هدي رسول الله ﷺ في التعامل مع الشباب | الشيخ أيمن بكار


نشرت: يوم السبت،15-أغسطس-2026

هدي رسول الله ﷺ في التعامل مع الشباب

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23

في حضرة النبوة تظهر الرحمة في هيئة بشر، وتتجسد الحكمة في هيئة إنسان، فتتحول القلوب القاسية إلى أنهار من نور، والطباع الغليظة إلى نفحات زهر وعطور، والمراهقة الطائشة إلى همة عالية وإنجازات وحضور، إنها مدرسة النور المحمدي والهدي النبوي ذات الجلال والجمال والكمال والبهاء، وإن من أعجب ما تتجلى فيه هذه الرحمة المحمدية والحكمة النبوية (احتواء الشباب والتعامل معهم والرقي بهم) خاصة أن الشباب هم طاقة الأمم، ومفتاح نهضتها، فهم الأمل والمستقبل، والتغير والتطوير والإبداع، وكانوا من أوائل من أسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام، وحمل رسالة الإسلام هم الشباب، فكان ﷺ يثق بهم، ويعتمد عليهم، ويوكل المهام العظام إليهم، ويتلطف في إرشادهم وتصحيح أخطائهم، ويراعي الفروق بينهم، مما يتيح لكل واحدٍ منهم مساحة تظهر فيها قدراته ومواهبه بحسب اختلافهم وتنوعهم فيكمل بعضهم بعضًا.. لذلك كان النبي ﷺ يوصي بالشباب، وكان الصحابي الجليل سيدنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه إذا رأى الشباب قال: مرحبًا بوصيَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، أَوْصَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُوَسِّعَ لَكُمْ فِي الْمَجْلِسِ، وَأَنْ نُفَهِّمَكُمُ الْحَدِيثَ. (شعب الإيمان: 3/249، (1610))

تعزيز قدراتهم وتمكينهم:

فكان ﷺ يعرف قدرات من حوله من الشباب، فهو ﷺ أعرف الناس بحقائق الأشياء، فيصف كل واحد بما يستحقه، ويعطي كل منهم فرصته، عَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ. (رضي الله عنهم أجمعين) (سنن الترمذي: 5/435، (3815))

وفي رواية ابن ماجه: وأقضاهم عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه). (سنن ابن ماجة: 1/102، (154))

وفي موقف آخر يطلب سيدنا أبو ذر رضي الله عنه الإمارة فلا يجبه ﷺ إلى طلبه ويقول له: يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَة، ‌وَإِنَّهَا ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌خِزْيٌ ‌وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وأدّى الذي عليه فيها. (صحيح مسلم: صـ 783، (1825))

وأما أسامة بن زيد الذي لم يبلغ العشرين عقد له لواء الإمارة على جيش فيه كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهم جميعًا، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَأيْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَه). (صحيح البخاري: 2/542، (3730))

وكان سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه من الشباب السابقين إلى الإسلام، أرسله النبي ﷺ بعد العقبة الأولى إلى المدينة ليعلم أهلها، فانتشر الإسلام في المدينة بجهوده، وعندما استشهد سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه في أحد وعمره لم يتجاوز الأربعين وقف النبي صلى الله على جثمانه وقرأ (‌مِنَ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا). (المستدرك على الصحيحين: 4/206، (4957)، مأخوذًا)

ضبط حماس الشباب بالشرع والوسطية:

الشباب همة عالية وعزيمة قوية، فإذا ما توجهوا إلى أمر توجه إليه بكليتهم، وبكل طاقتهم، فعلّمهم سيدنا النبي ﷺ التوازن بين العبادة والدنيا، والانضباط بالوسطية والاعتدال، فعند سماعه ﷺ لرغبة شباب بالتفرّغ للعبادة تمامًا، أبعد عنهم غلوّ الرهبانية: قال ﷺ لهم: أصلي وأنام، وأصوم وأفطر وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس مني. (صحيح مسلم: صـ 558، (1401))

لفت بذلك إلى أن منهجه ﷺ وسنته تشمل العبادة والعمل والزواج والاستراحة، وتكرر الموقف مع صاحب الهمة العالية، كما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جمعت القرآن فقرأته في ليلة فقال رسول ﷺ: (إني أخشى أن يطول عليك الزمان وأن تملّ، اقرأ به في شهر»، قال: قلتُ: يا رسول الله! دعني أستمتع من قوتي ومن شبابي، قال: «اقرأه في عشرين». قال: أَيْ رسولَ الله! دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في عشر». قال: أَيْ رسولَ الله! دعني أستمتع من قوتي ومن شبابي. قال: «اقرأه في سبع». قلت: أَيْ رسولَ الله! دعني أستمتع من قوتي، فأبى). (المصنف لعبد الرزاق: 3/217، (5975))

الاستماع لقضاياهم ومعالجتها:

