مكانة الإمام الأعظم في الحديث | محمد إلياس اليمني


نشرت: يوم الخميس،23-ديسمبر-2021


يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: عليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم.

قال الشاعر:

فاتني أن أرى الديار بطرفي
فلعلي أرى الديار بسمعي

نعم إن سيَرَ العلماء العاملين والأولياء الكاملين مدارس ننهل منها طريق الحياة وكيفية عمرانها بالتقوى والصلاح؛ لأن سيرهم هي الدروب التي تدل على النجاح الدنيوي والأخروي، فما أجمل حين يقرأ أحدنا سيرتهم أو يسمعها فيمشي على منهاجهم القوي المستقيم بالجد والاجتهاد! فينال من بركاتهم، ولذا يقول محمد بن يونس رحمه الله تعالى: "ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين"

وشاهده من كتاب الله تعالى قوله سبحانه:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي ٱلْأَلْبَٰبِۗ﴾

فمن الحقائق الجلية أن الأئمة الأربعة المتبوعين رضي الله عنهم وفي مقدمتهم الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى، قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وصلاحهم وتقواهم حتى تواتر عند الأمة المسلمة فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم في العلم والعمل، وقد جعلهم الله سبحانه وتعالى كالنجوم في السماء يُهتدى بهم، فهم يستحقون منا كل تقدير وإجلال لما لهم علينا من المنِّ والفضل.

ومع ذلك فقد نشأت في هذا العصر المتأخر ناشئة حديثة لا تدري ما هي عليه، فجعلت تتقول على الأئمة بما هم براء منه، وتستصغر شأنهم وتكبر من شأن أنفسها بمحاذاتهم أو التقدم عليهم، وخصّت تلك الناشئة الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى بالطعن الشديد عليه والوقيعة فيه بما برأه الله تعالى منه، فكان عند الله وجيها.

بدأتْ أولاء الناشئة بالمغامز والمطاعن الباطلة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى فتلقفوا أقاويل معدودة من كتب الجرح والتعديل، وهي معلولة بأنواع العلل، فبدأوا يطعنون في حفظ هذا الإمام الجليل وضبطه -وهو إمام الأئمة- وقد تجاهلوا ثناء الأئمة والعلماء والمحدثين المتقدمين عليه وعلى علمه وحفظه وفهمه، وقد تناسوا أيضا إجماع الجهابذة العلماء والحفاظ المتأخرين على إسقاط وإبطال تلك الأقاويل المعلولة وإطباقهم على الثناء عليه وتبجيله وتقريظه.

فلذا أحببتُ أن أجمع لهم ثناء العلماء القدامى والمتأخرين على مكانة الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه عمومًا ومنزلته في علم الحديث والسنة خاصةً، ليتضح لهم منزلته السامية ومرتبته العالية عسى الله تعالى أن يهدي به التائهين عن الحق فيفوزوا مع الفائزين ولا يهلكوا مع الهالكين.

من هو هذا الإمام الجليل؟ قدوة العلماء الأعلام وشيخ مشايخ الإسلام العالم الجليل المتفق على جلالته وفضله وعلمه، فقيه الملة، عالم العراق أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي، الكوفي، التابعي رضي الله تعالى عنه، وُلد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، ورأى سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما قدم عليهم الكوفة، ومات ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، وقد انتشر مذهبه بالكوفة والعراق، والشام، ومصر، والجزيرة العربية، وشمال إفريقيا، وما وراء النهرين والروم وغيرها وأتباعه لا يُحصون.

مكانته العلمية:

لقد ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أثرًا واسعًا على الناس، بما بذله من علم وفقه، وهو بحر لا ساحل له وقد سمع هاتفًا في المنام وهو في الكعبة يقول له: إنك يا أبا حنيفة! أخلصت خدمتي وأحسنت معرفتي فقد غفرت لك.

وقد شهد له كثير من العلماء بالفقه والإمامة منهم: عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: لولا أن الله أغاثني بأبي حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى لكنت كسائر الناس.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: قيل لمالك رحمه الله تعالى: هل رأيت أبا حنيفة رحمه الله تعالى؟ قال: نعم، رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

نكتفي بهذه الأقوال ولو ذهبنا إلى مناقبه وفضائله لأطلنا المقال، ولم نصل إلى الغرض المطلوب.

منزلته في الحديث:

ولا شك أن إمامنا الجليل إمامنا الأعظم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه كان من التابعين، وأنه أدرك بعض الصحابة رضوان الله عليهم وأنه من القرون الأولى التي شهد لها حبيبنا ونبينا ﷺ بالخيرية والأفضلية.

قبل أن أسرد أقوال العلماء أود أن أوضح بأن الإمام الأعظم الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه لم يدع الناس على مذهبه إلا بإشارة من حبيبنا ونبينا ﷺ كما حكى ابن حجر رحمه الله تعالى: ما اشتغل بدعوة الناس إلى مذهبه إلا بالإشارة النبوية في المنام، فيدعوهم إلى مذهبه بعد ما قصد الانزواء والاستخفاء عنهم، تواضعًا واحتقارًا لنفسه، فلما جاءه إذن من فوضت إليه قسمة خزائن الله على مستحقها، علم أن ذلك أمر حتم لا بد منه، فدعا الناس إليه حتى ظهر مذهبه وانتشر، وكثرت أتباعه، وخُذِلت حسّاده، ونفع الله به شرقًا وغربًا وعجمًا وعربًا ورزق حظًّا وافرًا في أتباعه.

