للبشر أن يعارضه والثاني حدّ لا يمكنه أن يتجاوزه, أو المراد[1] أنّ الأعلى هو نهاية الإعجاز وما يقرب من النهاية وكلاهما إعجاز, قلنا أمّا الأوّل[2] فشيء لا يفهم من اللفظ مع أنّ البحث في بلاغة الكلام من حيث هو من غير نظر إلى كونه كلام بشر أو غيره, وأمّا الثاني[3] فلا يدفع الفساد, على أنّ الحقّ هو أنّ حدّ الإعجاز بمعنى مرتبته أي: مرتبة للبلاغة ودرجة هي الإعجاز والإضافة للبيان, يُؤيِّده[4] قول صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء:٨٢] أي: لكان الكثير فيه مختلفاً قد تفاوت نظمه وبلاغته فكان بعضه بالغاً حدَّ الإعجاز[5] وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته,.............................
[1] قوله: [أو المراد إلخ] توجيه ثان لدفع الفساد, وحاصله أنّ الحدّ هنا بمعنى النهاية لا بمعنى المرتبة, فيكون معنى العبارة: أنّ الطرف الأعلى وهو نهاية الإعجاز وما يقرب من النهاية ممّا لا يمكن معارَضته كلاهما داخلان في الإعجاز الذي هو منتهى نوعيّ للبلاغة, فلا فساد في ظاهر العبارة.
[2] قوله: [قلنا أمّا الأوّل إلخ] جواب عن التوجيه الأوّل وردّ عليه. قوله فشيء لا يفهم من اللفظ أي: لا يسبق إلى الذهن من عبارة المتن وإن كانت العبارة تحتمله والأصل حمل العبارة على المعاني التي تسبق إلى الذهن. قوله مع أنّ البحث إلخ ردّ ثان على التوجيه الأوّل أي: فيلزم فيه الخروج عن البحث.
[3] قوله: [وأمّا الثاني إلخ] جواب عن التوجيه الثاني وردّ عليه. قوله فلا يدفع الفساد وذلك لأنّ منتهى الشيء سواء أخذ حقيقيًّا أو نوعيًّا لا يكون متعدِّداً فلا يصحّ أن يقال إنّ الطرف الأعلى أي: منتهَى البلاغة أمران أحدهما نهاية الإعجاز والثاني ما يقرب من النهاية. قوله على أنّ الحقّ إلخ ردّ ثان على التوجيه الثاني, حاصله أنّ هذا التوجيه مبنيّ على أنّ الحدّ بمعنى النهاية مع أنّ الحقّ أنه بمعنى المرتبة وإضافته إلى الإعجاز بيانيّة فمعنى حدّ الإعجاز مرتبة ودرجة للبلاغة هي الإعجاز.
[4] قوله: [يُؤيِّده إلخ] أي: يُؤيِّد ما قلنا من أنّ حدّ الإعجاز هنا بمعنى مرتبته لا بمعنى نهاية الإعجاز قولُ صاحب "الكشّاف" إلخ, وإنّما قال يُؤيِّده ولم يقل يُثبِته لأنّ كون الحدّ في عبارة الكشّاف بمعنى المرتبة لا يستلزم كونَه في عبارة المتن بمعناها لكنّ الظاهر هو الاتّحاد.
[5] قوله: [فكان بعضه بالغاً حدَّ الإعجاز إلخ] هذا موضع التأييد, ووجه التأييد أنه لو لم يكن الحدّ هنا بمعنى المرتبة بل كان بمعنى النهاية لم يصحّ قوله يمكن معارَضته لأنه صفة كاشفة لقوله قاصراً عنه وضمير عنه راجع إلى الحدّ, وظاهر أنّ القصر عن نهاية الإعجاز لا يستلزم إمكان المعارَضة لجواز أن يكون القاصر عن نهاية الإعجاز داخلاً في مرتبة الإعجاز بل يستلزم الإمكانَ القصرُ عن مرتبة الإعجاز.