وجوب النهي عن المنكر ومراتبه | الشيخ المفتي محمّد حسّان العطّاري المدني حفظه الله تعالى


نشرت: يوم الإثنين،20-يوليو-2026

وجوب النهي عن المنكر ومراتبه

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22

عن سيّدنا أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:

مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ (صحيح مسلم: صـ 48-49، (177))

شرح الحديث:

إنّ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقع على المكلّف حسب استطاعته وقدرته، وبناءً على ذلك فإنّ الفئة التي تتمتّع بالولاية والسلطة على الآخرين؛ كحاكم المسلمين على رعيّته، والوالدين على أبنائهم، والمعلّمين على طلّابهم، يجب عليهم إذا رأوا مَن تحت سلطتهم وولايتهم متلبّسًا بمنكرٍ أنْ يمنعوه منه، حتّى وإن استلزم الأمر استخدام وسائل التأديب والعقوبات التعزيريّة، شريطة الالتزام بالحدود والضوابط التي أقرتها الشريعة الإسلاميّة.

أمّا العلماء والدُّعاة الذين لا يملكون سلطةً تنفيذيّةً على الناس، فعليهم القيام بهذا الواجب (أي: النهي عن المنكر) عبر الوسائل المختلفة؛ كإلقاء خطب الجمعة، والمواعظ في الحفلات والاجتماعات، أو من خلال التصنيف والتأليف والمراسلات، بل إنّ المفتي أحمد يار خان النعيمي رحمه الله تعالى أدرج دور "الشُّعراء" في قمع المنكرات عبر قصائدهم ضمن وسيلة النهي عن المنكر باللسان والقلم (صحيح مسلم: صـ 48-49،(177))

وأمّا عامّة الناس الذين لا يملكون القدرة على التغيير حتّى بألسنتهم، فعليهم أنْ ينكروا المنكر بقلوبهم، وإنْ كان هذا يمثل أدنى وأضعف درجات الإيمان؛ إذ الأصل هو السعي للتغيير باللسان، إلّا أنّ المرء حين يكره المعصية بقلبه؛ فإنّ ذلك يضمن ابتعاده عنها بنفسه، وهذا يؤدّي بالنتيجة إلى صلاح الكثير من أفراد المجتمع واستقامة حالهم تلقائيًّا.

  • ولا تنسوا أيّها الأحبّة! أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون واجبًا في حالاتٍ معيّنةٍ، كما ذكر المفتي محمّد أمجد علي الأعظمي رحمه الله تعالى نقلًا عن "الفتاوى الهنديّة": إنّ الأمرَ بالمعروف على وُجوهٍ:

إنْ كان يَغلب على ظنّه أنّه لو أَمرَ بالمعروف سيَقبَلون ذلك منه ويمتنعُون عن الْمُنكَر فالأمرُ واجبٌ عليه ولا يَسَعُه تَركُه (الفتاوى الهندية: 5/352) (بهار شريعت: 3/615، تعريبًا من الأردية بتصرف)

  • قال الحافظ ابن الملقن رحمه الله تعالى: النهي عن المنكر فرض كفاية (المعين على تفهم الأربعين لابن الملقن: صـ 394، مختصرًا)
  • قال الحافظ ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: النهي عن المنكر بالقلب فرض عين لا يسقط عن أحدٍ بحالٍ من الأحوال (الفتح المبين بشرح الأربعين لابن حجر الهيتمي: صـ 547، بتصرف)

وقد جاء في الحديث الشريف: عن سيّدنا العُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ الكِندِي رضي الله عنه، عن النبي الكريم ﷺ قال: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وقال مرّةً: «أَنْكَرَهَا»- كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا. (سنن أبي داود: 4/166 (4345))

ملاحظة:

(لمزيد من التفاصيل والفوائد النافعة حول هذا الموضوع يُمكِنُ مراجعة كتاب "الدعوة إلى الخير" لفضيلة الداعية الإسلامي العارف بالله الشيخ محمّد إلياس العطّار القادري حفظه الله تعالى ورعاه)

تعليقات



رمز الحماية