عيد الحب وحكم الاحتفال به


نشرت: يوم الثلاثاء،26-يناير-2021


المسلم كله حب ويعيش مع مجتمعه ووطنه وبني جنسه بالحب، والذي يقرأ عن الإسلام يعلم أنه لا يخالف الحب مطلقًا أو يحرمه، بل إن الإسلام قدّس الحب و احترمه، وقد أثاب على الحب إن كان صادقًا متصفًا بالصفات الشرعية التي دعت الشريعة الإسلامية إليه، ولكن منعنا عن العلاقة المحرمة التي تحدث بين الرجال والنساء، ويسميها الناس اليوم (حب) ويجعلون لها يوماً لترويجه على أنه شيء حسن! والحقيقة أنه حبٌ مزيّف غير صحيح ولا شرعي سليم، فالتعارف والتواصل بين الشباب والبنات بغير عقد شرعي، محرم، بل إن الفتاة المخطوبة لا يجوز الخلوة بها إلا بعد العقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :

أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. (رواه الترمذي ٢١٦٥)

وإذا كان الحب صادقًا من القلب بهدف شرعي سليم وجاء إليه من بابه بقصد الوصول إلى الزواج وبدون أن يحصل أيّ محظور شرعي فيه، فهو نوع من الحب السامي الذي لا إشكال فيه، بل يثاب المحب في هذا الحب لأن الحب في الواقع هو أمر فطري، فطر الله الناس عليه وجعله سبباً للراحة وسد الحاجة فقد قال الإمام علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن في تفسير قول الله تعالى:

وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (الروم ٢١) وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

أي جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان من غير سابقة معرفة ولا قرابة ولا سبب يوجب التعاطف وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير تراحم بينهما إلا الزوجان. ( تفسير الخازن ٣/٣٩٠)

فقه الحب

جميعنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجبله على حب كل شيء جميل، فحين يخطر بباله أن يرتاح بعد تعبٍ، أو يتمتع مدة من الزمن تراه يجول في خياله ويتذكر الجمال، أو يبحث عن مكان جميل يتميز بأروع الخضرة ليتمتع بجمالها الفائق، وكذلك يتخيل الخضرة بين المياه الجارية والأزهار الملونة والورود المتنوعة فيطيب له النظر وتستريح النفس.

فالحب جبلّة في الخلق وفطرة في النفوس، فكل قلب يخفق يحب، وكل لسان يلهج بذكر محبوب، وكل أذن تطرب بسماع كلام حبيب، لأن النفس تحب الكمال والجمال والنوال.

إنها فطرة الحب التي فطر الله الناس عليها وغرسها في أعماق قلوبهم، وقد جعل الله الكون بها جميلا فأبدعه وأحسنه "الذي أحسن كل شيء خلقه" فما بالنا أيها القارئ بحسن الخالق سبحانه وتعالى وجماله إنه سبحانه وتعالى خالق الجمال ومبدعه، ما نظر العبد لجمال إلا وهو من صنعه وإبداعه، وما رأى من بهجة إلا وهي من خلقه وتصويره، سبحانه جل جلاله جميل يحب الجمال كما قال عليه الصلاة والسلام، فأعظم وأعلى وأسمى وأرقى حب هو أن يحب المرء خالقه سبحانه وتعالى لأنه لا شك ولا ريب بأنه أكرم المحسنين وأعلاهم وأفضلهم وأعظمهم على العبد، هو الله سبحانه وتعالى؛ بل الفضل والإحسان كله منه سبحانه وتعالى، وما من فضل ولا إحسان ولا نعمة إلا من الله الكريم المنان كما قال سبحانه وتعالى:

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.(النحل ٥٣)

ومن هذا المنطلق يجب على المسلم أن يحب خالقه المنعم عليه غاية الحب فهذا الحب هو أعظم حب في الكون كله، ولا يوجد حب مثله، لا قبله ولا بعده، ولذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم:

"أحِبوا اللهَ لما يغْذوكم من نعَمِه، وأحِبُّوني بحُبِّ اللهِ، وأَحِبُّوا أهلَ بيتي بحُبِّي". (سنن الترمذي ٣٧٨٩ )

فالله غاية مقصودة للقلوب المؤمنة النقية، وأمنية تسمو فوق كل الأمنيات، وغاية تسبق كل الغايات، اللهم ارزقنا هذا الحب الجميل.

هل للمسلمين عيد للحب؟

إذا عرفنا هذا فهل يصح أن نقول: إن للمسلمين عيداً للحب!

لا شك إن الإسلام دين عظيم يحث أتباعه على المودة والألفة فلا يوجد دين أو ملة مثله، الحبُّ والألفة في الاسلام مطلَب ليس في يوم واحد فحسب! بل أيام المسلم كلها حبٌّ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولما يتفرع عنهما مما يخدم هذا المحبة السامية.

ليس في الاسلام حب الفلنتاين ولا حب الشهوات! وليس فيه أعيادٌ مزيفة بالكلمات ومزخرفة بالشهوات كما يفعل أهل الغفلة والمهرجانات، الحب في الاسلام حب العقول والقلوب وحب الرضى بما يفعل الحبيب بالمحبوب، حب الصفاء والتصافي، حب التسامي عن السفاسف والمعاصي، كيف لا وإن ديننا حثّنا على إظهار الود والمحبة إذا أحببنا أحدا من المسلمين كما قال عليه الصلاة والسلام:

إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ. (أبو داود ٥١٢٤)