ولقد كان -رحمه الله تعالى- إمامًا في الحديث الشريف فإنه -رضي الله تعالى عنه- أخذ الحديث عن أربعة آلاف شيخ من الصحابة والتابعين.

ومن زعم قلة اعتنائه بالحديث فهو إما لتساهله أو حسده، إذ كيف يتأتى ممن هو كذلك استنباط مثل ما استنبطه من المسائل مع أنه أول من استنبط من الأدلة على الوجه المخصوص المعروف في كتب أصحابه، ولأجل اشتغاله بهذا الأهم لم يظهر حديثه في الخارج، كما أن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- لما اشتغلا بمصالح المسلمين العامة لم يظهر عنهما من رواية الأحاديث مثل ما ظهر عن صغار الصحابة، وكذلك مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لم يظهر عنهما مثل ما ظهر عمن تفرغ للرواية كأبي زرعة وابن معين رحمهما الله تعالى لاشتغالهما بذلك الاستنباط.

لا ريب أن الإمام الأعظم رحمه الله تعالى له إطلاع واسع على الأحاديث الطيبة وروايتها وقد ذكر كثير من العلماء أن الإمام هو راوٍ من رواة السنة النبوية وحافظٌ من حفّاظ الحديث الطيبة وإمام من أئمته إليكم بعض أقوال العلماء:

● قال مسعر بن كدام رحمه الله تعالى: طلبت الحديث مع أبي حنيفة فغلبنا.

● وقال يحيى بن آدم رحمه الله تعالى وهو أحد شيوخ البخاري رحمه الله تعالى: إن في الحديث ناسخًا ومنسوخًا كما في القرآن، وكان النعمان –أبو حنيفة- رضي الله عنه جمع حديث أهل بلده كله، فنظر إلى آخر ما قبض عليه النبي ﷺ فأخذ منه فكان بذلك فقيهًا.

● قال ابن حجر رحمه الله تعالى: احذر أن تتوهم أن أبا حنيفة رضي الله عنه لم يكن له خبرة تامة بغير الفقه حاشا لله تعالى كان في العلوم الشرعية من التفسير والحديث والعلوم الآلية الأدبية وغيرها والمقاييس الحكمية بحرًا لا يجارى وإمامًا لا يمارى، وقول بعض أعدائه فيه خلاف ذلك منشأه الحيد، وحجته الترفع على الأقران ورميهم بالزور.

● قال عبد الله بن داود الخريبي رحمه الله تعالى: يجب على أهل الإسلام أن يدعو لأبي حنيفة رحمه الله تعالى في صلاتهم، وذكرِ حفظه عليهم السُنَن والفقه.

● وقال الإمام الكاساني رحمه الله تعالى: أنه كان من صيارفة الحديث.

● وقال الإمام الملا علي القاري رحمه الله تعالى: وإن حسن الظن بأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه أحاط بالأحاديث الشريفة من الصحيحة والضعيفة.

● عن نعيم بن عمرو رحمه الله تعالى قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: عجبًا للناس يقولون إني أقول بالرأي وما أفتي إلا بالأثر.

● عن النضر بن محمد رحمه الله تعالى قال: ما رأيت أحدًا أكثر آخذًا للآثار من أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

● عن يحيى بن نصر رحمه الله تعالى قال: سمعت أبا حنيفة يقول: عندي صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي ينتفع به.

وإليكم ممن ذكره في طبقات الحفاظ:

  1. الذهبي رحمه الله تعالى (ت٧٤٨هـ) في تذكرة الحفاظ.
  2. ابن عبد الهادي المقدسي رحمه الله تعالى (ت٧٤٤هـ) في طبقات علماء الحديث.
  3. ابن ناصر الدمشقي رحمه الله تعالى (ت٨٤٢هـ) في التبيان لبديعة البيان.
  4. ابن المبرد رحمه الله تعالى (ت٩٠٩هـ) في طبقات الحفاظ.
  5. السيوطي رحمه الله تعالى (ت٩١١هـ) في طبقات الحفاظ.
  6. البدخشي رحمه الله تعالى (ت٩٢٢هـ) في تراجم الحفاظ.

في الختام:

إن إشاعة مثل هذه الأقوال ونشرها لهو حفظ لمقام إمام جليل القدر عظيم المكانة في تاريخ الإسلام، وهو تكريس للمسلك الأخلاقي المتَّبع بين الأئمة والفقهاء والعلماء والمحدثين في حسن الأحدوثة، والثناء المتبادل، وتجنب العصبية، وتفهم الخلاف، وهو تربية للطلبة والأتباع على الاحترام والأدب، ومجانبة الوقيعة والإطاحة، وتهذيب اللسان، وهذه أخلاق المسلمين، فضلا عن الخاصة من أهل العلم والدين.

تعليقات



رمز الحماية