عنوان الكتاب: منتخب الأبواب من إحياء علوم الدين

الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين. ومن ذلك لبس المرقعة[1] والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن، ومنه التقنع بالإزار فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ليرى به أنه قد انتهى تقشفه[2] إلى الحذر من غبار الطريق ولتنصرف إليه الأعين بسبب تميزه بتلك العلامة، ومنه الدراعة والطَّيْلَسَان[3] يلبسه من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلم.

والمراءون بالزي[4] على طبقات: فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزهد فيلبس الثياب المخرقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائي بغلظها ووسخها وقصرها وتخرقها أنه غير مكترث بالدنيا ولو كلف أن يلبس ثوباً وسطاً نظيفاً مما كان السلف يلبسه لكان عنده بمنزلة الذبح، وذلك لخوفه أن يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ورغب في الدنيا. وطبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصلاح وعند أهل الدنيا من الملوك والوزراء والتجار ولو لبسوا الثياب الفاخرة ردهم القراء، ولو لبسوا الثياب المخرقة البذلة ازدرتهم أعين الملوك والأغنياء، فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدين والدنيا فلذلك يطلبون الأصواف الدقيقة والأكسية الرقيقة والمرقعات المصبوغة والفُوَط[5] الرفيعة فيلبسونها، ولعل قيمة ثوب أحدهم قيمة ثوب أحد الأغنياء، ولونه وهيأته لون ثياب الصلحاء، فيلتمسون القبول عند الفريقين وهؤلآء إن كلفوا لبس ثوب خَشِن أو وسخ لكان عندهم كالذبح خوفاً من السقوط من أعين الملوك والأغنياء، ولو كلفوا لبس الدبيقي[6] والكَتَّان الدقيق الأبيض والمقَصَّب المعلم[7] وإن كانت قيمته دون قيمة ثيابهم لعظم ذلك عليهم خوفاً من أن يقول أهل الصلاح قد رغبوا في زي أهل الدنيا. وكل طبقة منهم رأى منزلته في زي مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى ما دونه أو إلى ما فوقه وإن كان مباحا خيفة من المذمة.


 



[1]      المرقعة: وهي ثوب يقع قطعاً ثم يرقع رقعاً ثم يخيط بالصوف ويسمّى أيضاً بالخرقة وهي من لبس الصوفية. (اتحاف)

[2]      المتقشف الذي لا يتعاهد النظافة، ثم قيل للمتزهد الذي يقنع بالمرقع من الثياب والوسخ متقشف من القشف وهو شدة العيش وخشونته. (المغرب في ترتيب المعرب)

[3]      الطَّيْلَسَان: هو كساء أسود مربع. (اتحاف)

[4]      الزِّيُّ. هي اللباس والهيئة. (لسان العرب)

[5]      الفوط: هي غلاظ قصار تكون مآزر أو هي مآزر مخططة يشتريها الجمالون والأعراب والخَدَم وسِفَل الناس بالكوفة فيأتزرون بها. (تاج العروس)

[6]      منسوب إلى دبيق وهي من قرى دمياط قد خرجت منذ زمان كان يعمل فيها هذه الثياب المنسوجة بالحرير. (اتحاف)

[7]      القصب: ثياب تُتّخذ من كَتان رقاقٌ ناعمةٌ واحدها ½قَصَبيّ¼ مثل ½عَرَبِيّ¼. (لسان العرب)




إنتقل إلى

عدد الصفحات

178