كيف تكون حَسَنَ الخُلق مع الناس؟


نشرت: يوم الأَحد،28-يوليو-2019


حياة المسلم في سعادته برضى الخالق جلّ وعلا، وشقاوته بالبعد عن محاولة رضى الله تعالى، وكمال إيمانه من كمال أخلاقه، وكمال أخلاقه مستمد من متابعته لأخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو أسعد مخلوقات الله برضى الله، وأكمل عباد الله بحسن أخلاقه وتمامها وكمالها، بل هو منبع الأخلاق ومصدرها، وهو صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ميزان الأخلاق للناس في جميع شؤونهم وأحوالهم، ثم يأتي بعده أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ثم عامة السلف والتابعين والصالحين إلى يوم القيامة.

لكن كيف تكون مرضياً عند الله بحسن أخلاقك، وكيف تحسّن أخلاقك مع العباد، للجواب على هذا لا بد أن نعلم أن حسن الخلق مع الناس سجية وطبع في الإنسان إما أن يكون مجبولاً عليه، وإما أن يكون ألزم نفسه به من خلال الأمور التالية:

  • البيئة التي تربّى فيها، المسجد، أو المدرسة، أو الجامعة، بالإضافة إلى البيت والأبوين.
  • الإيمان الصادق والعمل بمقتضيات هذا الإيمان.
  • المجاهدة والصبر على التحلّي بالأخلاق الحسنة المكتسبة من أصحاب الخلق الحسن حين تقلّدهم بذلك، أو أصحاب الخلق السيء حين تتنبّه منهم على خلق سيء فتنبذه وتعمل بالخلق الحسن.
  • قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وسير السلف الصالح ومن بعدهم والاقتداء بهم.

     

  • الصحبة الصالحة لذوي الأخلاق الحسنة المرضية عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
  • التضرع إلى الله بالدعاء لأجل تحسين الخلق.
  • وقد يكون الخلق الحسن فطرة وغريزة في ذات الشخص فجبله الله على الأخلاق الفاضلة وهذا لا يحتاج لصبر ولا مجاهدة وهذا مثل عبد الله بن عوف الأشج الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:

    إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة.(رواه مسلم: ١٧)

    الحلم هو العقل، والأناة فهو التثبت وترك العجلة.

هذه سبعة أمور يعود أمر تحسين الخلق من خلالها مع الناس جميعاً، وما يعنينا فيها هي الأمور الستة الأولى لأنها مكتسبة والعبد مكلّف بالعمل عليها، والالتزام بها، والبحث عنها؛ لأن مدار فلاحه ونجاحه عند الله عليها بعد أن يضمّ إليها أمر عبادة الله تعالى في الواجبات.

والدليل على أنه يطلب من العبد تحسين خلقه للناس ما جاء في موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ، أنْ قَال:

أحسِنْ خُلُقك للناس يا معاذ بن جبل(مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة والمعجم الكبير للطبراني رحمهم الله تعالى)

وفي وصية أخرى له:

خالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسنٍ.(رواه الترمذي وقال: حديث حسن)

وفي هذا دليل واضح على الأمر بالمجاهدة والصبر في تحسن الخلق مع الناس لدى معاشرتهم والتعامل معهم، بل إن الحياة مع الناس لا تستقيم إلا بالأخلاق الحسنة والصبر عليها، وقد ورد:

إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ.(الطبراني وأبو نعيم في الحلية وغيرهم عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه)

أفضل طريق لتكون حسن الخلق مع الناس:

عليك أن تُلْزِم نفسك طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في معاملته مع الخلْق، حيث تعامل مع المشرك واليهودي والنصراني ومع جميع فئات الناس، وما كان هؤلاء الذين يتعاملون معه إلا محل تأثُّرٍ به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وتعجُّبٍ وانبهار من حسن معاملته وأخلاقه في العفو والتسامح، وغض الطرف عن الزلات، فكان أعظم الناس خُلقاً في السوق وحسن الأداء، وفي البيت بحسن بالمعاشرة والخلق الحسن، وفي المسجد بحسن الخلق بالتلاقي مع العبادة، وفي السفر بحسن المصاحبة، وفي الحرب بخُلق الوفاء وحسن المعاملة، وعند الغضب بخُلق ضبط النفس والمصابرة، وعند المصيبة بخُلق الصبر والاحتساب لله، وللجار بحسن المجاورة، وهكذا.

فكان يزور أصحابه ويخص جاره بالإحسان، وكان يقول لأسيره الذي أراد قتله وهو نائم كن خير آخذ.. فيعفو عنه.. فيذهب برهة من الزمن ويعود معلناً إسلامه.. وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.. حتى يقول عدوه لقومه جئتكم من عند خير الناس، ولو تتبّعنا سيرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لوجدناها مليئة زاخرة بأعظم المواقف التي تدلنا على أعظم الأخلاق التي يجب أن تكون مثالاً حسناً لنا لنقتدي بها.

رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يدعو ربه لتحسين خلقه:

وهو صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع كل هذه الأخلاق العظيمة ما فتِئ يدعو ربَّهُ في قيامِ الليلِ بقولِهِ:

اللهم اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئِهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ.(رواهُ الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى عن عليٍّ رضي الله عنه: ٧٧١)

فإذا كان الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي قال الله فيه: .

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ.[القلم: ٤]

مِن حُسنِ الخُلُقِ بهذه السيرة وتلك المسيرة، فهو مع هذا يسألُ الله الهدايةَ لأحسنِ الأخلاقِ، ويتعوّذ مِن سيِّئِهَا، فكيفُ يصنعُ مَن خُلُقُهُ إلى جانب خُلُقِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كشمعة في هواء تحت شمس أخلاقه صلى الله عليه وسلم أو أقل من ذلك..!

كان خلقه القرآن:

الخلاصة أيها القارئ الكريم أنه يجب علينا تحسين الأخلاق في جميع شؤون الحياة ومع جميع العباد، وقد أخبر سعدُ بن هشام بن عامرٍ أنه سألَ السيدة عائشةَ رضي اللهُ عنها، فقال: «قلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. قَالَتْ:

أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الْقُرْآنُ.(رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى: ٧٤٦)

يعني يمثل أوامره ويجتنب نواهيه، ويعمل بتوجيهاته ويتأثر بمواعظه وآياته.

عاقبة سوء الخلق:

يكفي أن تعلم أن سيئ الخلق عاقبته وخيمة ومآله شديد وهذا يدفعك لتحسين خُلقك عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ، وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْعِبَادَةِ، - يعني يقتصر على الفرائض - وَإِنَّهُ لَيَبْلُغُ بِسُوءِ خُلُقِهِ أَسْفَلَ دَرَجَةٍ فِي جَهَنَّمَ.
(رواه الإمام الطبراني رحمه الله تعالى: ٧٥٤)

ثواب تحْسين الخلق:

يكفي لي ولك أخي المسلم لتحسين الخلق أن تعلم أنك بحسن الخلق تكون محبوباً قريباً من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في مجلسه ومنزلته يوم القيامة، وأن تعلم أيضاً أن أبعد الناس مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من لم يحسّن خلقه للناس وكان معروفاً بسوء خلقه وسيرته فقد صح أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ.(رواه الترمذي رحمه الله تعالى وحسنه عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه: ٢٠١٨)

تعليقات



رمز الحماية