مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
مفهوم الكرامة ورد للشبهات فيما يتعلق بها | الشيخ طارق المحمد
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22
كثر تساؤل الناس في هذا الزمان عن الكرامات؛ هل هي ثابتة في الشرع؟ هل لها دليل من الكتاب والسنة؟ ما هي الحكمة من إِجرائها على يد الأولياء والمتقين؟...
وبما أن موجات الإِلحاد والمادية، وتيارات التشكيك والتضليل قد كثرت في هذا الوقت، فأثرت في عقول كثير من أبنائنا، وأضلَّت العديد من مثقفينا، وحملتهم على الوقوف من الكرامات موقف المنكر الجاحد، أو الشاكِّ المتردِّد، أو المستغرب المتعجب نتيجة لضعف إِيمانهم بالله وقدرته وقلة تصديقهم بأوليائه وأحبابه، فلا يسعنا إِلا أن نعالج هذا الموضوع إِظهاراً للحق، ونصرة لشريعة الله تعالى
يعرّف العلماء الكرامة بأنها: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد عبد صالح لحاجة دينية أو دنيوية غير مقرونة بدعوى النبوة (المنح المكية: صـ 671، مختصرًا، دار المنهاج)
وهي فعل ناقض للعادة ومخالف لما اعتاده الناس، يظهَر على يد موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله أو شاهدًا على صدق النبي، حيث لم يعطَ الكرامة إلا باتباعه له والإيمان به، ولذلك لا تعارُض بين معجزة النبي وكرامة الولي، ولا بد أن تقع لديه في أيام التكليف والولي هو من والى الله بالموافقة له في محبوباته، وتقرب إليه بطاعاته، فكل من عظُم إيمانُه وطاعتُه عظُمت عند الله ولايته وخصوصيته.
وقد قام الدليل على جواز ووقوع الكرامة من الكتاب والسنة والإجماع:
فمن القرآن مثلاً:
قصة السيدة مريم عليها السلام: في قوله تعالى:
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا... [آل عمران: 37]
فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء.
وكذلك قصة أصحاب الكهف وما جرى لهم من الآيات ببقائهم نياماً ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً من غير طعام ولا شراب.
وكذلك قصة آصف بن برْخيا وهو: "الذي عنده علم من الكتاب" الذي أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه، ولم يكن نبياً بإجماع أهل العلم.
ومن ذلك قصة أم سيدنا موسى عليه السلام وما ظهر لها من الخوارق حين أُلهِمَت إلقاء ولدها في اليمّ. وغير ذلك.
ومن السنة:
حديث أسيد بن حضير وعباد بن بشر حين خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاء لهما نور كالمصباح في طرف عصا أحدهما، فلما تفرقا افترق النور معهما. رواه البخاري.
ومن ذلك قصة أسر خبيب بن عدي رضي الله عنه حيث قالت من كان أسيرا عندها وهي تخدمه:
ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة ثمرة وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقا رزقه الله إياه. (صحيح البخاري:3045)
ومنها أيضاً حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه حين كان يقرأ في الليل وجالت الفرس فإذا سكتَ سكنت وإذا قرأ جالت...فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأتَ لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم (رواه البخاري)
ومنها: قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، وانفراج الصخرة عنهم بعد أن سَدَّتْ عليهم الباب. وهذا حديث متفق عليه.