فمحبة المرء لأخيه المسلم، هي التعاون على ما يرضى الله تعالى ورسوله ﷺ، وليس المراد منها التحابب على الشهوات والهوى، فإن الحب الذي فيه التعاون على الخير والصلاح سيكون المحب بعده في ظل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة الذي ليس من جبل ولا شجر ولا كهف ولا بيت ولا غيره، بل يستظل برحمة الله ويكون له تخصيص من الله في المحشر ، اللهم اجعلنا منهم، وهذا الظل يحميه من حر شمس يوم القيامة كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: وذكر منها وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ". (صحيح البخاري ٦٦٠)

فهذه المحبة لا تُشترى بمال ولا تُحصل بجاه ولا تُنال بنسب، ولكن يمكلها المسلم الصادق بقلب مخلص لله سبحانه وتعالى، وصدق في الإيمان، وهي لا تُكلِّف الإنسان شيئا من الدنيا، بل هي من أعمال القلب التي لا تحتاج إلى نصب وتعب ولا تحتاج إلى مؤونة، فلا يفرّط فيها إلا من ظلم نفسه وبخس حظه، لما رتب الشارع عليها من أجور عظيمة.

نصحتُكَ علماً بالهوى والَّذي أرَى***مُخالفتي فاخترْ لنفسكَ ما يحلو
تعرّضَ قومٌ للغرامِ، وأعرضوا***بجانبهمْ عنْ صحّتي فيهِ واعتلُّوا
رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم***وخاضوا بحارَ الحبّ، دعوَى، فما ابتلّوا
عن مَذهَبي، لمّا استَحَبّوا العمى***على الـهُدى حَسَداً من عِندِ أنفُسِهم ضَلّوا
(عمر ابن الفارض)

حقيقة هذا العيد أي -فلنتاين-

الفلنتاين حقيقة هو عيد الغافلين عن الله تعالى واللاهين عن ذكره سبحانه وتعالى، وهو عيد يسمى بعيد الحب ولكن حب من؟ هل عيد لحب الله ورسوله أو حب الأهل والأصدقاء؟ هل هو عيد لحب المؤمنين أو الأبوين، أو المساكين والمحتاجين! هل هو حب المواساة والتعاون والإخاء؟

كلا إنه حب الفسق والفجور، إنه حب الغافلين عن تعاليم الإسلام والدين، لأن موعد عيد الحب هو موعد تتجمع فيه بناتٌ بعرضهن وشرفهن التي شرفهن الله سبحانه وتعالى مع شباب مفترسين لهنَّـ فيتبادل كل منهم رسائل الحب المحرم ، والغرام المهلك والعشق المزيّف ويعيشون أجواء الفسق للحب المحرَّم الذي بسببه ترتكب المحرمات وتنتهك الأعراض، ما هذا الحب الذي يشتمل على حفلات نهارية، وسهرات ليلية، ومناسبات مختلطة راقصة، بين الشباب والبنات متشبهين باليهود والكفار، وسالكين مسالك أهل الغفلة والعصيان.

حكم تعاطي هدايا عيد الحب

إن كان تقديم الهدايا بين المحارم أو الزوجين، أو الأبوين، أو الأصدقاء، وكان على سبيل التقليد والتشابه باليهود والمشركين في هذا اليوم فلا يجوز، وأما إن كان إعطاء الهدايا دون الالتزام بهذا اليوم فلا حرج في ذلك ولكن تركها في هذا اليوم أولى لورود التأكيد في مخالفة المسلم لأهل الفسق والفجور.

وأما تقديم الهدايا بين المتعاشقين سواء كان في هذا اليوم أو غيره فهو حرام كما قال العلماء: "ما يدفعه المتعاشقان (من الهدايا) يعتبر رشوة يجب ردها ولا تملك" .(البحر الرائق ٦/٢٨٦)

حكم الاحتفال بعيد الحب

من المصائب العظيمة التي أصابت مجتمعاتنا الإسلامية هي تسارع شبابنا وبناتنا إلى التشبه بغير المسلمين في السلوكيات، ومحاكاتهم في الهيئات والحركات والصفات مما لا تحصى أشكالها، ومن ضمن ذلك التشبّه: مشاركة أبناء المسلمين في أفراحهم وأعيادهم كفلنتاين وغير ذلك ظنّاً منهم بأنَّ ذلك من التمدن والحضارة ولكنه في الحقيقة هو تضييع المسلم لنفسه والتلاعب بدينه، وقد نهينا عن التشبه بأعياد المشركين بشتى صورها وجميع أشكالها كما قال ابن أبي حاتم في تفسير قول الله سبحانه وتعالى:

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ. (الفرقان ٧٢)

الزور هو عيد المشركين.(تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧)

وذكر شمس الدين الذهبي في قوله ﷺ:

إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا اليَوْمُ. (صحيح البخاري ٣٩٣١)

فقوله ﷺ هذه يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم كما قال تعالى:

لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ.

فإذا كان للنصارى عيد، ولليهود عيد، كانوا مختصين به فلا يشاركهم فيه مسلم كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا في قبلتهم. (تشبيه الخسيس بأهل الخميس ٣)

وختاما أيها الأحبة الكرام يكفينا ما شرعه لنا خالقنا ومالكنا سبحانه وتعالى، وتكفينا سنَّة إمام الأنبياء والرسل سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ؟

ولقد أصبحنا في حيرة حزينة مما تأثر به أبناء الإسلام من عادات اليهود والنصارى رغم أننا نحن المسلمون قد اختارنا الله سبحانه وتعالى وجعلنا من خير الأمم وأعطانا منهجاً وشريعةً خاتمة من أعظم المناهج والشرائع، ومنّ علينا بأكرم وأعظم الرسل سيدنا محمد ﷺ وأمرنا باتباعه حيث قال:

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (آل عمران ٣١)

وصدق إمامنا البوصيري حين قال:

قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ***ويُنْكِرُ الفَمُّ طَعْمَ الماء منْ سَقَم

والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية