مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
ثمرة الإيمان والعمل | الشيخ المفتي محمد قاسم العطاري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22
قال الله سبحانه وتعالى:
إنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا [مريم:96]
تفسير الآية في ضوء السنّة النبويّة:
ذكر جمهورُ المفسِّرين في تفسير هذه الآية الحديثَ الشريف الوارد في الصحيحين، أنّ النبيَّ ﷺ قال:
إِذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ» (صحيح البخاري: 2/382، (3209))وقد ثبت عن النبي ﷺ أيضًا أنّه ذكر هذا الحديث في تفسير الآية، كما ورد في (سنن الترمذي: 5/109، ((3172)
أقوال السلف في معنى الوُدِّ:
- جاء عن سيّدنا عبد الله بن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى
سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا
قال: محبّة في الناس في الدنيا.
- وعنه أيضًا: الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.
- قال الإمام مجاهد رحمه الله تعالى: يُحبّهم ويُحببهم إلى خلقه، (تفسير الطبري:8/385)
- قال العابد الزاهد هرَمُ بن حَيّانٍ رحمه الله تعالى: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عزّ وجلّ إلّا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتّى يرزقه مودّتهم (تفسير الخازن:3/248)
تمثيلٌ بديعٌ لثمرات الإيمان والعمل:
نقل العلّامة إسماعيل حقّي رحمه الله تعالى عن كتاب "التأويلات النجمية" تصويرًا بديعًا لثمرات الإيمان والعمل الصالح؛ حيث قال: يُشير إلى أنْ بذر الإيمان إذا وقع في أرض القلب وتربّى بماء الأعمال الصالحات ينمو ويتربى إلى أنْ يثمر فتكون ثمرته محبّة الله ومحبّة الأنبياء والملائكة والمؤمنين جميعًا. (روح البيان:5/359)
القبول العامّ دليل على محبّة الله تعالى:
يُستفاد من الآية والحديث المذكورَيْن في بداية المقال:
أنّ القبول العام الذي يحظى به المؤمنون الصالحون والأولياء الكاملون هو علامة على محبّة الله لهم، وعطيّةٌ خاصّةٌ منه سبحانه وتعالى.
ومن الشواهد الواضحة على ذلك ما حظي به آلافُ الأولياء الكرام من قبولٍ واسعٍ في الأمّة، كالولي الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسلطان الهند الشيخ معين الدين الجشتي الأجميري، والشيخ فريد الدين مسعود، والشيخ علي بن عثمان الهجويري، والشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي مجدّد الألف الثاني، والشيخ الإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي، والشيخ مهر علي شاه وغيرهم رحمهم الله تعالى أجمعين.
وبحسب الحديث المتقدّم، فإنّ قلوب الناس تميل بطبعها إلى الصالحين والأولياء، من غير أنْ يسعَوا وراء الشهرة أو يتكلّفوا أسباب القبول.
وقد قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى في تفسير الآية المذكورة: إنَّ من الأقوال في هذه الآية –وهو قول الجمهور– أنّه تعالى سيُحدِثُ لهم في القلوب مَودَّةً ويَزرَعُها لهم فيها مِن غير توَدُّدٍ منهم، ولا تعرُّضٍ للأسباب التي يَكتَسِبُ الناسُ بها مَودّات القلوب من قَرابةٍ أو صداقةٍ أوِ اصْطِناع معروفٍ أو غير ذلك، وإنّما هو اخْتِراعٌ منه تعالى، وابْتِداءٌ تخصيصًا لأوليائه بهذه الكرامة كما قذَفَ في قلوب أعدائهم الرعبَ والهيبةَ إعظامًا لهم وإجلالًا لمكانهم. (التفسير الكبير للرازي: 7/567، مختصرًا)
صفات الأولياء وأخلاقهم:
وعند التأمّلِ في معاني هذه الآية المتقدّمة، والنظرِ في أعمال الأولياء الصالحين وأخلاقهم الحسنة وخصالهم الجميلة وأوصافهم الحميدة، يتجدّد الإيمان بصدق القرآن الكريم، فإذا ألقينا نظرة على سير هؤلاء الأولياء، رأينا غصون الأعمال الصالحة تتمايل على شجرة الإيمان:
- فنرى في حياتهم النموذج الرفيع في اتّباع الكتاب والسنّة، واجتماع العلم بالعمل، وإيثار الآخرة على الدنيا.
- وتتجلّى في عاداتهم اليوميّة إحياء الليالي، والبكاء، وقيام الليل والسجود والعبودية لِلّه بالحبّ والخشية، وذكر الله، وتلاوة القرآن، والتفكّر والتدبّر، والتوبة والاستغفار.
- وتبرز في أعمالهم القلبيّة محاسبة النفس، والإخلاص لِلّه، والصبر والشكر، والتوكّل على الله، والتوحيد الكامل، والتسليم والرضا، والفقر والقناعة، والزهد والورع، والتفكّر في الآخرة، ومحبّة الله والرضا بقضائه، والنصح للخلق، واحترام المسلم، وحسن الظنّ.
- ويظهر في أقوالهم وأفعالهم لين الكلام، والعزم على الاجتهاد والسعي، وحسن الظنّ بالمسلمين، والعفو والصفح، وحسن المعاملة مع المخالفين، وأداء حقوق العباد، والشفقة والرحمة بالخلق.
- وكذلك شيمتهم التواضع والانكسار، وهم مع ذلك كلّه لا يأمنون مكر الله، ويخافون سوء الخاتمة.
- أولئك هم الذين تبدو عليهم بوضوحٍ صفاتُ المؤمنين والصالحين والمتّقين والصابرين والشاكرين والخاشعين والمطيعين والمتوكّلين والمحبّين والناصحين وأصحاب اليمين وغيرهم؛ وجزاءً على ذلك يُلقي الله عزّ وجلّ محبّتهم وقبولهم في قلوب العباد.
الإخلاص سرّ القبول:
انظروا اليوم، كيف ينام أولياء الله تعالى في مراقدهم والناس ينجذبون إليهم من كلّ حدبٍ وصوبٍ، رغم أنّهم لم يروهم في الأزمنة السابقة، وكذلك انظروا إلى العلماء والصلحاء والمشايخ الكرام الأحياء الموجودين بيننا، ممّن هم أهل تقوى وصلاح، كيف يحبّهم الناس ويذكرونهم بالخير، ومَن أراد مثالًا على ذلك فليشاهد ما منح الله للشيخ محمّد إلياس العطّار القادري حفظه الله من قبولٍ واسعٍ، وشهرةٍ، ومحبّةٍ وتقديرٍ في القلوب، فما ذلك إلّا ثمرة للأعمال الصالحة التي تُؤدَّى بإخلاصٍ لوجه الله الكريم.
الفرق بين الرياء والإخلاص غالبًا ما يخفى على الناس، لكنّه لا يخفى على الله عزّ وجلّ؛ والله تعالى يُجازي العمل بحسب حقيقته.
وقد رُوي عن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى أنّ رجلًا قال:
والله! لأعبُدنَّ الله عبادة أُذكَرُ بها، فكان لا يُرى في حين صلاة إلّا قائمًا يصلّي، وكان أوّلَ داخلٍ إلى المسجد وآخِرَ خارج، فكان لا يُعَظَّمُ، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمرّ على قومٍ إلّا قالوا: "انظروا إلى هذا المرائي"، فأقبل على نفسه فقال: لا أُراني أُذكَر إلّا بِشرٍّ، لأجعلنَّ عملي كلَّه لِلّه عزّ وجلّ، فلم يزد على أنْ قَلَبَ نيّتَه، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمرّ بعدُ بالقوم، فيقولون: رحم الله فلانًا الآن، وتلا الحسن البصري رحمه الله تعالى:
إنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا [ مريم: 96] (تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 5/238)
وأخيرًا نسأل الله تعالى أنْ يرزقنا الإخلاص في العمل، آمين بجاه النبي الأمين ﷺ.

تعليقات