ومن ذلك كرامات بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم:
قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه في شربه السم. أخرجه البيهقي وأبو نعيم والطبراني وابن سعد بإِسناد صحيح نزل خالد بن الوليد الحيرة، فقالوا له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم فقال: ائتوني به، فأخذه بيده وقال: بسم الله وشربه، فلم يضره شيئا (يُنظر تهذيب التهذيب لابن حجر: 3/125)
ومنها سماع بعض الصحابة سورة الملك، من قبر بعد أن ضرب خباءً فوقه (رواه الترمذي)
وأما الإجماع فقد أجمع السلف والخلف على وقوع الكرامة الخارقة للعادة على يدي الولي الصالح المستقيم على الشريعة، وذكروا في ذلك حوادث كثيرة ذكرها العلماء في مؤلفات منها: صفة الصفوة لابن الجوزي وقد ترجمَ لكثير من السلف وذكر خوارق وكرامات لكثير منهم، وكذلك الإمام الذهبي رحمه الله تعالى حين ترجم للفقهاء والأولياء في كتابيْه السير ومعجم الشيوخ، وكتاب كرامات أولياء الله عز وجل للّلالكائي، وحلية الأولياء للأصفهاني، الرسالة القشيرية للإمام القشيري، وطبقات الأولياء لابن الملقن، وجامع كرامات الأولياء للشيخ يوسف النبهاني وغير ذلك...
أنواع الخوارق:
لقد بيّن علماء العقيدة من أهل السنة والجماعة بأن الظواهر الخارقة للعادة بحسب سياقاتها المختلفة، مع اشتراكها جميعاً في واقعٍ تكويني واحد وهو "خرق العادة"، إلا أنهم وضعوا لها عناوين متميزة لتمييز مراتب العباد إن صدرت عن أحد منهم، وأبرز هذه الأنواع خمسة أنواع للخوارق:
- الكرامة: وهي أمور خارقة للعادة يظهرها الله على يد بعض الأولياء من عباده أو الصالحين؛ تكريماً وتشريفاً لهم وبحسب ما عرفناها في أول المقال.
- الإرهاص: وهو أمر خارق للعادة يظهره الله على يد نبيه أو يتعلق بنبيه قبل نبوته؛ تمهيداً وتهيئاً لقبول الناس له والإيمان به.
- الإهانة: وهو الأمر الخارق للعادة الذي يجريه الله على يد مدّعي النبوة كذباً بهدف فضحه؛ لكونه يقع بشكل غير مطابق لدعواه، كقصة مسيلمة حين بصق في بئر بها ماء قليل فجفّت.
- المعونة: وهو أمر خارق للعادة يظهره الله لمصلحة شخص غير صالح من عباده (فاسق) بهدف تبرئته من تهمة باطلة منسوبة إليه، وتسمى حينئذٍ علامة على صدقه وبراءة ساحته، أو على يد رجل مستور الحال إعانة له.
- الاستدراج: وهو أن يُجري الله الخارق للعادة على يد شخص غير صالح؛ استدراجاً له كي يزداد ضلالاً وانحرافاً، كيْ لا يُصنّف مع الصالحين فتُمنح له ذات المنزلة والمقام، وهذا النوع قد ينخدع به الناس كما ينخدعون بالدجّال الذي تظهر على يده خوارق فيفتتنون به. (ملخصاً بتصرف يُنظر دليل الفالحين( 4\30) ( النبراس، أقسام الخوارق: ص272)
الحكمة من إِجراء الكرامات على يد الأولياء:
يقول سيدي الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى: اقتضت حكمة الله تعالى أن يكرم أحبابه وأولياءه بأنواع من خوارق العادات، تكريماً لهم على إِيمانهم وإِخلاصهم، وتأييداً لهم في جهادهم ونصرتهم لدين الله، وإِظهاراً لقدرة الله تعالى، ليزداد الذين آمنوا إِيماناً، وبياناً للناس أن القوانين الطبيعية والنواميس الكونية إِنما هي من صنع الله وتقديره، وأن الأسباب لا تؤثر بذاتها؛ بل الله تعالى يخلق النتائج عند الأسباب لا بها، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
وقد يقول معترض: إِن تأييد الحق ونشر دين الله لا يكون بخوارق العادات، بل يكون بإِقامة الدليل المنطقي والبرهان العقلي فنقول:
نعم لابد من نشر تعاليم الإِسلام بتأييد العقل السليم والمنطق الصحيح والحجة الدامغة، ولكن التعصب والعناد يدعوان إِلى أن تخرق العادات بالكرامات كما اقتضت حكمة الله أن يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات إِظهاراً لصدقهم، وتأييداً لهم في دعوتهم، وحملاً للعقول المتحجرة والقلوب المقفلة أن تخرج من جمودها، وتتحرر من تعصبها، فتفكر تفكيراً سليماً مستقيماً يوصلها إِلى الإِيمان الراسخ، واليقين الجازم. ومن هنا يظهر أن الكرامة والمعجزة تلتقيان في بعض الحِكَم والمقاصد، إِلا أن الفارق بينهما أن المعجزة لا تكون إِلا للأنبياء عليهم السلام، والكرامة لا تكون إِلا للأولياء، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبي. (حقائق عن التصوف 1/285)
المعترضون على الكرامة والرد عليهم:
الكرامة ثابتة كما بينا ولم ينكرها إِلا أهل البدع والانحراف ممن ضعف إِيمانهم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله قال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى:
والناس في إِنكار الكرامات مختلفون، فمنهم من ينكر كرامات الأولياء مطلقاً، وهؤلاء أهل مذهب معروف، عن التوفيق مصروف. ومنهم من يكذب بكرامات أولياء زمانه ويصدق بكرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانه كمعروف الكرخي والإِمام الجنيد وسهل التستري وأشباههم رضي الله عنهم، فهؤلاء كما قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: والله ما هي إِلا إِسرائيلية، صدقوا بموسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوا زمنه. ومنهم من يصدق بأن لله تعالى أولياء لهم كرامات ولكن لا يصدق بأحد معيَّنٍ من أهل زمانه (روض الرياحين، للإِمام اليافعي صـ (42)
المعترضون: أطبقت طائفة المعتزلة على منع وقوع الكرامات لأحد، وتبعهم في ذلك بعض المتقدمين من الإباضية والزيدية والخوارج.
وأبرز اعتراض لهم أنهم زعموا بأن إثبات الكرامات يؤدي إلى التباس الولي بالنبي، مما ينسدُّ معه باب إثبات النبوة؛ لأن المعجزة هي دليل الصدق الوحيد، وهذا باطل لعدة أمور أهمّها:
- أن الكرامة لا تقترن بدعوى النبوة، فلا يوجد ثمة التباس، وصرّح أهل السنة والجماعة بأن الرسول يدعي المعجزة ويُظهرها ويباهي بها قومه ويتحدى بها، بينما الولي لا يدّعي ذلك ولا يتحدّى به، بل إن ادعاء الولي للكرامة أو الإعجاب بها يُعد خطأً ومعصية في حقه، كما أن المعجزة تُساق لقصد التصديق، أما الكرامة فتكون إكراماً من الله لوليّه ولا يقدَح هذا الإكرام في قصد التصديق النبوي، ولذلك فإن الولي إذا ظهرت عليه الكرامة لا يتحدى بها ولا يظهرها للمباهاة، بل قد يراها ابتلاءً ويحرص عليه سترها وإخفائها، بخلاف النبي المأمور بإظهار المعجزة.
- الولي لا يكون ولياً إلا باتباعه للنبي، فكرامته هي في الحقيقة دليل على صدق نبيه وتأييد لشريعته، وقد أوضح العلماء أن الولي لم ينل الكرامة إلا بمتابعته للنبي والإيمان به؛ لذا فإن كل كرامة تظهر على يد ولي هي في الحقيقة معجزة للنبي الذي يتبعه، فهي دليل على صدق أستاذه وصاحب شريعته، ولا يمكن أن تكون قادحة في المعجزة بل هي مؤيدة لها.
- الواقع التاريخي يثبت جريان الكرامات في عهد الصحابة وبعدهم ولم يدّعِ أحد منهم النبوة أو يقع لبس عند الناس، وأن خوف الاشتباه الذي ادعته المعتزلة غير واقع؛ إذ لم يحدث في عهد النبي ﷺ أو بعده أن التبس الأمر على الناس رغم جريان الكرامات على يد الصحابة، فإذا ادعى صاحب الخارق النبوة كذباً، فإن الله يفضحه (كالأمر الخارق المقصود به الإهانة) أو يقطع الناس بكذبه، خاصة كما حصل لمسيلمة الكذاب وغيره، وأن النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، فكل مدعٍ بعده هو كذابٌ ضالٌ تسقط ولايته فكيف تصح كرامته!
- أن غرض ظهور الكرامة التي تحصل للأولياء إما لقضاء حاجة دينية (كتثبيتٍ على طاعة) أو حاجة دنيوية (كإضاءة الطريق أو توفير طعام عند فاقة)، وليس الغرض منها إثبات مقام تشريعي جديد ينافس مقام النبوة، كما أن صاحب الكرامة يزداد خوفاً وحذراً من الله عند ظهورها خشية الاستدراج، بينما مدعي النبوة الكاذب يزداد تكبراً وأمناً من مكر الله.
ما هو الموقف الصحيح من الأمر الخارق للعادة:
هذا إشكال قد يرد على البعض ولذلك فرّق العلماء بين الكرامة الحقيقية وبين الاستدراج الذي قد يظهر على يد المبْطلين أو الفاسقين من خلال عدة معايير جوهرية تتعلق بحال الشخص، وبنيته النفسية، ومدى التزامه بالشرع الشريف ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وبناء على التفريق الذي ذكره العلماء وأهل التحقيق نخلُص إلى التفريق التالي:
أولاً: الحالة النفسية والسلوكية:
صاحب الكرامة: لا يستأنس بالكرامة ولا يطمئن إليها، بل يزداد خوفاً من الله وحذراً من قهره عند ظهورها، ويخشى دائماً أن تكون فتنة أو ابتلاءً، وصاحب الكرامة عند ظهور الكرامة لا يرى أنه أخذ حصانة أبدية للولي، بل هو لا يقرّ بولاية نفسه أصلاً، ويعلم أن بقاء الولاية مشروط بدوام الاستقامة والتواضع والاتباع، وبمجرد انحراف الولي عن جادة الشرع أو شعوره بالأمن من استدراج الله له، فإنه يخاطر بفقدان هذا المقام.
والأصل أن الولي لا يقطع بكرامته ولا يدعيها يقيناً كيقين الأنبياء، بل يرى في نفسه التقصير ويحذر من أن يكون ما يظهر عليه استدراجاً أو مكراً.
وصاحب الاستدراج: يستأنس بما يظهر على يده، ويظن أنه استحق ذلك لمنزلته، فيورثه ذلك تكبراً على الخلق واحتقاراً لهم، ويشعر بالأمن من استدراج الله له وعقابه ولا يخاف سُوْء العاقبة، ويرى المحققون من أهل الله أن ظهور هذه الأحوال (الكبر والأمن من العقاب) على شخص تظهر عليه الخوارق هو دليل قطعي على أنها استدراج وليست كرامة، وأنها علامة على الانقطاع عن حضرة الله تعالى وخاصة إذا كان ممن يقوم بتخويفهم من الأمر الخارق على يده.
ثانياً: الاستقامة على الشريعة:
الولي الصادق: هو الشخص المستقيم على هدي النبوة ونور الوحي، الحريص على أركان الدين من صلاة وصيام وحج، المواظب على الطاعات، المتجنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، وهو الذي قال الله تعالى فيه:
ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يحزَنُونَ الذينَ آمنوا وكانُوا يتَّقون ]يونس: 62ـ63[
وهو صاحب عقيدة صحيحة، وهكذا فإن الكرامة لا تظهر إلا على صادق في أحواله متبع لنبيه. وأما ما يجري على يد الزنادقة والفسقة من الخوارق كطعن الجسم بالسيف وأكل النار والزجاج وغير ذلك، فهو من قبيل الاستدراج، ولذلك فإن الصوفية يمنعون إِظهار الكرامة إِلا لغرض صحيح؛ كنصرة شريعة الله أمام الكافرين والمعاندين )حقائق عن التصوف1/286 وما بعدها(
المبطل أو (صاحب الاستدراج): تظهر الخوارق على يده رغم كونه أبعد الناس عن الاستقامة، وقد يرتكب المنكرات الظاهرة والمعاصي الجلية، أو يستعين بالجن والشياطين في أعماله كما هو حال السحرة والمشعوذين.
ثالثاً: الغرض من الأمر الخارق للعادة:
الكرامة: تقع للعبد الصالح لحاجة دينية (كتثبيته على الطاعة) أو حاجة دنيوية مشروعة، وتكون دليلاً على صدقه في ولايته وتصديقاً لحاله، وعند أهل الله لا يعدّون ظهور الكرامات على يد الولي الصالح دليلاً على أفضليته على غيره، بل قد يكون بعض مَنْ ليس له كرامة منهم أفضل من بعض مَنْ له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، ودليلاً على صدقه وعلى فضله لا على أفضليته، وإِنما الأفضلية تكون بقوة اليقين، وكمال المعرفة بالله تعالى )حقائق عن التصوف 1\293(292-
الاستدراج: يجري الله الخارق على يد غير الصالح ليزداد ضلالاً وانحرافاً، مصداقاً لقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}، فهو فعل يهدف لفتنتهم وإضلالهم.
وبناء على ما سبق من الحالة النفسية والاستقامة والغرض من الأمر الخارق يتبين لنا ميزان القبول والرد:
وضع العلماء قاعدة ذهبية للتمييز في الأمر الخارق كي لا يلتبس الحق بالباطل، وهي عرض أمر الشخص على الكتاب والسنة؛ فإذا رأيت رجلاً يمشي على الماء أو يطير في الهواء وهو غير منضبط لقواعد الشرع، فهذا دليل على أن ما يجري له هو استدراج أو "كرامة شيطانية" وليس كرامة حقيقية فالكرامة في تعريفها تشترط صدورها من "ولي صالح مستقيم على الشريعة متبعٍ للسنة الشريفة" ونقول باختصار أن المعجزة والكرامة تلتقيان في أنهما أمر "خارق للعادة" من الله، وتفترقان في أن المعجزة تقترن بـ "دعوى النبوة والتحدي"، بينما الكرامة "إكرام من الله للولي" وشهادة بصدق نبيه.
شبهات حول الكرامة:
- شبهة الاستدراج: قد يظهر الخارق على يد غير الصالح استدراجاً، والفرق أن صاحب الكرامة يزداد خوفاً وحذراً من الله، بينما صاحب الاستدراج يزداد تكبراً وأمناً من مكر الله.
- شبهة السحر والشعوذة: قد يجري على يد السحرة ما يشبه الخوارق، لكن شتان بين الولي المستقيم على الشرع وبين الساحر البعيد عن هدي النبوة المستعين بالشياطين.
- شبهة "تحول الخارق إلى أمر عادي": زعم البعض أن كثرة الكرامات تُبطل خاصية خرق العادة، وجوابه: بأن وقوعها نادر ومرتبط بمشيئة الله وحكمة التكريم، ولا تصل لحد العادة المستمرة.
- وأما شبهة التقليل من شأن الأنبياء: فجوابه أن الكرامة فرع عن المعجزة، وكل كرامة لولي هي قطرة من بحر معجزات الأنبياء.
- قلة الكرامات لدى الصحابة مقارنة بمن جاء بعدهم وجوابه بأن: إيمان الصحابة كان في غاية القوة والرسوخ فلم يكونوا بحاجة إلى خوارق لتقويته، بينما احتاج من جاء بعدهم إلى تلك الكرامات لزيادة اليقين وتثبيت القلوب.
- بعض المنحرفين عن الصوفية يدَّعي أن مقصد الصوفية من سيرهم هو الوصول إِلى الكرامات قال الشيخ أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: (من لم يكن كارهاً لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهو في حقه حجاب، وسترها عليه رحمة، فإِنَّ من خرق عوائد نفسه لا يريد ظهور شيء من الآيات وخوارق العادات له، بل تكون نفسه عنده أقل وأحقر من ذلك، فإِذا فَنِيَ عن إِراداته جملةً فكان له تحقق في رؤية نفسه بعين الحقارة والذلة، حصلت له أهلية ورود الألطاف، والتحقق بمراتب الصديقين (نور التحقيق لحامد صقر ص127)
وهؤلاء المعترضون يُترجمون عما في نفوسهم من أمراض خبيثة وعلل دفينة؛ وهم يعلمون بأن الصوفية يهتمون بتزكية النفس وتخليصها من صفاتها المذمومة كالرياء والنفاق، وتحليتها بالصفات العالية، ليكون سيره بعيداً عن العلل والغايات، لا يبتغي به إِلا وجه الله تعالى ورضاه ويستترون من الكرامة بعدًا عن شبهة الرياء.
