال، والعكس صحيح.
  • كل مجتمع أو أمة لها أعداء، وتكمن أهمية المعلم في بناء الحصون المنيعة لصد أعداء الأمة.

واجبات المعلم :

في الحقيقة تقع على المعلم واجبات ومسؤوليات كبيرة لأهمية مكانته في الوطن والمجتمع، وبعض هذه الواجبات تتعلق بربه، وبعضها تجاه الطلبة وبعضها تجاه عمله، نجمل جملة منها فيما يلي:

  • عليه مراقبة الله تعالى في كل شؤونه، وأن يعي قيمة الرسالة التي كُلّف بها تجاه المجتمع ، وأن يتَّسم بالنزاهة والعفة وانشراح صدره، وفضائه الواسع .
  • أن يلتزم باستراتيجية النظام التربوي والتعليمي في المدارس والجامعات، وغيرها من المنصات التعليمية، وأهداف هذا النظام.
  • أن يحرص على مهنته ويسعى دائما لتطويرها، ويتعاون مع زملائه لخدمة المجتمع، ويطبق أخلاق هذه المهنة من: الصبر، الحلم، العدل، الانضباط، الحفاظ على أسرار المهنة، التدرج في التعليم .....
  • أن يكون حريصاً على تربية جيل مؤمنٍ بالله تعالى ، ومحبٍ لأمته ووطنه ، ويعمل على أن يكون قدوةً حسنة ، ويشجِّع على البحوث المفيدة والهادفة، ويراعي الفروق الفردية، ويتقبل النصيحة والاستفسارات، ويغرس الوعي في نفوس الجميع، ويسعى دائماً لحل المشكلات على مستوى طلابه ومجتمعه.
  • التعاون مع أولياء الأمور، ويبني علاقات نزيهة معهم، ويحرص على إبراز دورهم في نجاح العملية التعليمية، ويحافظ على أسرارهم.
  • أن يعي أحوال المجتمع ويتفهم عاداته وأحواله ليساهم في حل مشكلاته، مع المحافظة على مكانة المدرسة أو الجامعة ودورها الفاعل.
  • احترام زملائه المعلمين، والاعتراف بفضلهم وسماع نصائحهم، وطاعة زملائه والتواضع لهم.

واجبنا نحو المعلم:

لكل إنسان حقوق وعليه واجبات، وكلما حصل الإنسان على حقوقه كان ملزما أكثر بتنفيذ واجباته، وأساس نجاح العملية التعليمية أن لا نأخذ العلم ابتداءاً من الكتب بل لا بد من المعلم المتقن للمفاتيح، ومن هنا يلزم علينا رعاية المعلمين وإنزالهم منازلهم التي تليق بالرسالة التي أنيطت بهم، فهذا هو عنوان نجاحنا وفلاحنا، وقد جاء في الأثر:

لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ. (مكارم الأخلاق للطبراني: ١٤٧)

وحقوق المعلمين علينا كثيرة من أهمها : ضمان احترامه ، وتوقيره ، وإعطاء مكانته في المجتمع ، التواضع له ، الصبر عليه إن حصلت منه جفوة ، عدم البحث عن عثراته للطعن به، إلا إذا كان مخالفًا للشرع.

ميزات المعلم الناجح :

يتمتع المعلم الناجح بعدة ميزات نذكر بعضاً منها :

  • المعلم الناجح يعمل دائماً على التجديد، ويستخدم الطرق المتاحة لإزالة الملل الذي قد يحصل أحياناً، ويثني على طلابه ويشجعهم ويعترف بإنجازاتهم وما قدموه من أعمال عندما يستحقوا ذلك.
  • المعلم الناجح أهدافه واضحة ويعمل بخطة ومنهج سليم، ولا ينتظر الشكر أو ردّات الفعل الإيجابية، بل الروح الإيجابية والمرحة التي يتمتع بها تنعكس على طلابه، فهو منسجم مع نفسه ومع طلابه، وأمور التدريس والتعليم تمشي بسلاسة.
  • المعلم الناجح دائما يبحث عن الوسائل التعليمية الحديثة بقدر الإمكان، ويتوقع نجاح طلابه، وهو إنسان منفتح على الجميع يسمع ويطبق الوصايا التي تحقق أهداف التعليم والتربية المنشودة، ويتواصل مع أولياء الأمور ويتعاون مع الجميع.
  • المعلم الناجح لديه ثقافة عامة جيدة، فلا يكفي أن يكون مدرساً لمادة معينة وجاهلا بالمواد الأخرى، بالإضافة إلى كونه ملمّاً بالمادة التي يدرسها بشكل ممتاز.
  • المعلم الناجح لا يتدخل في السياسة ويلتزم الحياد فلا يفرض آراءه على طلابه، فهو يربي على النقاش والحوار النافع والهادف داخل المؤسسات التعليمية.
  • ومن ميزات المعلم الناجح أن يكون ممن: يحترم زملاءه ويحب طلابه، والبشاشة وطلاقة الوجه ظاهرة فيه، والعدل ، والعناية بالمظهر العام ، صبوراً، صادقاً، حليماً، قادراً على ضبط نفسه، مخلصاً، يتقي الله تعالى ، ولديه الرغبة في التدريس، ويتمتع بقوة الشخصية، متواضعاً، مرحاً، وأخلاقه حسنة .

بعض الآثار الواردة في المعلم :

من المعلوم أن علم الكتاب والسنةِ أفضل ما اكتسبته النفوس، لأننا به نتعرف على ربنا سبحانه وتعالى وعلى حبيبنا المصطفىﷺ وبه نعرف أوامره ونواهيه وبه نتعلم الأحكام، وبه يرفعُ الله أقواماً ويضع آخرين، قال - عزَّ مِن قائل:

يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ. (المجادلة: ١١)

وبيَّن -سبحانه- أن العالِم والجاهِل لا يستوون: فقال:

قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ. (الزمر: ٩)

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ. (المستدرك للحاكم: ٣١٧)

قال سيدنا عليّ رضي الله عنه:

كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفًا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَيَفْرَحَ إذَا نُسِبَ إلَيْهِ وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ (المجموع شرح المهذب للشيرازي ١/١٩ .

وقال سيدنا سفيان رضي الله عنه:

إِنْ أَنَا عَمِلْتُ بِمَا أَعْلَمُ فَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمَا أَعْلَمُ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ أَجْهَلَ مِنِّي. (الجامع لأخلاق الراوي:١/٩٠)

التعليم عن بعد (سلبياته، إيجابياته ) :

انتشر في العصر الحديث ما يسمى التعلم عن بعد (التعليم الالكتروني) : وهو أن يتلقى المتعلم المعلومات بشكل غير مباشر دون اتصاله المباشر وجها لوجه مع المعلم، والمعلومات يتلقاها عن طريق السماع أو مسجلة بفيديوهات أو ما شابه ذلك من الأدوات التعليمية الحديثة المعروفة، وهذا الأسلوب والطريقة في التعليم فيها إيجابيات ولا تخلو من السلبيات نذكر بعضا منها :

أهم محاسن التعليم عن بعد :

  • تحكم المتعلم بالزمن فلا يتقيد بموعد الدرس أو المحاضرة، بل ينظم الوقت بما يتناسب مع ظروفه.
  • يوفر على المتعلم التكاليف، فلا يحتاج لمواصلات الذهاب والإياب، أو مصاريف وأعباء السكن.
  • هي فرصة يتعرف من خلالها المتعلم على أشخاص من جنسيات مختلفة، يتبادلون المعلومات والخبرات، وقد يشتركون في أعمال مستقبلية.
  • يستطيع المتعلم أن يشترك بدروس ودورات قد لا تكون متاحة في بلده، وقد يتخصص بفروع علمية غير متوفرة محلياً.
  • تزيد من الإنتاج والابداع والمهارة في حل المشكلات، من خلال التركيز مع المعلم مناقشة الأفكار والآراء المتنوعة.

بعض مساوئ التعليم عن بعد:

  • صعوبة استخدام الوسائل التقنية الحديثة لدى المعلم والتلميذ، ومشاكل الانترنت واختلاف جودته في كثير من الدول حول العالم، وصعوبة البرامج التي تستخدم في عملية التعليم الالكترونية، وحاجة الوقت للتدريب عليها.
  • ضعف القدرة على ضبط حضور التلميذ، فقد يسجل حضوره وينشغل بأشياء أخرى، وهذا يقود الى تسهيل عمليات الغش حتى في الامتحانات.
  • ضعف التفاعل والتنافس بين المتعلمين لعدم وجود القاعة الدراسية، وغياب المفهوم التربوي للدروس الذي من خلاله يكتسب التلميذ القيادة والقدوة وأساليب التعليم وما شابه من هذه الأمور التي غالبا ما تكتسب داخل قاعة التعليم.

خلاصة عن المعلم في يومه العالمي:

إذا أردت بناء أمة قوية، أمة منضبطة، أمة تستعيد دور الأمم السابقة في قيادة الأمم، ينبغي أن تبدأ بالصغار، وكيف تبدأ بالصغار؟ من خلال المعلمين، فهم الأداة الوحيدة لنهضة الأمة، الطبيب مع المرضى، والحداد مع الحديد والنجار مع الخشب ، لكن المعلم مع فلذات أكباد المجتمع، المعلم مع أطهر فئة في المجتمع، المعلم هو مع من هم استمرار لنا ، لذلك ليس من صالح الأمة ولا المجتمع أن تُضعضع مكانة المعلم فينا.

وفي ختام هذه المقالة أهديك أيها القارئ اللبيب هذه الأبيات لشاعرنا الذي بدأنا مقالتنا بأبيات من قصيدته الجميلة:

أيا معلم يا رمز الوفا سلمتْ *** يمينُ أهل الوفا يا خيرَ من صدقوا
لا فضّ فوكَ فمنه الدُّر منتثر *** ولا حُرمتَ فمنك الخير مندفق
أيا معلم كمْ طوَّقتَ من عُنقٍ *** بالفضل فازْدان منه الصَّدر والعنق
ويا مؤدبُ كم أنقذت من أممٍ *** لولا سفينك في بحر الرّدى غرقوا
وكم بنيت لها مجداً فبوّأها *** ذرا المعالي ومنك الجهد والعرقُ
فيا معلم هل رُدّ الجميل إلى *** ذويه أم يا ترى ضلت به الطرق
فبتَّ في الناس منسياً فلا أحد *** يهفو إليك فأنت المهمل الخَلِق
العلمُ كنزٌ؛ ثلاث من مفاتحه *** نبذُ التكبِّر والإصغاء والأرق ِ

تعليقات



رمز الحماية