فقد كان ﷺ متفهماً لهمومهم ومدركاً لرغباتهم، ففي حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: إنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ! ائْذَنْ لي بالزِّنا، فأقبَلَ القَومُ عليه فزَجَروه وقالوا: مَهْ، مَهْ! فقال: ادْنُهْ، فدَنا منه قَريبًا، قال: فجَلَسَ: قال: أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأُمَّهاتِهم. قال: أفتُحِبُّه لابنتِكَ؟ قال: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لبَناتِهم. قال: أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأَخَواتِهم. قال: أفتُحِبُّه لعَمَّتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لعَمَّاتِهم. قال: أفتُحِبُّه لخالتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لخالاتِهم. قال: فوَضَعَ يدَه عليه وقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَه، وطَهِّرْ قَلبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، قال: فلمْ يَكُنْ بعدَ ذلك الفَتى يَلتفِتُ إلى شيءٍ. (مسند الإمام أحمد: 22211)

فانظر إلى اتساع قلب النبي ﷺ ورحمته بالناس، مع شاب يطلب فعل فاحشة من أقبح الفواحش، فاحتواه وناقشه بعقلية ومنطقية ولم ينهره أو يزجره، وكان ﷺ يحرص على معالجة مثل هذه المشكلة التي تعرض في أي مجتمع قبل ظهورها، فيحث على الإحصان والإعفاف، كما في حديث سيدنا عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ:

يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء. (صحيح البخاري: 5066)

مشاركة الشباب في أنشطتهم:

كان النبي ﷺ يدعوا الشباب إلى ممارسة الرياضة ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل شارك النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الشباب في ذلك، فعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ» قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟»، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلكُمْ») (صحيح البخاري: 2899)

تربيتهم والترقي بهم باللطف والحنو:

إن من أعظم ما امتاز به الهدي النبوي أنه لم يكن قائماً على التوبيخ الفج، ولا على كسر النفوس، وإنما تربية بالحكمة، وإصلاحاً بالرفق، وانتشالاً للقلوب من الزلل إلى الكمال، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: «بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت واثكل أمياه! ما شأنكم؟ تنظرون إلي. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتّوني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه.

فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (صحيح مسلم: 537)

كان ﷺ يدرك طبيعة الشباب، وما قد يعتريهم من دوافع الفطرة، ونزعات النفس، ولحظات الغفلة، فيعالجها بأسلوب يوقظ الضمير، ويحفظ الكرامة، ويغرس الحياء، دون أن يفضح أو يجرح أو ينفر، ومن أروع الشواهد على هذا المنهج النبوي التربوي الفريد قصة الصحابي خوات بن جبير رضي الله عنه، حيث قال خوات بن جبير رضي الله عنه: (نزلنا مع رسول الله ﷺ مرَّ الظهران، فخرجت من خبائي، فإذا أنا بنسوة يتحدثن، فأعجبنني، فرجعت فاستخرجت عيْبَتي، فاستخرجت منها حُلة فلبستها، وجئت فجلست معهن.

وخرج رسول الله ﷺ من قبته فقال: أبا عبد الله، ما يجلسك معهن؟ فلما رأيت رسول الله ﷺ هبته، واختلطت، قلت: يا رسول الله! جمل لي شرد، وأنا أبتغي له قيدا، فمضى، واتبعته، فألقى رداءه ودخل الأراك، كأني أنظر إلى بياض متنه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره، فقال: أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟ ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك يا أبا عبد الله! ما فعل شراد ذلك الجمل؟

فلما رأيت ذلك تعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد، والمجالسة إلى النبي ﷺ، فلما طال ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي، وخرج رسول الله ﷺ من بعض حجره، فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، وطولت رجاء أن يذهب ويدعني، فقال: طول أبا عبد الله! ما شئت أن تطول، فلست ذاهبًا حتى تنصرف، فقلت في نفسي: والله لأعتذرن إلى رسول الله ﷺ، ولأبرئن صدره.

فلما انصرفت، قال: السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: رحمك الله (ثلاثا)، ثم لم يعد لشيء مما كان). (المعجم الكبير للطبراني: 4146)

هذه القصة تمثل مدرسة كاملة في التربية النبوية، حيث جمع فيها النبي ﷺ بين الملاطفة والتلميح، وإحياء الضمير، وحسن المتابعة، ثم ختم ذلك كله بالدعاء والصفح، فخرج الصحابي الشاب من هذا الموقف بقلب أطهر ونفسٍ أزكى ومحبة أعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم..

إنها مدرسة النور المحمدي والهدي النبوي، كانت ثمرة روحٍ يملؤها الحب الإلهي والرحمة الربانية، ولا تطنن عزيزي القارئ أن هذه المدرسة قد اندثرت، أو أن معالمها قد ضاعت، بل ما تزال أنوار محمد ﷺ تسري في الأمة من خلال أولياء الله الصالحين، وحملة الميراث النبوي الكريم، ومن أعظم الشواهد على ذلك سيدي وقرة عيني فضيلة الشيخ المربي والداعية الكبير محمد إلياس العطار القادري حفظه الله ونفعنا به، فما رأيت مثل لطافته ورقته ورحمته وابتسامته وسعة صدره، وحنوه، وشفقته بالخلق جميعاً، فهنيئاً لمن التقى به، وأنتسب إليه واتبع طريقته، طريق الصالحين على منهاج النبوة..

تعليقات



رمز الحماية