- ثم إِن الصوفية يعتبرون أن أعظم الكرامات هي الاستقامة على شرع الله تعالى، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: اعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات. (الرسالة القشيرية: ص160)
- وذُكِر عند سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى الكرامات فقال: (وما الآياتُ وما الكراماتُ! أشياء تنقضي لوقتها، ولكن أكبر الكرامات أنْ تُبدّلَ خُلُقاً مذموماً من أخلاق نفسك بخُلق محمود (كتاب اللمع للطوسي :ص400)
- وقال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: الكرامة الحقيقية إِنما هي حصول الاستقامة، والوصول إِلى كمالها. ومرجعها أمران: صحة الإِيمان بالله عز وجل، واتباع ما جاء به رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً؛ فالواجب على العبد ألّا يحرص إِلاّ عليهما ولا تكون له همة إِلا في الوصول إِليهما.
وأما الكرامة بمعنى خرق العادة فلا عبرة بها عند المحققين، إِذ قد يُرْزَقُ بها من لم تكتمل استقامته، وقد يُرْزَق بها المستدرَجون.
- وقال: (إِنما هي كرامتان جامعتان محيطتان؛ كرامة الإِيمان بمزيد الإِيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوي والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إِلى غيرهما فهو عبد مُفْتَرٍ كذاب، ليس ذا حظ في العلم والعمل بالصواب؛ كمن أُكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إِلى سياسة الدواب وخلع الرضا (نور التحقيق: ص128)
- وقال الإِمام القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا، لم يقدح عدمها في كونه ولياً) وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في شرحه لرسالة القشيري عند هذا الكلام: (بل قد يكون أفضل ممَّنْ ظهر له كرامات، لأن الأفضلية إِنما هي بزيادة اليقين لا بظهور الكرامة (الرسالة القشيرية: ص159)
- ومن هذا القبيل نذكر ما قاله الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: (إِنَّ من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقاً لكرامة بسبب عمله، حصل لعمله وقع عظيم في قلبه، ومَنْ كان لعمله وقع عنده كان جاهلاً، ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير، وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور، وكلُّ معارفهم وعلومهم في مقابلة عزته حيرةٌ وجهلٌ، رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى:
إليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يرفَعُهُ [فاطر: 10]
فقال: علامةُ أن الحق رفع عملك ألّا يَبْقى عندك [أي عملك] فإِن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع، وإِن لم يبق معك فهو مرفوع (تفسير الرازي ج5: ص692)
أخيراً:
إن كرامات الأولياء حق ثابت بالسمع والعقل، وهي منحة إلهية تزيد المؤمن يقيناً وتثبيتاً، شريطة أن تُعرض أحوال صاحبها على الكتاب والسنة؛ فالمعيار الحقيقي هو الاستقامة لا مجرد خرق العادة. وهي ثمرة الإيمان والتقوى، فإذا فُقد أحدهما أو كلاهما، فإن ما نراه ليس كرامة، بل هو سحر أو شعوذة أو استدراج، مهما بلغت درجة غرابة الحدَث.
(بعض المصادر: الرسالة القشيرية، حقائق عن التصوف، كتاب التقريب والإرشاد الصغير للباقلاني، الإرشاد للجويني، بستان العارفين للنووي رحمه الله تعالى، مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري، لابن فورك، مقالات الإسلاميّين، شرح العقائد النَّسَفيّة، تفسير روح المعاني)

تعليقات